فى الذكرى الـ86 لميلاده استمع لنصيحة صلاح جاهين «كتم الغنا هو اللى ح يموتك»   بقلم : الشاعر محمد كشيك   ولد صلاح الدين بهجت أحمد حلمى، فى ديسمبر 1930م،

887788

فى الذكرى الـ86 لميلاده

استمع لنصيحة صلاح جاهين

«كتم الغنا هو اللى ح يموتك»

 

http://2.bp.blogspot.com/-kyDE141VEQw/VggH3tax5zI/AAAAAAAAmpo/dnzjmRq-ogY/s1600/1907283_10154000809335150_4593900937357173330_n.jpg

بقلم :

الشاعر محمد كشيك

 

ولد صلاح الدين بهجت أحمد حلمى، فى ديسمبر 1930م، وتوفى فى شهر إبريل 1986، وبين تاريخ الميلاد والرحيل، تحرك الفنان صلاح جاهين ليقدم للعالم أحلى الكلمات والعبارات، التى يبدو أنها كانت تنتظر مثل هذا الشاعر لتنطق بكل هذه الحكمة، وعصير الحياة.

لقد تمكن «بيرم التونسي» خلال فترة قصيرة من أن ينزل بالشعر من عليائه، ليهبط به إلى الحارة المصرية، فى شعبيتها وأصالتها ومناخها، وبلاغتها، بحيث صار لشعر العامية المصرية، مذاق خالد، يمكن التعريف به، والسير فى طريقه المعروف.

وإذا كان بيرم التونسى، يعتبر الضلع الأساسى لحركة التجديد فى شعر العامية المصرية، فإن فؤاد حداد، وصلاح جاهين يعتبران بمثابة إكتمال المثلث الذهبى فى شعر العامية المصرية، وقد ولد صلاح جاهين فى حى شبرا، لأب كان يعمل مستشارا، وقد قال جاهين عن تلك الفترة من حياته، لقد رزقت بوالدين يشكلان منبعا للحنان ودفء الأسرة، ولقد كان جاهين ابنا متمردا، كثير الشغب، فقد كان كثير الاختلاف مع أبيه، حتى أنه كان من المستحيل كبح جماحه، ولم يكن صلاح جاهين ابنا متفوقا، فكان كثير الانتقال من عمل لآخر، ودخل كلية الحقوق، ثم انتقل الى كلية الفنون، ومن هنا يمكن اكتشاف رغبته الدائمة فى التميز، واكتشاف موهبته التى كثيرا ما أرقته وأرهقته، واستمر شغفه بالحياة، وبعد انتقاله إلى كلية الفنون الجميلة، كان أبوه قد أيقن بقلة حيلة ابنه، وعدم قدرته على العمل فى أى شىء محدد، فنهره قائلا له، لن تفلح فى أى شىء، فرد ابنه واثقا: سوف تتم معرفة العائلة باسمى، قالها صلاح جاهين بينما لم يدر أسباب ما قاله، لكن الذى حدث هو أن تلك الرؤيا، قد تحققت، لكن بأساليب أخرى، فبعدما ألف صلاح جاهين أغانيه، وزجله، فقد صار المؤلف الأكثر نجاحا فى أغنيات خاصة تلك التى تشدو باسم الزعيم جمال عبد الناصر، مثل: ريسنا ملاح ومعدينا، عامل وفلاح، من أهالينا، ومن هنا، بدأت العلاقة، لكن حدث أن توفى جد الشاعر، فأقيم صيوان كبير، وكان والد الشاعر، يقف لاستقبال المعزين، حين فوجئ بسيارة عسكرية، ينزل منها الزعيم جمال عبد الناصر، وسمع الحاضرون الزعيم وهو يسأل عن صلاج جاهين، ومن هنا عشق صلاح جاهين جمال عبدالناصر، فكان يحلف بين أصدقائه باسمه، وأصبح صلاح جاهين مغنى الثورة، والمؤرخ الحقيقى لها، وقد ألف مجموعة من الأغانى الجميلة، التى لا تزال حاضرة بالأذهان.

القوالب الموسيقية

ولعل شهرة صلاح جاهين ترجع بالأساس الى الاستخدامات اللغوية التى ميزته وجعلته واضحا بين أبناء جيله، والتى تعبر بالموسيقى عن الحالة الشعرية، فكان يكتب القصيدة بتلقائية شديدة، بحيث تلعب الموسيقى الدور الأهم فى صياغة النص، حيث تتآزر العناصر الداخلية والخارجية لتمنحنا ذلك الشعور بالامتلاء الموسيقى، فكانت معظم قصائده تهيمن عليها الموسيقى التى تأتى عبر قافية سهلة داخل النص وخارجه أيضا.

يعتبر الايقاع بكل ما يتضمنه من معان، العنصر الأساسى الأهم فى تشكيل ملامح الفعل الشعرى عند صلاح جاهين، وقد علمت أنه قبل أن يبدأ كتابة القصيدة ينتابه شعور موسيقى غامض، يأخذ فى التشكل إلى أن يجد الألفاظ المناسبة فى النهاية ولعل هذه الميزة هى التى ساهمت فى تطور الرؤية الإبداعية عند صلاح جاهين، ورفعت به إلى التجريب، وقادته إلى تلك المغامرات الفنية التى أكسبته هذا المذاق الخاص والبالغ التميز والفرادة.

وعلى هذا الأساس، فلم تكن هناك رؤية مستبعدة لكيفية كتابة القصيدة، ولم يتقيد «صلاح جاهين» إلا بمصادر الالهام الداخلى، عبر شبكة بالغة التعقيد من القوالب المقترحة، التى تتأهب وتتشكل فى كل لحظة لاستقبال هبات العبقرية، لذلك لم يخضع صلاح جاهين أثناء الكتابة لأى شيء إلا شرط الشعر، وهذا يفسر لنا ذلك الثراء الموسيقى الذى تحفل به قصائد صلاح جاهين ناهيك عن أغنياته، وهو ثراء فى اعتقادى ناجم عن تلك الشحنات الموسيقية والايقاعية التى تتحرك داخله باستمرار، والتى هى سبب من أسباب تفرده، وخلود أشعاره، لترددها أجيال بعد أجيال.

والموسيقى فى قصائد صلاح جاهين، لم تقصد لذاتها، ولم تكن مجرد حلية خارجية يمكن الاستغناء عنها، ولكنها كانت العنصر البنائى الأهم فى تشكيل المعمار الشعرى إنها لفرص ارتباطها بالمعنى الداخلى تكاد أن تصبح المعنى ذاته، فلا يمكن، بل يستحيل عزل هذه القيم الموسيقية والإيقاعية عن التركيب البنائى للقصيدة.

ومن أجل هذا كله فإن الإيقاعات تتسرب بداخل القصيدة كما يتسرب الماء فى باطن الأرض، فتبعث فيها تلك الحياة والحيوية والحركة، وتدفع بالأبنية الداخلية إلى النمو والتركيب باستمرار..

ونظرة واحدة إلى طرائق «جاهين» فى طريقة بناء وصوغ قصائده، سوف تبين بوضوح لنا مدى ارتباط العنصر الموسيقى بالتحركات الداخلية والخارجية للقصيدة، فأحيانا ما يأتى الايقاع هادئا، بطيئا، متأنيا، متسللا، وفى أحيان أخرى، نعثر عليه وهو يتحرك بقوة وعصبية وانفعال، يكاد يجهر من بين السطور، وفى أغلب الأحيان نجده يتحرك فى عمق القصيدة، بحيث نشعر بآثاره ولا نكاد نراه «فيك يا حديد روحانية» وهناك العديد من القصائد التى يكاد يغيب فيها الإيقاع، ليظهر إيقاع من نوع آخر، ينبثق مثل النور من باطن القصيدة، يدفع بضوء شفاف لينير العمق المتوتر بالعلاقات الحية وفى قصيدة «يا سلام يا دكتور» يتبدى مثل هذا النوع من الايقاع، والذى يتسرب بهدوء من باطن القصيدة، بلا أى ضجيج، وبغير عظات شكلية، أو جمالية، ولفرط بساطة الايقاع تأتى القصيدة دون أى قواف، وتختفى الزركشة اللغوية، ليحل محلها إيقاع سحرى لا يبين فوق السطح:

أظن يا ملهمانى الفن والأشعار،

وقلبي: بلاصك، اللى بتطلعى به الفجر..

من بعد اذنك، بلاش النوبة م الترعة،

أمليه لى من عند أبوالبالطو النضيف الابيض،

وقولى له، يا زينة الجدعان، صباح الخير

وتستمر الإيقاعات تنساب فى العمق هادئة لتشكل الملامح الخارجية للقصيدة، دون أى تزويق، لينسجم مع المعنى الجليل، حين اكتشف علماء الاسكندرية مصلا يمكن أن يعالج أمراض البلهارسيا.

الفلاحين صفر، لكن صلبهم جامد،

شالوا الجبال، قلقلوها، وهما لسَّه صفر،

إشحال بقى، لما يجرى الدم فى خدودهم،

بدال ما يجرح مع الروح نفسها فى البول،

وقولى له: يا زينة الجدعان، براوة عليك

والأمثلة السابقة من قصيدة «يا سلام يادكتور» تعطينا أدق مثال على تلك العبقرية الفنية التى لا تحكمها رؤية مسبقة، لكنها تنتقى وتجلب وتختار ما يلائم عالم القصيدة، لتخرج لنا فى أبلغ صورة وكما فرضَتْ نفسها على الشاعر، ليحدث ذلك الانسجام الذى يمنح العمل الفنى حضوره الخلاق.

وغالبا ما يأتى الإيقاع، ليبتكر قالبه الخاص، ويغذى العمل الفنى بشحنات موسيقية هائل، ويدفعه دفعا إلى النمو فى الاتجاهات التى يريدها الشاعر، من أجل خلق حالات مختلفة ومخالفة لذلك يكتب صلاح جاهين «السوناتا» وهى قالب غريب على أدبنا العربى، لكنه يستفيد من هذا القالب ويحاول تطويعه من أجل التعبير عن حالات فنية متنوعة، وعبر هذا القالب الجديد يكتشف الشاعر أبعادا موسيقية بالغة الثراء وهى هنا تظهر بوضوح، ودون أى مواربة، لتفصح عن تجلياتها فى تشكيلات ساطعة، تؤطرها قواف داخلية وخارجية تستوعب شحنات موسيقية مكثفة وطاقات نغمية تكاد لفرط حسيتها أن تتذوقهَا أو تمسك بها، يقول صلاح جاهين فى إحدى سوناتاته الأولى:

أنا فى الخلا، بانشِد ولا أنام

صلوات غرام، ويا حرام تِتمِحي

الليلة بل الطل كل الكلام،

ولا ملام، ما أنا الخلا مطرحي

خلا خلا، أنا شعرى قد الوجود

وقدها وقدود وقلبي.. غَنِي

كأنَه عود، فى الجود ما يِعرف حدود،

وحبيبته عواد، وعليه مجنحَِني

طلع النهار والشمس من غِير غَما،

الشعر شَتْ وطار، كأنه البخار،

داريت حبيبتى عن لهيب السما

وصرخت فين السقف، فين الجدار

* * *

ثم ينهى الشاعر «السوناتا» بهذا «المثنوي» الذى يمثل الحكمة، والخلاصة، والبلاغة الموجزة.

أنا بيت حبيبتى، وهى بيتى أنا،

لكن ياريت، يبقى لنا بيت م البنا،

ويستمر الشاعر فى تقديم اكتشافاته الموسيقية عبر عمليات من الاستبدال المستمر، وأشكال عديدة لا حدود لثرائها، ليصل فى النهاية إلى عروق الذهب التى ليس لجمالها مثيل:

وفرشت عِشى ريش فى ريش فى ريش

ومشاغله، وتوشويش، وصوصوه

سوا سوا ح نعيش نعيش نعيش،

نعيش نعيش، نعيش، نعيش سوا

* * *

لساه يا عصفور الربيع ماجاش،

عمال تزقزق، واحنا فى الشتا؟

شجر الشوارع لسه ما انكساش،

ولا مِنَّه فتفوتة منبتة!

«أنا أغنى صيف شتا ربيع خريف،

أغني.. غنوه خضرا، مع الدوام.

ورق الشجر يقع، على الرصيف

وانا، والغنا، متشبكين تمام..

مصر وصلاح جاهين

وقد ارتبطت علاقة مصر باسم صلاح جاهين، ولا نعرف بالتحديد متى بدأت هذه العلاقة، لكن المؤكد أنها بدأت مبكرا، جدا، منذ البدايات الأولى، ولقد ظهر اسم مصر كثيرا فى أعمال صلاح جاهين، ربما لأنه كان وطنيا حتى النخاع، فظهرت هذه الوطنية فى كل أشعاره، ولا يمكن التأريخ لحياة صلاح جاهين، بغير التأريخ لأشعاره الوطنية، التى صرح خلالها بحبه للوطن وعشقه لأرض بلاده، وقد ساهمت المعرفة المبكرة لصلاح جاهين برئيس الجمهورية، كسبب رئيسى فى شهرته كشاعر، فقد تعرف جاهين على عبد الناصر، بينما لم يتجاوز العشرين من عمره، وكتب فيه أجمل قصائده، والتى منها تلك الأغنيات التى ابدعها لسيدة الغناء العربى «أم كلثوم» والأغانى الوطنية لعبد الحليم حافظ، حتى أنه كتب الأغنية التى تم اعتبارها النشيد الجمهورى لمصر العربية وهى قصيدة «والله زمان يا سلاحي» غناء سيدة الغناء العربى، والتى يقول فيها:

والله يا زمان يا سلاحي

اشتقت لك فى كفاحي

انطق وأقول أنا صاحي

يا حرب والله زمان

والله زمان ع الجنود

زاحفه بترعد رعود

حالفة تروح لن تعود

إلا بنصر الزمان

هموا وضموا الصفوف

شيلوا الحياة على الكفوف

ياما العدو راح يشوف

منكم فى نار الميدان

ويعتبر تاريخ 1952م تاريخا مهما فى حياة صلاح جاهين، إذ عمل صحفيا، فى هذا التاريخ، وبدأ رحلته الصحفية، واستمر جاهين فى تمتين أواصر العلاقات بينه وبين مصر، عبرالغناء لزعيمها، الذى آمن به كمخلص للأمة العربية، فكتب فيه الأغنيات التى تم غناؤها بواسطة مطربين مشهورين، مثل أغنية بستان الاشتراكية:

على راس بستان الاشتراكية،

واقفين بنهندز ع الميه،

أمة أبطال، عُلما، وعمال،

ومعانا جمال:

بنغنى غنوة فرايحية..

وظل ارتباط صلاح جاهين قائما بجمال عبد الناصر والثورة، يشعر بها، ويكتب لها قصائده وأغانيه، فكتب عن السد العالى، وكل المنجزات التى قامت بها الثورة، ومن أهم الأغانى التى كتبها عن هذه المكتسبات، قصيدة المسئولية التى يقول فيها:

أديك أهه خدت العضويه

وصبحت فى اللجنة الأساسيه

أبو زيد، زمانك وحصانك

الكلمة، والخدمة الوطنيه

ريسنا ملاح، ومعدينا

عامل وفلاح من أهالينا

ومنا فينا الموج، والمركب

والصحبة والريس، والزينه

نفوت على الصحرا، تخضر

نشقى خدود الناس، تحمر

والمسئوليه مابين أحضاننا

مقاديف تقرّبنا، من البر

دى الثورة همه، برضك مهمه

دى الثورة همه، وذمه، ودين

وإنسانيه،

ويواصل جاهين الحديث عن منجزات الثورة، والسدالعالى، إلى أن تحدث النكسه، فيفاجأ بالحلم بينما يجهض، فيستيقظ الألم، ويزيد الاكتئاب عنده، فينزف بكتاباته الحزينة عبر الورق، وكانت أول قصيدة أبدعها بعد النكسة، هى قصيدة قلم رصاص، التى يقول فيها:

وكنت ماشى لوحدى فى الشارع،

معرفش رايح فين، لكن ماشى،

والليل عليا وع البلد غاشى،

ليل، انما ليل اسود الاخلاق.

ليل، انما عملاق،

اسود سواد خناق،

اسود، كمليون عسكرى، بستره خفاشى،

وجزمه ضباشى،

بينظموا السهره.

الخلق يا حسره،

الخلق مالهاش خلق للسهره..

الخلق عاملين زى عشاق كلهم مهاجير،

ومروحين مقاهير

يستنظروا بكره.

مقهور أنا وماشى

– أصل القمر قال جاى وماجاشى –

ع النيل ماجاش.. وماجاش كمان ع الهرم..

لفيت عليه القلعه لفيت بولاق،

قمرى لقيته عدم.

لفيت عليه امبابه والوراق،

قمرى لقيته محاق.

وعنيا وقعوا م السما ع الارض،

الارض برضه محاق.

قهاوى سوده، من الهباب والهذر،

والراديوهات تنعب نعيب الجنون.

يا ليله من غير قمر…

يا كحل من غير عيون

ومن أهم ما قيل عنه من النقاد والمفكرين، الذى قاله الكاتب والمفكر أحمد بهجت الذى جمعته صداقة كبيرة مع الشاعر صلاح جاهين، كان صلاح جاهين شمسا تشع بالفرح رغم أن باطنه كان ليلا من الأحزان العميقة، وكان يدارى، أحزانه ويخفيها عن الناس، ويصنع منها ابتسامة ساخرة، ويظهر على الناس بوجه ضاحك كل يوم ويصاب صلاح جاهين بمرض الاكتئاب، الذى كان علامة واضحة على موهبته، إذ انه لم يتمكن أن يعيش حالة الادعاء التى اكتشفها فجأة بعد النكسة، فاستسلم للخوف والضياع، والاكتئاب.

ولعل الشعر كان بمثابة المنقذ الوحيد من كآبته التى عاشها وعايشها بكل ذرة فى كيانه… على اسم مصر «أغنية الثورة الجديدة»

القالب الملحمي/ الأيقونة

كتب صلاح جاهين قصيدته الملحمية الكبرى «على اسم مصر» أثناء رحلته العلاجية إلى موسكو عام 1969، ثم استكمل الجزء الثانى من الملحمة بعد عودته من الخارج فى خريف 1971، وهذه الملحمة عبارة عن جدارية كبرى تستوعب تاريخ مصر القديم والمعاصر، وأعتقد أن الانجازات الفنية الاعجازية التى قدمها صلاح جاهين فى هذه الملحمة فقط ترتفع به إلى مقامات شعراء عظام، بل تتجاوزهم أمثال: «طاغور» و«جلال الدين الرومي» و«الشيرازي» و«لوركا» و«نيرودا» وغيرهم، فهذه الملحمة تستوعب طاقات موسيقية وفنية وجمالية، قل، بل ندر، أن توفرت مثلها فى أدبنا العربى المعاصر «العامى والفصيح» إنها فى بنائها البسيط والمركب مثل شجرة بديعة وسط غابة استوائية، انها فى بنائها البسيط والمركب مثل شجرة بديعة وسط غابة استوائية، تختزن بداخلها أغصانا موسيقية متشابكة، قادرة على استجلاب الإيقاعات الحية من بحار جوفية عميقة، لا يمكن لها أن تغيض.

وفى أغلب مقاطع القصيدة/ الملحمة استخدم صلاح جاهين قالب «الموال» وهو قالب غنائى قديم، عريق فى مصريته، استعملته المخيلة الشعبية للتعبير عن نفسها، ولاكتشاف البلاغة الخاصة الكامنة فى وعى الجماعة، ولا وعيها أيضا منذ مئات السنين.

ولقد أعاد صلاح جاهين اكتشاف ما يختزنه هذا الشكل من ثراء نغمى، وتراكيب موسيقية، يمكن لها أن تستوعب هذا الفيض الابداعى المنهمر، طويل النفس، الذى لا تستطيع القوالب الموسيقية المحدودة، أن تمسك به أو تحاصره، وتسيطر عليه.

وتستجيب الموهبة الخلاقة فى على اسم مصر لتحديات القالب الفنى، فالشاعر الذى يريد التحليق والتحرك عبر أنشطة لغوية متنوعة، يتمكن من تطويع الشكل.. وتزويده بأوتار موسيقية غنية، ليتزحزح الشكل الثابت، ويسمح بتحركات فى العمق تساهم فى تطوير القالب وتجعله مجرد مقترح نام، يمتلك القابلية لكل أنواع الاحتمالات، فينفتح الشكل المغلق على فضاءات إبداعية لا حدود لها، كما يتمكن الشاعر من تقديم اكتشافاته الفنية، عبر قدرة معجزة على اختبار واختيار المفردات الدالة التى تعكس وعيا عميقا لدى الشاعر بقدرة اللغة على تجاوز أبعادها المألوفة والمتعارف عليها، لتشكل تلك السبيكة الخاصة، والبالغة الخصوصية، القادرة على التعبير عن أعقد النغمات وأبسطها فى آن:

وتبدأ الملحمة على نغمات تؤكد «سيمفونية» العمل الرائع، وتؤكد كثافة هذا العمل من الناحية الفنية، والشعرية، حيث يقول فى أول أبياتها:

النخل فى العالى والنيل ماشى طوالي

معكوسة فيه الصور.. مقلوبة وانا مالي

يا ولاد أنا ف حالى زى النقش فى العواميد

زى الهلال اللى فوق مدنة بنوها عبيد

وزى باقى العبيد باجرى على عيالي

باجرى وخطوى وئيد من تقل أحمالي

محنيه قامتي.. وهامتى كأن فيها حديد

وعينيا رمل العريش فيها وملح رشيد

لكنى بافتحها زى اللى اتولدت من جديد

ومن هنا تكمن العبقرية الفنية، فى هذا النص البليغ والجميل، حيث يبدأ بداية عادية كاستهلال، يبدو فيها، كأنه يقدم تقريرا بالغ البساطة حول نفسه، ودوره الهامشى فى تسيير حركة الشارع والتاريخ، يصف المشهد ببساطة معجزة، ليقول: بأن النخل يبدو فى العالى دائما والنِيل يمضى دائما فى خط مستقيم، لا يخاف من شىء، ثم يعود فيؤكد عدم قدرته على منح مصر كل هذا العشق، فيصف نفسه، كمثل باقى العبيد، يجرى على عياله، وهكذا تتم البداية لمثل هذه الملحمة الفذة، لنكتشف أن هذا الإنسان البائس هو بمثابة المهد لهذه الحضارة الطويلة الأمد والممتدة التاريخ.

البناء الفنى «على اسم مصر»

وقد صاغ «صلاح جاهين» «على اسم مصر»، على وزن الموال، ليبقى أثره الدائم والمستمر يحكى قصة حياة المحبوبة عبر تاريخها الطويل، الذى يتشكل عبر مجموعة من الانتصارات والهزائم، كلها تشكل تاريخ حياة مصرنا، وهو حين اختار قالب الموال، فرضت عليه مجموعة من المهارات، الموسيقية، والنغمية، باعتبار أن الموال جزء لا يتجزأ من الطبيعة المصرية الأصيلة، والذى بغيره لا يتم وصل ما انقطع، إنه عمل سيمفونى ضخم، متعدد الأصوات والإيقاعات والنغمات، تبدأ الحركة الأولى غالبا، بإيقاع هادئ، يستمد هدؤه، من هذه النبرة الموسيقية ذات الإيقاع الهادئ ويستمر، على نفس الإيقاع فى البيت الثانى «أ ب» ثم يعود الإيقاع مرة أخرى، لكن بصوت أعلى هذه المرة ليشكل الوحدة البنائية الأولى فى هذا الصرح الكبير: وتستمر الإيقاعات فى التشكل والتطوير والامتلاء والفراغ، لتشكل منظومة نغمية عظيمة الأثر:

مصر.. التلات أحرف الساكنة اللى شاحنة ضجيج

زوم الهوا وطقش موج البحر لما يهيج

وعجيج حوافر خيول بتجر زغروطة

حزمة نغم صعب داخلة مسامعى مقروطة

فى مسامى مضغوطه مع دمى لها تعاريج

ترع وقنوات سقت من جسمى كل نسيج

وجميع خيوط النسيج على نبرة مربوطة

اسمعها مهموسة والا اسمعها مشخوطة

شبكة رادار قلبى جوه ضلوعى مضبوطة

على اسم مصر..

ويمتلئ الموال بقصائد من العصير الأنقى فى عشق المحبوبة، لتظل كما هى، على الدوام صانعة الحق والحرية ورمزا لكل صنوف الحياة: وقد كتب «صلاح جاهين» هذه المنظومة ليؤكد قدرة العبقرية المصرية، حين تتأهب، على العمل والإنجاز.

ولعل أهم ما يقدمه «صلاح جاهين» فى قصيدته الملحمية الطويلة من انجاز يتمثل فى تلك السهولة الغنائية بداخل تعقيد معمارى وتصاميم فنية مركبة، فالسطح البسيط الظاهر يكاد يخفى ما يختزنه العمق من تأويلات لا حدود لها..

لقد كتب «صلاح جاهين» ملحمته الرائعة وفق بنائية بالغة البساطة، لكنها بالغة التركيب أيضا، تعكس الحرية التى يمكن أن يمتلكها الشاعر بداخل القيد، فالقصيدة/ الملحمة، تم ابداعها وفق طرائف معينة التزم بها الشاعر فالقوافى تتوالى وفق ترتيبات بنائية ثابتة (أ، ب ب، أأ، ب ب ب) لكنها تتمتع فى نفس الوقت بمجالات واسعة من الطفو الدلالى الذى يمنحها القدرة على النفاذ من السطح المراوغ لتستغرق العمق الذى يشفى بمختلف الانفعالات، لتتجلى فى النهاية تلك «الوصفة» السحرية، التى رفعت من مقام هذا الشاعر، وجعلته علامة حية من علامات الزمن العبقرى، القادر دوما على تجاوز ذاته وأزماته:

على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء

أنا مصر عندى أحب وأجمل الأشياء

باحبها وهى مالكه الأرض شرق وغرب

وباحبها وهى مرميه جريحة حرب

باحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء

واكرهها وألعن أبوها بعشق زى الداء

واسيبها واطفش فى درب وتبقى هى ف درب

وتلتفت تلقينى جنبها فى الكرب

والنبض ينفض عروقى بألف نغمة وضرب

«على اسم مصر»

ولا يدرى الشاعر هل هو جزء من مصر أم أن مصر تشكل جوهر وجوده، فيلجأ الى المواقف التاريخية ليتذكر، ويعرف، ويعيش، وتبدا الذاكرة التاريخية، فى العمل، لتبدأ، دقات الساعة فى العمل، ونكاد نتعرف على الملتصق بحدقات العيون: ونتعرف مرة أخرى على التاريخ المصرى:

مصر النسيم فى الليالى وبياعين الفل

ومرايه بهتانة ع القهوة.. أزورها.. واطل

القى النديم طل من مطرح منا طليت

والقاها برواز معلق عندنا فى البيت

فيه القمر مصطفى كامل حبيب الكل

المصرى باشا بشواربه اللى ما عرفوا الذل

ومصر فوق فى الفراندة واسمها جولييت

ولما جيت بعد روميو بربع قرن بكيت

ومسحت دموعى فى كمى ومن ساعتها وعيت

على اسم مصر

ويجاهد الشاعر روحه، لكى يثبت الأشياء الموجودة فعلا، لكنه فى هذه المرة، بينمايعيش حالة من الحمى وسخونة الوجدان، يراه مرة أخرى مغايرا للمرة الأولى التى عرفناه فيها، حيث يتخيلها سماء مفتوحة تطير فيها العصافير، وقلة منداة على حافة الشباك، وأحيانا فى صورة الكاتب المصرى الشهيرة، بينما يقرأ التاريخ:

مصر السما الفزدقى وعصافير معدية

والقلة مملية ع الشباك.. مندية

والجد قاعد مربع يقرا فى الجرنال

الكاتب المصرى ذاته مندمج فى مقال

ومصر قدامه اكتر كلمة مقرية

قريتها من قبل ما اكتب اسمى بإيديا

ورسمتها فى الخيال على أبدع الأشكال

ونزلت أيام صبايا طفت كل مجال

زى المنادى وفؤادى يرتجف بجلال

على اسم مصر

كل هذا العشق لمصر،

وفى كل مستويات النص، تلمح الجماليات الخاصة للشاعر والمبدع الكبير، بدءا من المقدمة، حتى نهاية النص، ويعتبر صلاج جاهين من أهم الشعراء الموهوبين فى صياغة مشاعره العميقة إزاء الوطن وما يحدث فيه من تحولات، فهو يلامس جماليات النص الخفى، فيستعين بالمياه الجوفية، التى هى موجودة بوفرة فى قصائده، من أجل أن ينمى علاقات جمالية فى نصوصه، نصوص، تهدف الى التعبير والتأثير فى نفس الوقت.. وتشتبك الرؤى، كما تتحول المشاهد عبر مجموعة من التقنيات الصريحة والواضحة، لتختزن كل هذا الحب والعشق الذى يستوعبه إنسان واحد، وتستمر القصيدة، فى كل بيت تكتسب جماليات جديدة، لترفد النص بإضاءات أخرى جديدة، وتأخذ القصيدة، فى التشكل والتمحور، حول مجموعة من القيم والمعانى التى لا يمكن أن تخلو منها قصيدة، متتبعا التاريخ المصرى، بكل تجلياته، حيث تمر القصيدة بالعديد من المراحل الزمنية، التى تتشابك بداخل منظومة هائلة بالغة النظام، تتقطر عبر، روح الشاعر وكيانه الرهيف، والحساس، ليتدرج المعنى، ويتحول الى اسطورة بالغة فى العشق والحب والغرام، الذى لا ينتهى ابدا.

88778888

ويتحرك النص عبر مجموعة من المياه الجوفية، القادرة دوما على العثور على النص وتطعيمه بتلك الدلالة، التى تغنى عن أى معنى، فنصل الى درة الدرر، حيث ينتمى النص الجميل: ولا يهدأ صلاح جاهين أبدا، بل إنه يعد تسجيلا هو عبارة عن حفل كامل السيناريو للثورة، فهو بحكم تكوينه الثورى، يرى أن الثورة هى الدواء الوحيد الذى يحل جميع المشكلات، لذلك، فقد تنوعت فى «على اسم مصر» العنوان الرئيسى الذى يسعى اليه، فهو يقول فى إحدى مقطوعاته:

مصر اللى عمر الجبرتى لم عرف لها عمر

وطلع لقاها مكان مليان عوام وزعر

جعيدية غوغاء يجيبوا تملى وجع الراس

وخليط أفارقه هنادوة روم ملل أجناس

والترك فى القلعة والمماليك خدودهم حمر

كان عمرها ستلاف سنة.. كلها سنين خضر

بس الزمان يختلف زى اختلاف الناس

ناس تبنى مجد وحضارة وناس بلا احساس

وناس تنام لما يزحف موكب الأحداث

على اسم مصر

وعلى معظم الأحداث، يبدو «أن مصر» هى القائدة والزعيمة التى يهدف جميع الكارهين، إلى سلبها دورها الريادى فى القيادة والزعامة، فيلجأ «جاهين» الى القصيدة بكل مستوياتها الفنية والبلاغية، للتعبير عن هذه الثورة، وتقبل الشعب والجمهور لها، ولعل حصان عرابى يمتلك بتاريخيته وعيا مختلفا، لذلك فقد ظهر حصان عرابى، مثال لهذه الثورة:

حصان عرابى جميل حصان عرابى أصيل

حصان عرابى رشيق ديله طويل

يسهر مع الخيل طول الليل يتكلم

ويقول آراء رغم إنه ماكانش متعلم

ويقف فى عابدين وياخذ زاوية البروفيل

للرسامين يرسموه ونشوفه جيل ورا جيل

ويعدى كالريح على المجاريح ويسلم

وحافره ع الصخر فى التل الكبير علم

ولما صابه انفجار القنبلة اتالم

على اسم مصر

ويدوم التأليف، ويتألق الإبداع فى قلب شاعر يمتلك كل أساليب الشعر، وبإمكانة التدخل شعريا، لإشباع ذلك الهوس الذى لا يكمن أو ينام، لينتقى الشاعر اهم المحطات التاريخية التى تؤهله لبداية الرحلة والصعود الحر، فيختار من هذه المرحلة أسماء بعض الزعماء، الذين كرسوا حياتهم من أجل الوطن ليقول فى حرف الميم، «محمد فريد»:

هل مصر موميا جميلة صورتها فوق النعش

يعشقها مجنون ينادى عليها ولا تطلعش

هل مصر نار صفصفت والنفخ فيها محال

والأرض نشعت على رمادها استحال أوصال

سألت أنا الرافعى كان عجز ولا بيسمعش

لكن عينيه كانوا يحكولى قصص ما اشبعش

يقولولى ما تخافش مصر بخير وعال العال

مصر الجبرتى ومصر الرافعى حال غير الحال

انظر محمد فريد أعظم وأرقى مثال

على اسم مصر..

ويلبد صلاح جاهين، يهيأ نفسه لفعل الثورة المبدع الخلاق، فيعتصر دمه من أجل استكمال المشهد وحين يتوازن المشهد، تحدث الشرارة التى تدفع بالثوار الى كل الميادين، وتحتفل القصيدة احتفالها الخاص، فيتزن الإيقاع، وتصبح القصيدة أكثر تعبيرا وحيوية، فقد استلهم جاهين الثورة بكل ما تحدثه من تغير فى القيم والمفاهيم، ويشتعل الموال بين يديه ليصبح أكثر تعبيرا، ليبدو كأننا نعثر على إيقاع جديد، يشرب من تلك الروح المتوثبة – الجبارة، التى تغنى للشعب المصرى فى كل عصوره، ويصبح شكل الموال هو الشكل الأمثل للشاعر فى إطار تجربته الشعرية، التى صارت مثل تيارات المياه الجارفة التى لا يمنعها شىء عن العمل والجريان، يتحدث جاهين عن الثورة معرفة العارف، الذى يفرح بحلولها، فيستنهضها بكل قواه، ليكتب فى الثورة أجمل الكتابات المبدعة والخلاقة عن الثورة المصرية:

مصر الرمال العتيقة وصهدها الجبار

والنيل كخرطوم حريقه وحيد فى وسط النار

فى إيدين بشر نمل رايحه وجاية ع الضفة

فيهم مطافى وفيهم كدابين زفة

وفيهم اللى تعالى وقال أنا حكمدار

وكل باب م البيبان مقفول على اسرار

وكل سر بحريقة عايزة تتطفا

من أهلى تندهلى وتقوللى تعا اتدفا

أنا اللى عمرى انكتب إلى يوم ما اتوفى

على اسم مصر

لتصبح مصر بمثابة الأيقونة التى يحاول الجميع الاحتفاظ بها، وتحدث الثورة، وتحدث تلك القيامة الكبرى، ليصبح النيل مثل خرطوم حريقة، تحاول الإطفاء، وهنا يتجلى جمال النص الشعرى، ومدى استعانته بالمياه الجوفية، التى يمكن إتاحتها، فالنص يصبح فى حالة حركة قصوى، ويطيح بكل المقومات الخاصة به، ليطيح -كما سبق أن شاهدنا – بكل القيم والمبادئ والمعايير، فيتراجع الشكل لينهض الشعر بكل قوته وعنفوانه، ليفسح المجال لقيم أرقى، وأعلى، ويصبح النص هو الأصل للمتن الشعرى، كما يتراجع كل شىء، الى متن ذليل، لا يقدر على العمل أو الفعل، إنها القصيدة حين تفصح عن وجهها الحقيقى، لتظهر لنا باطنها، ونلمح قوة الشاعر حين يحب بصدق، إنها تلك اللحظة الرائعة التى نادرا ما تتجلى بمثل هذه الروعة، وبكل هذا الجمال، ويقوم الشاعر بتصوير الثورة على أحسن ما يكون التصوير، كأنها مولود، صغير، ينادى أحمس، وتحتمس، وكل الرموز المضيئة التى فى حياتنا، فيلبى الجميع النداء، بما فيهم الجيش الوطنى، الذى كان نصيرا للثورة منذ اليوم الأول، يصيح صلاح جاهين فى نبرة احتفاء واحتفال:

على كتفها مولودتها وتجرى وتنادي

يا ولادى من يوم ميلاد الأرض يا ولادي

ينهض لها امحتب بدواه يقويها

وبنتاؤر ينشد الاشعار يهنيها

وسعد زغلول يكح يزلزل الوادي

وعرابى يهمس ومصر ترد بتمادي

تقوله آه برضه ثورة جيش وح احميها

بالدم بالروح بكل حياتى ح افديها

اما الأسامى معنديش غير اسمها

ولعل أهم ما قيل عن صلاح جاهين، قاله أستاذه ورفيق رحلته شاعرالشعراء «فؤاد حداد»  الذى قيمه من أجمل ما يكون التقييم، فلا أحد يوقر الشعراء الكبار، غير الشعراء الكبار، ولقد تتبعنا ما قاله فؤاد حداد، عن الشاعر، فسمعنا ما يلى على لسان الشاعر فؤاد حداد الذي قال فى قراءة فنية للشاعر صلاح جاهين: يعرف صلاح جاهين مكانه ودوره فى الشعر العربى المصرى، بدقة الفنان وعلم الخبير، فى مقدمة هذا الكتاب فليرجع إليها من يشاء. كذلك يحدد موقفه فى وجه العالم وفى الشعر والحياة عامة، بادراك وتواضع ينزفان دما، أجل ينزفان دما، أولا فى رباعيته الرائعة التى تقول:

أنا قلبى كان شخشيخه أصبح جرس

جلجلت به صحيوا الخدم والحرس

أنا المهرج.. قمتوا ليه خفتوا ليه

لا فى إيدى سيف ولا تحت منى فرس

عجبى!

ثم فى غنوة برمهات بعد أن «يفك زراير صدره، مش بغدده» ليدق عليه دون ضجة ويستنشق نسمة الحق ويقول:

يا ساكنين الصفيح

أنا مانيش المسيح

علشان أقول طوبى لكم غلبكم

لكنى باحلف بكم

باحلف لكم وباقول

الدنيا كدب فى كدب وانتو بصحيح.

أجل، أن الشعر قاس، الشعر شاق، الشعر صعب وطويل سلمه كما يقول الحطيئة مستظرفا وجادا، وصلاح جاهين لا يعاود صعود هذا السلم منذ سنوات. وأنا ما كتبت هذا المقال ولا بحت له بما يعرفه من حبى وتقديرى الا ليعاود صعود هذا السلم. أن مصر تريد من صلاح جاهين أن يعود الى الغناء. إن مصر لا تتوسل اليه بل تأمره. وإن صلاح جاهين عائد الى الغناء بإذن الله. فهذا الغناء أمانة لا بد أن يحملها.

كتم الغنا، هو اللى ح يموتك

ويستمر صلاح جاهين يصيغ من الثورة مادته الخام، ليشكلها، ويعيد تشكيلها وفق هواه، لتنتصر تلك الثورة فى النهاية، ولتصبح شابة جميلة، حسناء، يود الجميع أن يخطبها.

ويحاول صلاح جاهين أن يخرج من قوقعته، فيستمر فى الغناء بصوت مصرى أصيل، وحينما تعوزه الحيلة، فإنه يلجأ الى المقولات الأساسية، ليستحضر صورة الوطن الذى كرس كل حياته للدفاع عنه، والغناء له، ليظل يغنى لنا، أغنياته التى لم تنقطع رغم وفاته، فقد ترك قلبه ليدق فينا فتستمر حياته، مثل قصيدة عبقرية تتأبى دائما على الأفول أو الذبول، أو الانتهاء.

ورغم أن صلاح جاهين كان فنانا متعدد المواهب «رسام كاريكاتير، كاتبا مسرحيا للطفل، شاعرا» إلا أنه كان يذكر لى دائما فى أى حديث له، عن تمنياته، أن يذكره التاريخ كشاعر، وحين سألته عن أى الدواوين تريد، أن يقدمك للناس؟ فيجيب على الفور «الرباعيات» وكأن الرباعيات الديوان الذى يرتبط بمعظم الحالات النفسية التى عاشها الشاعر، فكانت الرباعيات عبارة عن صرخة أمل، تختلط بألم واندهاش، وتعكس كل هذه التحولات التى يعانيها الشاعر، يقول صلاح جاهين بينما يلخص حالته الفنية والإبداعية:

يا عندليب ما تخافش من غنوتك

قول شكوتك، واحكى على بلوتك

الغنوه مش هاتموتك، إنما

كتم الغنا، هو اللى ح يموتك

ويعتبر صلاح جاهين صاحب البصة الخاصة، التى تميزه عن غيره من الشعراء، فعرف بها وباعتباره صاحب بصمة أصيلة، لا يمكن إلا أن نعترف بها كشاعر أصيل، أسهم بقصائده فى تحديد مناطق بشعر العامية لايمكن اختزالها، أو تجاهلها، بينما تمتلك كل هذا الحضور، وفى النهاية لايمكن أن ننهى هذا المقال بغير ذكر هذه الرباعية الجميلة، التى تعتبر بمثابة المفتاح الأساسى لفهم إبداعات شاعر من هذا الزمان لا يزال أثره باقيا، ومستمر:

الضحك قال، ياسم ع التكشير

أمشير، وطوبه، وأنا ربيعى بشير

مطرح ما باظهر، بانتصر ع العدم

إن شاالله أكون، رسمايه بالطباشير

عجبي