ثمانية أفلام من مهرجان دبى السينمائى تحت المجهر   دبى: أحمد شوقي   لا يمكن لعاقل أن ينكر كون مهرجان دبى السينمائى الدولى هو العيد السنوى للسينما العربية، فهو المكان

5555

ثمانية أفلام من مهرجان دبى السينمائى تحت المجهر

 

دبى:

أحمد شوقي

 

لا يمكن لعاقل أن ينكر كون مهرجان دبى السينمائى الدولى هو العيد السنوى للسينما العربية، فهو المكان الوحيد خلال العام الذى يمكن خلاله مشاهدة أكبر عدد ممكن من الأفلام العربية المتميزة، معظمها يُعرض عالميا للمرة الأولى، ليكون المتابع فى حيرة حقيقية لاختيار أى أفلام يشاهدها خلال أيام المهرجان المعدودة. خلال حضورنا لفعاليات الدورة الثالثة عشر من المهرجان «7-14 ديسمبر» شاهدنا العديد من الأفلام الحديثة، نضع منها ثمانية أفلام تحت المجهر النقدي، ترقبا للمزيد فى الأسابيع المقبلة.

«إنشالله استفدت» «الأردن»

خلال دورة العام الماضى كتبنا فى “القاهرة” عن أحد الأفلام واصفين إياه بأن مشكلته الوحيدة هى أن الدراما العربية استهلكت السجن كمكان للأحداث بشتى الطرق الممكنة. المخرج والكاتب والممثل الأردنى الموهوب محمود المساد يرد على هذا الرأى بدراما شديدة الطزاجة تدور داخل السجن. تميز الحكاية ينبع من الحس الكوميدى الذى يغلف حكاية قد تبدو من بعيد جادة: مقاول متوسط الحال يدخل السجن بسبب تعثره فى تنفيذ إتفاق أبرمه. “انشالله استفدت” هى العبارة التى يسمعها من سجين آخر صريحة، ومن الشرطى والقاضى وكل ممثلى السلطة تقريبا بصورة مبطنة، فى سخرية لاذعة من مجتمع كامل علاقته حسب الفيلم بأشياء مثل القانون والقضاء والعقاب هى اعتبارها مجرد أدوات على المرء أن يتعامل معها وفقا لذكائه، فلا عيب على الإطلاق أن تنصب على غيرك وتقضى عدة أشهر فى السجن طالما “انشالله استفدت”.

يا عمرى «لبنان»

لا مجال للشك فى أن المخرج اللبنانى هادى زكاك عندما بدأ فى تصوير أحاديثه مع جدته ذات الأربعة وثمانين عاما لم يكن يتوقع ما الذى يمكن أن تصل إليه هذه المواد المصورة، ربما لأنه ليس من السهل توقع استمرار حياة الجدة عشرين عاما أخرى كى يمتلك زكاك أرشيفا لامرأة تقضى عقدين لا يبلغهما أغلب البشر، أو لأننا نكتشف أن السيدة ذات المائة والأربعة ربيعا تكاد تكون امرأة مختلفة عن تلك الأخرى الثمانينية. تحلل الذاكرة التى كانت حاذقة تعيد الحكايات بحذافيرها إلى عجز عن التعرف حتى على حفيدها المقرب هو المأساة الهزلية التى تمسك كاميرا زكاك بها. هى مأساة لأننا نشفق على الجدة ومن حولها من هذا التداعي، وهى هزلية لأنها تكشف عن هشاشة فكرة اللحظة الراهنة، كل شيء اعتبره صاحبه حيويا ومؤثرا فى حينه مصيره فى النهاية الفناء حتى بالنسبة لصاحبه.

جان دارك مصرية «مصر»

هناك تناقض واضح بين شكل فيلم المخرجة إيمان كامل ومضمونه. شكل الفيلمان أحد تسجيليين مصريين يتنافسان فى مسابقة المهر الطويل حداثى ومغامر، يمزج التعليق الذاتى من المخرجة بشخصية خيالية نسجتها لتكون جامعة لشذرات من شخصيات الفيلم، ليكون هذا إطارا يجمع لقطات مكونة بعناية وجمالية مع شهادات لفتيات مصريات ترى المخرجة فيهن تجسدا لنضال جان دارك من أجل الحرية. المشكلة تكمن فى مضمون الفيلم أو بالتحديد فى النماذج التى اختارتها المخرجة لعملها، والتى تدور كلها فى إطار نمطى مكرر لفنانات وسط البلد المتحدثات عن التحرر من قيود الأسرة/ المجتمع/ الحجاب وغيرها من الموضوعات التى قتلت بحثا. فيلم بهذه الجودة البصرية كان ليصير أفضل عشرات المرات لو عرفت صانعته أن المغنية ومصممة الرقصات والمخرجة وراوية الحكايات كلهن فى النهاية تكرار للشيء ذاته.

مخدومين «لبنان»

يدخل المخرج ماهر أبى سمرا فى فيلمه التسجيلى عالما نراه للمرة الأولى على شاشة السينما، هو عالم الوكالات أو الشركات التى تعمل فى جلب فتيات آسيويات وافريقيات كى تعملن فى لبنان كخادمات للمنازل. أبى سمرا يرصد العملية بأكملها من خلال مالك هذه الوكالة، الذى يأخذ وقته كاملا فى شرح كل شيء، من الفروق بين الجنسيات فى الجودة والأسعار، المشكلات المرتبطة عادة بكل جنسية، الطرق المختلفة لإحضار الفتيات حسب بلد المنشأ، كيفية تنظيم شحنة الخادمات عند وصولهن، والوسائل التى تدار بها أى مشكلة مع أحد العملاء. القرار الأكثر قوة وإيلاما من قبل المخرج وهو ألا نكاد نرى أى خادمة من تلك الفتيات، بما يدعم الشعور الذى قد يصلنا من قراءة السطور السابقة، ان الأمر يتعلق باستيراد سلع أو أجهزة وليس استقدام بشر للعمل. هنا التشييء فى أكثر صوره بشاعة يقدمه فيلم لا يعيبه سوى عدم امتلاك معادل بصرى مكافئ لقوة ما يرويه.

المختارون «الإمارات»

أول سؤال يطرحه أى عقل بعد مشاهدة فيلم المخرج على مصطفى الجديد هو: ما جدوى إنفاق ميزانية ضخمة على تصوير نسخة رديئة من أى فيلم هوليوودى من الفئة B؟ طاقم من أفضل الممثلين العرب، ديكور ضخم فى مساحته وتصميمه، مؤثرات بصرية وبعض المعارك، كل هذا من أجل تصوير حكاية ساذجة تحاول المزج بين أفلام ما بعد المحرقة apocalyptic التى تدور بعد تعرض العالم لكارثة، وأفلام العقاب الجسدى من أجل التطهير النفسى على شاكلة سلسلة Saw. الأزمة هنا أنه لا سبب حقيقى لصناعة الفيلم سوى الرغبة فى تقليد النوع، لكنك لن تجد أى جاذبية خاصة فى الحكاية أو الشخصيات أو الاستنتاج النهائى لعشرات المشاهد الدموية، لا شيء أكثر من رغبة صانع أفلام وجد من يجعل نزواته أفلاما ضخمة الإنتاج.

محبس «لبنان»

فى فيلمها الأول تعتمد المخرجة صوفى بطرس على أساسين متوازيين، الأول هو السيناريو الشيق القائم على مفارقة خفيفة الظل حول امرأة لبنانية تكره السوريين وتراهم سببا فى مقتل شقيقها تُصدم عندما تكتشف أن الشاب الذى جاء وأسرته ليخطب ابنتها الوحيدة سورى الجنسية، لتعمد الأم على فعل كل ما فى وسعها لإفساد هذه الزيجة. أما الأساس الثانى فهو إدراك المخرجة أنها تقدم حكاية أقرب لحكايات الأطفال منها للكوميديا التقليدية، الأمر الذى انعكس فى اختيار ألوان الفيلم والديكورات والملابس، وكذلك طبيعة الشخصيات وشكل أداء الممثلين. لترسم كل هذه العناصر «وعلى رأسها أداء لا يُنسى من المخضرم بسام كوسا» كاريكاتيرا ملونا مبهجا حتى وإن كان يطرح قضية شائكة وخطيرة.

التحدى «إيطاليا»

سخرية مبطنة يحملها الفيلم الإيطالى “التحدى The Challange” للمخرج يورى أنكارانى من نمط الحياة فى الخليج العربى وتحديدا فى دولة قطر، التى يقوم المخرج برصد الهوايات الغريبة باهظة التكلفة التى يمارسها مواطنوها، منتقلا بين مربيّ الصقور الذين يشترون الصقر بآلاف الدولارات، محبى سافارى الرمال، ملاك السيارات والدراجات النارية من أفخر الأنواع، وحتى من يتعامل مع الفهد باعتباره حيوانا أليفا يصطحبه معه أثناء التنزه بسيارته ماركة لامبورجيني. لا تعليق صوتى بخلاف صوت اللقطات الحية التى نزعم أنها ترى الخليج العربى من زاوية لم تصور من قبل بمثل هذا الوضوح، زاوية البذخ المفرط فى الإنفاق على أمور تبدو أقرب للنزوة أو للتحدى فى امتلاك الأكثر والأغلى كما يشير عنوان الفيلم. أمر لا يشير للحقيقة كاملة بالطبع ويكرس لصورة نمطية عن المواطن الخليجى هناك ما يخالفها على أرض الواقع، لكن تبقى لقطات “التحدي” حقيقية وصارخة لدرجة الإيلام أحيانا.

النسور الصغيرة «مصر»

أكثر ما يظلم فيلم محمد رشاد «التسجيلى المصرى الثانى فى المسابقة» هو العنوان الذى اختاره المخرج لفيلمه، والذى يوجه الأذهان لكونه عملا حول تلك التجمعات التى نظمها الشيوعيون القدامى لأبنائهم كى يتم إعدادهم من الصغر للمهام الكبرى. صحيح أن الحكاية موجودة داخل الفيلم لكن قيمتها هامشية مقارنة بفكرة علاقة الابن بأبيه التى يطرحها الفيلم من زاوية بالغة الصدق والمكاشفة. المخرج ابن العامل البسيط الذى كبر وداخله شعور بالسخط نحو أبيه الذى يمثل النقيض من آباء النسور الصغيرة، فهم مناضلون مثقفون وهو السائر جوار الحائط عاشق أم كلثوم الذى لم يفكر لحظة أن يحضر حفلا لها. هذه علاقة شائكة يحسب للمخرج شجاعته فى عرضها علانية على شاشة السينما، ومحاولته للتصالح معها عبر اكتشاف أن هؤلاء المناضلين القدامى لم يكونوا آباءً مثاليين كما كان يعتقد. وهو نوع من الأفلام التسجيلية يبرع فيه المخرجون اللبنانيون لكنه لا يزال حديث العهد بالنسبة لصناع السينما فى مصر.