كان العمل الأخير الذى قاده فولفجانج أماديوس موتسارت (١٧٥٦-١٧٩١) فى ١٨ نوفمبر ١٧٩١ هو الكانتاتا الماسونية الصغيرة، بعدها بيومين أصيب بالتهاب المفاصل، ولم يتمكن من الحركة، وشعر بآلام مبرحة،

mozart-wolfgang-amadeus-527a7a17c1157
salehhhh

محمد صالح

 

كان العمل الأخير الذى قاده فولفجانج أماديوس موتسارت (١٧٥٦-١٧٩١) فى ١٨ نوفمبر ١٧٩١ هو الكانتاتا الماسونية الصغيرة، بعدها بيومين أصيب بالتهاب المفاصل، ولم يتمكن من الحركة، وشعر بآلام مبرحة، استمرت معه حتى وفاته منتصف ليلة الخامس من ديسمبر من نفس العام. قبلها فى سبتمبر ومع تدهور صحته أنهى تأليف كونشيرتو الكلارينيت والأوركسترا كوشيل ٦٢٢ فى سلم لا الكبير لعازف الكلارينيت أنطون شتادلر، وشرع فى كتابة قداسه الجنائزى الشهير كوشيل ٦٢٦ فى سلم رى الصغير، الذى شعر وكأنه يكتبه لنفسه.

فى مسرحيته الشهيرة «أماديوس» (١٩٧٩) – التى أخذ عنها ميلوش فورمان فيلم «أماديوس» (١٩٨٤)- يرسم المؤلف بيتر شافر بطله أنطونيو سالييرى (١٧٥٠-١٨٢٥) إنسانا يرتبط بعلاقة حميمة بالله منذ الطفولة، فيحس منذ صغره بقيمة الموسيقى التى يعتبرها كلمة الله المقدسة، ويمنعه والده عن دراسة الموسيقى، فيتضرع إلى الله كى يمنحه القدرة على الحديث بكلمته، فيموت الوالد ويدرك المراهق أن الله يسمعه ويستجيب لأمانيه فيزداد إيمانا ويبدو الأمر وكأن الله قد منحه الكلمة المقدسة وذلك السر الذى يفتح قلوب الناس لموسيقاه، فيتدرج فى المناصب حتى يصل إلى فيينا ويعمل مؤلفا موسيقيا فى بلاط إمبراطور النمسا، وفى تلك الآونة كان الإيطاليون هم المسيطرون على المشهد الموسيقى فى فيينا فتمضى حياة سالييرى مستقرة سلسة مؤمنة حتى يظهر فولفجانج أماديوس موتسارت (١٧٥٦-١٧٩١) ويفاجأ سالييرى بالحقيقة المفجعة، وهى أن ما يمتلكه وظن أنه الكلمة المقدسة لم يكن كذلك، وإنما امتلك فقط القدرة على فهم تلك الكلمة المقدسة/ السر/ الموسيقى التى يتحدث بها الله إلى الناس من خلال الرسول الحقيقى موتسارت. هنا تبدأ أزمة البطل ويحس بالخديعة، ويتحول إيمانه وحبه لله إلى صراع مع تلك القوة العليا التى خدعته، ومنحت الموهبة لشخص آخر لا يماثله إخلاصا وإيمانا. يبدأ سالييرى فى صراع الإله على أرض الصراع التى هى موتسارت. فى واقع الأمر فإن شيئا من ذلك لم يحدث، وإنما هى قصة من نسج خيال المؤلف بيتر شافر استنادا لبعض الوقائع التاريخية المعروفة.

تعود تلك الفكرة إلى المأساة الصغيرة التى كتبها شاعر روسيا العظيم أليكساندر بوشكين (١٧٩٩-١٨٣٧) بعنوان «موتسارت وسالييري»، وهى ثالث عمل من ستة أعمال درامية شعرية نشرها الشاعر عام ١٨٣١. استند بوشكين فى روايته إلى عدد من المجلات الألمانية فى هذا الشأن، دون أن يفصح عن مصدره لتلك الشائعة، بل انه ذهب أبعد من ذلك وأراد أن يكتب المسرحية الصغيرة وكأنها مترجمة عن الألمانية ملقيا على عاتق الجريدة المجهولة مسئولية المعلومة، ومحتفظا بجدلية القضية كأحد أهم القضايا الإنسانية. ويعود تاريخ تلك الشائعة إلى عام ١٨٢٤ بعد ثلاثين عاما من وفاة موتسارت، حينما قيل ان المؤلف الشهير ومؤلف البلاط المعروف أنطونيو سالييرى اعترف أثناء وجوده بمصحة نفسية بقتل موتسارت. والتقطت بعض الصحف تلك الشائعة وعلى رأسها جريدة «برلين الموسيقية العامة»، ثم ظهرت الشائعة ذاتها بعد ذلك فى «مجلة الجدل» الفرنسية. وعلى ما يبدو أن بوشكين قرأ عن تلك الحادثة فى إحدى المطبوعتين. لكن النقاد ردّوا فى تلك الفترة على تلك الشائعات وأكدوا أن موتسارت وسالييرى ارتبطا بعلاقة يسودها الاحترام، وكان ذلك صحيحا بداية من استقرار موتسارت فى فيينا، إلا أن موتسارت كتب لوالده فى ١٧٨٣ حول سالييرى مؤلف البلاط ولورينزو دا بونتى شاعر البلاط: «أنت تعرف أولئك السادة الإيطاليين، يجيدون الابتسام فى وجهك! كفى، كلنا نعلم عنهم. وإذا كان دا بونتى فى نفس صف سالييرى فإننى لن أحصل على النص منه، وأنا أرغب بشدة أن أريهم ما يمكننى فعله هنا بالأوبرا الإيطالية»، كذلك فى العام نفسه كتب موتسارت لوالده حول «ألاعيب سالييري». لذلك كان من المنطقى أن تسرى شائعة دس سالييرى للسم وقتل موتسارت نظرا لغيرة المؤلفين الإيطاليين من اتساع نفوذ المؤلفين الألمان فى البلاطات الملكية، كذلك وجدت تلك الشائعة تجسيدا مسرحيا لها فى عمل ألبيرت لورتزينج «مشاهد موسيقية من حياة موتسارت» (١٨٣٢) الذى استخدم فيه غيرة سالييرى وموتسارت نموذجا للغيرة بين الموسيقيين، وإعاقة سالييرى لموتسارت.

amadeus-001

فيلم آماديوس

 

من المدهش أيضا أن سالييرى ومع أنه كان إيطاليا إلا أنه عاش فى فيينا الإمبراطورية وكان يكتب بتقاليد جلوك وجاسمان الألمان، حتى أن الإمبراطورة ماريا تيريسا صرّحت عام ١٧٧٢ بأنها تفضل المؤلفين الإيطاليين عن المؤلفين أمثال جلوك وجاسمان وسالييري. حيث ان بعض النقاد كانوا يعتبرونه مؤلفا ألمانيا. حتى أن سالييرى نفسه كان معلما لكل من بيتهوفن (الذى أهداه الأخير ثلاث سوناتات للبيانو والفيولينة مصنف ١٢) وفرانز ليست، على أن المنافسة أو حتى العداء المهنى المحدود بين موتسارت وسالييرى لم يتعد حدود التصارع على ليبريتو للأوبرا أو على تلميذة من العائلة المالكة، وانتهى بعد أن استقر موتسارت واشتهر فى فيينا بعد ١٧٨٥، بل إنهما ظهرا فى مناسبات عامة بوصفهما صديقين، وكتبا كانتاتا للصوت والبيانو سويا. وكذلك عرضت أعمال موتسارت الكونشيرتو كوشيل ٤٨٢ (١٧٨٥)، وخماسى الكلارينيت (١٧٨٩) والسيمفونية الأربعين (١٧٨٨) بتوصية من سالييرى الذى قاد تلك الأعمال عام ١٧٩١، وقد حكى موتسارت لزوجته أنه مرّ على سالييرى وكاتيرينا كافالييرى فى عربته واصطحبهما إلى الأوبرا، وحضر سالييرى أوبرا موتسارت «الناى السحري» وتحدث موتسارت حينها بحماس: «لقد استمع وشاهد بكل حماس، من الافتتاحية وحتى الكورال الأخير ولم يكن هناك فقرة دون أن يهتف فيها سالييري: برافو، عظيم».

يطرح الأديب الروسى والكاتب المسرحى إدوارد رادزينسكى (مواليد ١٩٣٦) نظرية فى غاية الأهمية عن مقتل موتسارت، بعد دراسة وبحث طويلين عن ذلك الموضوع، حيث انه رأى منذ البداية أنه من المستحيل أن يقدم سالييرى المؤلف الموسيقى المعروف على أمر كهذا، بيد أن ما كتبه بوشكين عن مقتل موتسارت وعلاقته «بشخص ما» يرى دون أن يستطيع، ويسمع دون أن يتكلم، ويفهم العبقرية دون أن يكون عبقريا، كل ذلك بدا لرادزينسكى شخصا حقيقيا متجسّدا يجب البحث عنه.

وجد رادزينسكى ضالته فى الدبلوماسى فراير فان سفيتين (١٧٣٣-١٨٠٣) الذى خدم فى البلاط النمساوى فى القرن الثامن عشر، وكان هاويا مولعا بالموسيقى، ولد فان سفيتين لعائلة هولندية فى مدينة ليدين، وأمضى حياته هناك حتى الحادية عشرة، وكان والده باحثا فى علوم الطب. وعام ١٧٤٥ أصبح والده الطبيب الشخصى للإمبراطورة ماريا تيريسا، وقدم وقتها فراير فان سفيتين إلى فيينا. كان الابن سفيتين متميّزا فى دراسته، وتعلّم عددا من اللغات، وبدأ عمله دبلوماسيا فى بلجيكا ثم باريس ووارسو وبرلين.

فى الوقت نفسه درس فان سفيتين علوم الموسيقى على يد أحد تلاميذ يوهان سيباستيان باخ (١٦٨٥-١٧٥٠)، وشرع فى تأليف عدد من المؤلفات من بينها ثلاث أوبرات كوميدية من بينها واحدة عرضت فى باريس، وعدد من السيمفونيات (١١ سيمفونية) لا تتميز بأى روح إبداعية على حد تعبير قاموس جروف للموسيقى. كان فان سفيتين على حق مؤلفا متواضعا غير موهوب كما وصفه بوشكين، وكما ظهر تحت اسم «سالييري» فى فيلم ومسرحية «أماديوس».

قابل فان سفيتين موتسارت فى بلاط الإمبراطورة ماريا تيريسا حينما كان فى الخامسة والثلاثين من العمر، وكان موتسارت فى الحادية عشرة، ثم قابله فى مناسبات عديدة بعد ذلك فى فيينا، وكان يستشيره فى بعض المخطوطات الموسيقية التى يشتريها لباخ وهاندل. يقترح رادزينسكى أن ذلك اللقاء، وتلك الغيرة التى أصابت قلب الشاب المتحقق اليافع والموهوب (فى اللغات والدبلوماسية وتبويب المكتبات والموسيقى إلى جانب ذلك كله) حينما رأى أن عمله المضنى فى جميع المجالات لا يحقق له ذرة مما يتحقق لموتسارت بكل سهولة ويسر بينما يلعب ويلهو ويتعامل مع موهبته الراسخة والمؤثرة على هذا النحو من الاستهتار. حينما عاد فان سفيتين إلى فيينا حصل على منصب رئيس المكتبة المركزية، والمسئول عن التعليم، إلى جانب ممارسته التأليف الموسيقي، أى أنه بشكل أو بآخر كان مسئولا عن الثقافة فى الإمبراطورية النمساوية (فى ذات الوقت الذى يعتبر نفسه مؤلفا موسيقيا شأنه فى ذلك شأن موتسارت!).

حينما قضى موتسارت نحبه، ظهر فراير فان سفيتين صباح اليوم التالى ومنح أرملته ثمان ريالات نمساوية وخمسة وستين كريتسير، ثم نفحها ثلاث كريتسيرات إضافية للعربة التى ستنقل الجثمان كى يدفن فى مدفن جماعى للفقراء.

وفقا لرواية أحد الموسيقيين، فإن موتسارت أصيب فى أعوامه الأخيرة بحمى العمل، كان يعمل طوال الوقت منكبا على مدوناته الموسيقية وقائدا لأعماله وأوبراته، ويعزف كونشيرتاته، حتى أنه وعقب إحدى الأوبرات وبعدما أصبح المسرح خاويا من الجمهور لم يتمكن من التوقف عن العمل، فسأل زميله الموسيقي: «هل تريد أن أعزف لك».. وجلس ليعزف له، ليروى لنا ذلك الموسيقى أنه لم يسمع طوال عمره عذوبة كهذه وصوتا كهذا.. حتى بدا للحظة وكأن «السماء تتحدث».

 

*عازف بأوركسترا القاهرة السيمفوني ومترجم