«عيّاش».. فعَّال العيش مهما ضاقت السبل   بقلم : محمد السباعى   عمر عياش لا يترك الفرصة لأحد لانتقاده… هو يقوم بالمهمة ببراعة، فيبوح بكل قبحه ويخفى بين السطور

%d8%a3%d8%ad%d9%85%d8%af-%d9%85%d8%ac%d8%af%d9%8a-%d9%87%d9%85%d8%a7%d9%85

 

«عيّاش».. فعَّال العيش مهما ضاقت السبل

 

بقلم :

محمد السباعى

 

عمر عياش لا يترك الفرصة لأحد لانتقاده… هو يقوم بالمهمة ببراعة، فيبوح بكل قبحه ويخفى بين السطور جماله، قام المؤلف أحمد مجدى همام ببناء شخصية واضحة التكوين فى نسقها الجامع مفردات البقاء وسياقها الاقتصادى والاجتماعى الطاحن، بسخرية لاذعة يختزل الكثير من الأوضاع العامة فى أحداث خاصة، رواية يحكى فيها عمر عياش ما تعرض له وكيف قاوم من أجل البقاء، لم يقدم همام شخصيته الرئيسية كبطل أسطورى بل قدمه كشخصية عادية، وربما كانت عادية الشخصية هى سر جمالها، وأضاف همام لعادية الشخصية درجة من الصدق صادمة وجذابة.

من الصعب أن يبوح الإنسان العادى بما يدور بعقله من رغبات ومخاوف، أو يصرح لذاته بخططه الانتقامية، أو يعلن جرائمه الاجتماعية، لكن عمر عياش فعل ذلك ببراعة، ربما البوح كان فعل التطهر من الفعل ورد الفعل، أو كان البوح هو فعل التجاوز الذى قلب به عياش فترة من حياته.

تبدأ الرواية بمقتطفات تدلنا على ماهية الرحلة التى سيصحبنا فيها عمر عياش… رحلة ماكرة تختلط فيها الواقعية المباشرة بفانتازيا صارخة وكلما توغلنا فى الرحلة فقدنا القدرة على الفصل بين ما هو أقرب للواقع وما هو أقرب للخيال فكل ما رواه عمر عياش ممكن وكل ما رواه عمر عياش غير ممكن وبين جدلية الممكن وغير الممكن حسم عمر عياش الأمر بأنها قصته وليست قصة أحد، فإما أن نقبلها أو نرفضها لكنها لا تقبل التجزئة أو الفرز والتجنيب، يقوم عمر عياش بتعريف نفسه من هو؟ ومن أين أتى؟ وأين هو الآن؟ حفيد شيخ العرب همام وكذلك هو المؤلف فربما نظن أنها سيرته الذاتية أو يومياته الخاصة، وربما كانت بالفعل، لكن النسيج السردى ينسينا بالوقت المؤلف ويغرقنا فى تفاصيل الشخصية الرئيسية عمر عياش التى ربما عبرت عن رأى المؤلف أو هى الشخصية التى يختفى خلفها المؤلف.

Image may contain: text

عمر عياش الشخصية الرئيسية فى الرواية، وهو الراوى المتكلم شاب عادى تخلق عاديته الكثير من نقاط التماس مع واقع حياة أبناء جيله من خلال دوائر رسمها المؤلف بدقة وبساطة طرحتها الشخصية الرئيسية منفصلة متفرقة ثم قاطعتها لتخلق مساحات جديدة من بناء الشخصية… لتتكشف شخصية عمر عياش بالتدريج، فلا يمكن القول اننا عرفنا من عمر عياش حتى الكلمات الأخيرة من الرواية، فكما أسلفنا، عادية الشخصية هى سر روعتها وتنوع ردود أفعالها تجاه كل ما تتعرض له من أحداث… عمر عياش يجمع بعاديته الكسل والحماس والرغبة والتطلع والنذالة والرحمة بمزيج عند طرحه قد يبدو متناقضًا لكنه فى واقعه أقرب ما يكون بتكوين الكثير، قد تبدو الصفة الغالبة على شخصية عمر هى أنه شخص مسالم يتجنب المواجهة لكنه لا ينسى حقه ويتحايل لاسترداد ما يراه كافيًا دون أن يواجه أو يبادر… هو رد فعل وإن كانت بعض ردود أفعاله هى أفعال بحد ذاتها… وقام المؤلف بطرح شخصيات أساسية فى حياة عمر عياش بمعلومات تتناسب مع دورها فى الحدث دون إفراط فتظهر شخصية «بطة» الأخت التى تمثل الاحتياطى الاستراتيجى النقدى لعمر عياش، وشخصية الأم التى تسبق عمر فى المبادرة والقدرة على البداية، لكنها تأتى فى الخلفية كشخصية ثانوية يقل تأثيرها عن تأثير الأخت بكثير، ثم تأتى الشخصية الأساسية التالية «نورا» اللصة الشريفة والنصابة الرحيمة، سرقته وأغوته وقامت بتمريضه، أوقعته وخانته، تعلق بها ولعنها، تمناها ونالها، ثم لعن أمانيه وسذاجته، أما باقى الشخصيات بقدر تورطها فى الأحداث فهى شخصيات ثانوية، تشير بسخرية المؤلف اللاذعة إلى السلطة والمال والسطوة، وأخرى تشير إلى الكثير من أخلاقيات المهنة والمجتمع، ونتعرض لتلك الشخصيات من خلال أحداث يومية، يتم فيها استغلال عمر عياش ويقوم فيها الأخير باستغلالها بتبادل رمى الكرة بين عمر وواقعه.

الأحداث فى رواية «عياش» يومية تتنامى وتتداعى وتؤدى إلى قمم كالترقية فى العمل وقرار الزواج بـ«نورا» وتنزلق لقيعان كالتسبب فى وفاة محمد أبو المكارم، والرفد من العمل، أحداث بسيطة غير مركبة لكنها نشيطة بين الشد والجذب، تمثل معارك عمر عياش الحياتية، وجاءت أسماء الفصول والأبواب مقاربة لفكرة المعارك الحربية فهكذا يراها عمر عياش، وبرغم الخطط والتخطيط نجد أن عمر عياش يؤمن بشكل أو بآخر بقدرية الأحداث وانتقام القدر فكل ليل لا بد له من الانجلاء وكل سر لا بد له من الافتضاح، ولم يحاول عياش التمرد على قدرية الأحداث بل قبلها بل وجد فيها نشوة انتقام الأقدار من شخصية «اللواء» ووجد فيها خلاصا من كتابته التقارير الأمنية ضد الأصدقاء والزملاء والمنافسين، وربما وجد فى تلك الحالة القدرية خلاصًا من جرائمه التى ارتكبها وكأنه يد القدر فى معاقبة من يراهم تسببوا فى أذيته.

القاهرة هى المكان المضيف للرواية بأحداثها والانتقال بين أحيائها المسماة بالرواية يتم بوصف كافٍ لمن لا يعرفها ويرسم تصنيفًا اجتماعيًا واقتصاديًا لمناطقها، الانتقال أيضًا للفيوم تم دون تكلف وصفى فارتحلنا مع عياش دون تملل، أما أمريكا فكانت خلفية مكانية للقاهرة حيث تحولت الأم من «الحاجة أم عمر» إلى سيدة الأعمال و«العروسة» الجديدة.

لغة مجدى همام فى الرواية بسيطة وسلسة، مفردات معاصرة قام بدمجها وغزلها فى نسيج ممتع، كما مزج عامية الحوار الثنائى أو الذاتى بعربية النص بأسلوب بديع فلا نقف عند عامية أو عربية النص بل قد لا نستطيع القول بعد القراءة بأننا قد قرأنا نصًا بالعامية أو بالفصحى بقدر ما يمكننا القول اننا قرأنا نصًا سهلًا، أيضًا استخدام المؤلف بعض المفردات التى تعد مجتمعيًا خارجة أو بذيئة ولا يمكن استخدامها فى نطاق الأسرة أو العمل الرسمى رغم استخدامها بطلاقة بين الأصدقاء وفى الشارع والأسواق لم يأت استخدام تلك المفردات صادمًا أو استعراضيًا بل جاء فى سياق مقبول جدًا فى وصف موقف أو شخص أو حالة.

أظهر مجدى همام قدرته اللغوية فى فرض البساطة على النص، فاللغة داخل النص تدعو إلى الابتسام أثناء القراءة لقربها وتماسها مع ما يدور بعقلنا من أفكار باللغة التى نفكر بها وبالمفردات التى نستخدمها، وأرى أنها لغة المؤلف الخاصة أو بصمته الأسلوبية والتى لا تقف عند المفردات والتركيب والسياق بل تتجاوز كل ذلك وصولًا إلى لأغراض والمقاصد، المأساة والملهاة يعرضها المؤلف بجدية وهزل، فيسخر ويضحك ويبكى ويجر بلحظات الصدق تلك قارئه للمشاركة فيبكيه دون أن تنمحى ابتسامته.

دوافع عمر عياش فى الرواية واضحة تجلت فى اسمه «عياش» فنجد كل دوافعه تتلخص فى البقاء، حتى فى انتقامه كان يسعى للبقاء، وربما كانت تلك هى دوافع المؤلف نفسها، فلم يفرض المؤلف وجهة نظر معينة أو يمرر قضية محددة، ولم يقدم الشخصية الرئيسية كشخصية ملحمية لتوجيه القارئ لنقطة ما، وربما يأتى التجريب على صدارة الدوافع فالتجربة الكتابية لتلك الرواية هى منافسة ذاتية غير يسيرة وتنطوى على تحدٍ فى الحفاظ على انتباه القارئ فى ظل راوٍ واحد وانتقالات بسيطة بين الحوار الذاتى والثنائى وهذا يعنى أن الرواية التالية للمؤلف أحمد مجدى همام ستنطوى على تجربة كتابية أصعب.

الأحداث فى الرواية تدور فى تسلسل يبدأ بمقدمات وينتهى بنتائج قد يتخللها بعض الانتقال النسبى بالتذكر أو الاستقراء بينما الزمن العام لحدوث الأحداث فهو نسبى للغاية برغم بعض الإشارات الدالة على زمن حدوثه لكن فعليًا هو لا يعبر عن فترة بعينها بقدر ما يعبر عن سلوكيات بعينها وباعتبار الرواية تدور فى مصر فيمكن أن تحدث كل تلك الأحداث دون استغراب فى أى من فترات ما بعد 1967 وحتى اليوم وربما لو لم يشر المؤلف إلى وقوع الأحداث فى السنوات التالية لعام 2011 لاتسعت دائرة التماس مع قاعدة أكبر من القراء الذين تعرضوا لما تعرض إليه عمر عياش فى فترات مختلفة.

الرواية سريعة الإيقاع، سهلة القراءة، تكمن جرأتها فى فكرة بوح عياش بما يدور بداخله من نزعات ورغبات وأفكار محمودة أو مبغوضة، وأعتقد أن تلك الرواية هى نهاية مرحلة إبداعية لأحمد مجدى همام تشبه غلق الملفات، وإعلان عن بداية مرحلة إبداعية جديدة يسبق بها جيله من المبدعين فقد ترك عياش بمعاركه المعبرة عن معارك جيل أو أكثر لينتقل إلى مستوى آخر من المعارك الحياتية تثرينا من خلال رواية جديدة، أيضًا هى رواية تبشر بحصاد غير قليل من الجوائز الإبداعية وتؤكد وجود همام فى ساحات المنافسة الإبداعية وإصراره على البقاء مثل «عياش».