«أبدا لم نكن أطفالا».. سينما تحسين صورة مصر مجهود غير مسبوق لتتبع كفاح أسرة فقيرة ومناصرة قضايا المرأة والطفولة دون شعارات جوفاء   بقلم: أسامة عبد الفتاح   رغم إنتاجه

abadan0

«أبدا لم نكن أطفالا».. سينما تحسين صورة مصر

مجهود غير مسبوق لتتبع كفاح أسرة فقيرة ومناصرة قضايا المرأة والطفولة دون شعارات جوفاء

 

أسامة عبد الفتاح

بقلم:

أسامة عبد الفتاح

 

رغم إنتاجه «فى مصر» عام 2015، لم أشاهد الفيلم المصرى الوثائقى «أبدا لم نكن أطفالا» (99 ق) إلا فى تونس الشهر الماضي، حين شارك فى المسابقة الرسمية للأعمال الأولى بالدورة 27 من «أيام قرطاج السينمائية» (28 أكتوبر – 5 نوفمبر 2016)، لأنه – ببساطة – لم يُعرض فى مصر عرضا عاما أو تجاريا، ولم يشاهده من المصريين سوى من حضروا الدورة الخامسة من مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية (17 – 23 مارس 2016)، حين شارك فى مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة وفاز بجائزتها الكبرى، ولم أكن منهم.

اللغز الحقيقى يتمثل فى عدم مشاركته فى الدورة  الـ18 من مهرجان الإسماعيلية الدولى للأفلام التسجيلية والقصيرة (20 – 26 إبريل 2016)، وعدم عرضه حتى على هامش مسابقاتها، ليس فقط لأن هذا المهرجان هو «البيت» الطبيعى والمنطقى للأفلام الوثائقية المصرية، لكن لأن المركز القومى للسينما – الجهة التى تنظمه – يشارك فى إنتاج الفيلم، وكان من المدهش – لى ولغيرى – ألا يعرض فى مهرجانه عملا من إنتاجه.. ولم أقتنع وقتها بكل الأسباب التى ذكرتها جميع الأطراف المعنية لتبرير غيابه.

كل ما أرجوه وأتمناه ألا يكون استبعاده من مهرجان الإسماعيلية، ومن العرض العام فى مصر حتى الآن، راجعا إلى السبب السخيف والمقيت الذى لا يذكره أحد فى العالم سوانا، وهو الإساءة إلى سمعة البلد.. وقد ردد ذلك – للأسف – بعض المصريين الذين شاهدوا الفيلم فى كل المهرجانات التى عرضته، والذين ينتمون إلى سينما «الرابسو» النظيفة التى تدعو إلى غسل الشوارع بالماء والصابون قبل تصويرها، أو سينما «النعامة» التى تدفن رأسها فى الرمال هربا من مواجهة مشكلاتها وعيوبها.

الحقيقة أن الفيلم ليس فقط بريئا من تلك التهمة الوهمية – حيث لا يمكن أن يسيء أى عمل فنى لسمعة أى بلد – ولكنه، على العكس تماما، يحسّن سمعة وصورة مصر فى الخارج.. ولا أؤكد ذلك لأنه فاز بالعديد من الجوائز الدولية، ومنها أحسن فيلم غير روائى وأفضل مخرج لصانعه محمود سليمان فى مهرجان دبى 2015، ولكن لأنه يقدم سينما صادقة وجيدة الصنع تدل على أن مصر فيها سينمائيون متميزون لا يقلون عن نظرائهم فى مختلف دول العالم.

تُظهر القراءة الأولى للفيلم المجهود الخرافي، غير المسبوق فى مصر على الأقل، الذى بذله محمود سليمان فى صناعته وتصويره، حيث تتبع حياة أسرة مصرية فقيرة مكافحة، مكونة من أم وأربعة أبناء، على مدى 13 عاما كاملة، من 2002 إلى 2015، فى مواقع وظروف تصوير صعبة، وأكثرها صعوبة إقناع أسرة كاملة بالتعايش معها كل ذلك الوقت وكأن المخرج أحد أفرادها، ولا سبيل لذلك إلا إحساس من يتم تصويرهم بأن اليد التى تمسك بالكاميرا حانية، تمتد إليهم بتعاطف وتفهم لتأخذ بيدهم، ولا تسعى للمتاجرة بمعاناتهم ومشكلاتهم.

من المثير حقا أن تتابع أبناء «سنّانة السكاكين»، التى تناضل وحدها لتربيتهم بعد تخلى أبيهم المدمن عنهم، وهم يتحولون من أطفال إلى شباب، وتتغير مشكلاتهم من بحث الأولاد عن قطعة خبز أو ملابس إلى بحثهم عن عمل وكيان، ومن سعى الفتاة إلى اللهو البريء إلى خوفها من مصير الأم بعد اضطرارها للارتباط بمن يكبرها كثيرا فى السن هربا من حياتها البائسة.. ومن المؤلم أن تكتشف مع هؤلاء الشباب أنهم فعلا لم يكونوا أبدا أطفالا مثل غيرهم، ولم يحصلوا على حقهم الطبيعى فى التعليم والحياة الآمنة الكريمة.

وإذا كان لا بد – فى نظر البعض – من حفاظ أى فيلم على سمعة بلده ومناقشته قضايا جادة وكبيرة، فإن الفيلم يناصر قضايا المرأة والطفولة ويدافع عنها لكن دون شعارات جوفاء ودون أساليب مباشرة أو فجة، والأهم: دون نزق «الفيمينيزم» الذى يدين الرجل على طول الخط، وبمناسبة ومن غير مناسبة، ويحمله ذنوب الدنيا كلها.. هنا لا إدانة حقيقية سوى للفقر والظروف الاقتصادية الصعبة، والخلل المجتمعى الذى لم تستطع أى ثورة أن تقضى عليه لتزيل الهوة الشاسعة بين الأغنياء والفقراء، وتمنح البسطاء – على الأقل – فرص العمل الشريف ليعيشوا حياة كريمة.