فاروق شوشة كون من الوداعة   بقلم : الشاعر محمد فريد أبو سعدة   لا أذكر أول مرة التقيت فيها بالشاعر الكبير فاروق شوشة ربما كانت المرة التى تجرأت فيها

380135

فاروق شوشة

كون من الوداعة

 

بقلم :

الشاعر محمد فريد أبو سعدة

 

لا أذكر أول مرة التقيت فيها بالشاعر الكبير فاروق شوشة ربما كانت المرة التى تجرأت فيها بعد نزولى من البرنامج الثانى (الثقافى الآن) بعد تسجيل مع الإعلامى الشهير المرحوم شوقى فهيم أن أمر للسلام عليه وأرى إمكانية عمل حوار معه.

دقيت على بابه ولم يرد، تحيرت ولكن الساعى بادرنى قائلا: إنه يصلى وفتح لى، كان يختم صلاته، ووقفت أنتظر، حتى انتهى وطوى سجادته، والتفت إلى بوجه بشوش قائلا: انت واقف ليه، اتفضل يا فريد.

ربما كانت أجمل “فريد” سمعتها فى حياتى، ولعلى أحببت اسمى منذ أن سمعتها من هذا الكروان. كنت أيامها اعمل حوارات فى “جريدة الحياة اللندنية” مع من أراهم روادا وأساتذة لى: عفيفى مطر، جابر عصفور، خيرى شلبى، أبوسنة، بدر توفيق، وآخرون.

كنت منبهرا من كونه يعرف شيئا عنى، وانه سمع بعض أشعارى فى برنامج محمد إبراهيم أبوسنة، حدثته عن رغبتى فى إجراء حوار معه لصحيفة “الحياة“ فشكرنى بتواضع أذهلنى وحدد لى موعدا فى جروبى وسط البلد، وفى الموعد تماما كنت سبقته جاء مثل بهجة مفاجئة، ومبتسما بود غير مصنوع، سلم وجلس ثم وضع أمامى كتابين، ديوان شعر له والآخر عن تجربته ! .

وبدأ فى حديث حميم عن بعض الفواصل المهمة فى حياته وقال إقرأ هذا أولا  لا أريد أن اجرى حوارا مع من لا يعرفنى، من هذا وهذا «مشيرا إلى الكتابي» تستطيع أن تجد ما يمكنك أن تسأل عنه يا فريد !

يا إلهى كم كان محترفا وتعلمت منه، توالت لقاءاتى به بعد ذلك ونشأ ود خالص بيننا.

ذات ليلة من أوائل عام 1994 أعطتنى ابنتى التليفون وهى متهللة : بابا بابا فاروق شوشة، أخذت التليفون مذهولا، وإذا به يخبرنى بفوزى بجائزة الدولة التشجيعية، ويهنئنى بحرارة، كنت قد تقدمت للجائزة نهاية عام 1993، ولم ينته الأمر، إذ بعد عدة أيام يتصل النبيل مرة أخرى ويطلب منى التواجد باستديو (رقم كذا يوم كذا) للتسجيل فى برنامج “أمسية ثقافية”.

فى الموعد كنت هناك، وكان هناك أيضا أستاذى الكبير د. محمد عبد المطلب، كنت عرفت من أخبار الأدب، فى تغطيتها لجوائز الدولة، أننى حصلت عليها بإجماع اللجنة، وان د.عبد المطلب هو من صاغ مسوغات حصولى عليها.

ستمر الأيام، وفى سابقة للجنة الشعر رشحتنى أنا وشاعر آخر لتمثيل مصر فى “مهرجان فينيسيا”، أقول سابقة لأننا لم نكن أعضاء فى لجنة الشعر، وكان هذا حكرا على اللجنة فقط، كان فاروق من الأعضاء البارزين والمؤثرين فى اللجنة، وكان من المبادرين والمتحمسين لترشيحى.

لكن هذه السابقة لم تنجح للأسف، فقد اعترض أحد الأعضاء، وكتب لجابر عصفور حينها انه أولى إذ لم يسافر منذ مدة !!.

مرة أخرى يتصل النبيل فاروق شوشة ليحدد معى مشكورا موعدا لتسجيل حلقة من “أمسية ثقافية” لمناقشة ديوان “ذاكرة الوعل” وهناك كان لمناقشتى اللورد وشيخ النقاد د. عبد القادر القط.

فى عام 1999 ضمنى د. عبدالقادر القط للجنة الشعر، ولم تنقطع عضويتى منها حتى الآن إلا مرتين، الأولى عندما أيدتُ «صنع الله» فى رفضه لجائزة الرواية، وكتبت بيانا وقع عليه الكثيرون ونشر بالصحف، ورأى د. جابر عصفور أن يزيحنى من اللجنة !، والثانية عندما استقلتُ ودعوتُ أعضاء اللجنة للاستقالة مع تولى الوزارة عبد العزيز الإخوانى !

فاروق شوشة كون من الوداعة ومحبة الآخر، عشق اللغة وعشقته، تغنى بها شاعرا وإذاعيا وإعلاميا، قبل أن يصبح حارسها الرسمى فى مجمع اللغة العربية.

ربما ظلم الشاعر الكبير نفسه فأغرى النقاد بظلمه، واستنام الكثيرون إلى هذا الظلم، ظلم نفسه إذ أحب الشعراء، وأحب الشعر، ناقشهم وكتب عنهم، ولم يهتم بشاعريته بنفس القدر.

واعتقد أننا مدينون له بالوقوف على تجربته، وإضاءة فتوحاته الشعرية، وإعادة النظرـ وان متأخرا فيما قدم لذائقة الجماعة من كنوز، على الأقل لتتنبه الأجيال القادمة، وتستحثها لتقديم الجمال.