هذا الجيل.. هذه الكتابة رواية شيطان محسن عبد العزيز العابر كتابة الطين والدبلان.. لا تتنكر لطبقتها   بقلم : مُصطفى عباده   نحن جيل توسَّط تطرفين، نما وعينا على وقع

777444

هذا الجيل.. هذه الكتابة

رواية شيطان محسن عبد العزيز العابر

كتابة الطين والدبلان.. لا تتنكر لطبقتها

 

بقلم :

مُصطفى عباده

 

نحن جيل توسَّط تطرفين، نما وعينا على وقع الإرهاب والتفجيرات والخصخصة، شهدنا تطرّف بعض جيل السبعينات اليسارى وتحوّله من أممية اليسار والمعارضة الوطنية إلى محلية قضايا حقوق الإنسان «على أهميتها» وارتباطها بالتمويل، وبعد أن كانت سهامه وكتاباته تتوجه إلى الإمبريالية والرأسمالية العالمية ورموزها فى الداخل، صارت تنغرز وتصوّب إلى استبداد بلاده، وصار بعضهم أداة فى يد عدوه الذى كان يحاربه بالأمس، وتطرّف التسعينات المتغرّب والمغترب والغريب الذى استهلك رامبو، وسوزان بيرنار، أكثر مما استهلك نجيب محفوظ وصلاح عبد الصبور. جيل السبعينات أساتذته تروتسكى وجيفارا «قبل أن يتحوّل إلى مسخة على يد جيل التسعينات ويا للمفارقة»، وإسحاق دويتشر وسيد حجاب، وأحمد عبد المعطى حجازي، وبيلى هوليداي، وبوب ديلان، وموسيقى الاحتجاج، وجيل التسعينات: مادونا وبورخيس وسيلين ديون، والجادون منهم: ويتنى هيوستن.

بقينا نحن الذين تربينا فى القرى والأرياف، لا معلِّم لنا إلَّا الكتاب، نقرأ هؤلاء وهؤلاء، ثم نقرأ لويس عوض، كما نقرأ فؤاد زكريا، ونقرأ زكى نجيب محمود، كما نقرأ محمود محمد شاكر، تعجبنا قصص يوسف إدريس، ونعشق محمد المخزنجي، نحفظ اللص والكلاب والسمان والخريف، ونعجب كيف أسلمتنا يوليو إلى الفقر والاستدانة، بعد أن حفظنا مبادئها على كراسات الدرس أطفالا، أسلمتنا القراءة إلى أنفسنا، فصرنا نشبه أنفسنا، نكتب ما نعرف، ونعرف ما نكتب، قالوا لنا إن القضايا الكبرى لا أهمية لها، وهى بنت الحرب الباردة، فوقعنا فى محبة القضايا الكبرى، مررنا بالحداثة، ولم نجد أنفسنا فيها، الحداثة بنت الحروب الغربية، وصكوك الغفران، وما بعد الحداثة لم تحفر فى أنفسنا ولم نصدقها لأنها قائمة على التفتيت، وفك الشعوب إلى مكوناتها الأولى، فكتبنا همومنا الكبرى، كما نعرفها.

الكاتب الصحفي و الروائي محسن عبد العزيز

 

هذه مثلًا، شيطان صغير عابر، رواية محسن عبد العزيز، التى صدرت عن دار المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات، كتابة تأتى من الطين والتراب والدبلان، كتابة تقول بوضوح: إننا عرفنا طبقتنا، ولم نكن خائنين لها، حدّدنا وضعنا بين ضروس الرأسمالية المتوحشة، وماركسية حقوق الإنسان، طبقتنا هى من علَّمتنا أن الجلباب الأبيض، ومسجد الجمعية الشرعية، طارئان علينا ولا يمثلاننا، وأن مشايخ الجمعية الشرعية، غرباء عنا، كما كتب محسن دون أن يصرّح:

«رافق ظهور مشايخ الجمعية تحريم الاحتفال بالمولد النبوى بالبيارق، الذى كانت تقيمه الطرق الصوفية، كما كانوا بداية النهاية للطرق الصوفية فى بلدتنا».

«الشيخ هلال، أعزّك الله طويل عريض، وهو أول من ألبس زوجته النقاب الأسود، رفيعة محسوسة تمشى به كتمثال خشب، والنساء يقفن على العتبات، ينظرن إليها، يمصمصن الشفاه، ويشيعنها بالابتسام والدهشة، فى الأعياد يضع الميكروفون فوق السيارة ليغيظ النصارى».

هؤلاء الذين سرقوا روحنا، كانوا الوجه الآخر، فى المدن البعيدة، لانقسام القاهرة الثقافي، بين تطرفين كبيرين، لماركسية فقدت روحها، ولليبرالية طرفية لا تملك من أمرها شيئًا، سيأتى «رافع» فى نهاية الرواية تجسيدًا كليًا لتشوهات الأطراف كلها، رافع الذى يرسم صورة لوطن يقدّم أعضاءه الحيوية فى مزاد الفساد، ونساءه على جناح الطموح المهني، نساء رافع فى الرواية، هن النقيض لنساء الرواية: امرأة الغيطان، حتى الراقصة فى القرية، تتخلى فى لحظة عن المال، مقابل إروائها حنان الأرواح العطشى، فانتقل الحنان، والحب الكبير إلى جمهورها، وبحرى البلد وعفاف أبو هيف، وهى عناوين فصول فى الرواية، تمثل نماذج من نساء القرى محسن عبد العزيز مغرم بوضع المتناقضات فى مقابل بعضها. تخيل راقصة يقوم عملها على جمع جنيهات الفقراء مقابل قليل من العري، تنسى نفسها ولا تفكر فى المال، لأن غرام العيون المتعلقة بها وضعتها فى منزلة المخلّص من البؤس، فشعرت بالتحقق وأنها ذات قيمة :

«هذا هو السكر إذن من غير خمر، رنين الأكف موسيقى تعلو وتعلو والجميع مجاذيب حضرتها، وحين تقف على أطراف أصابعها كان الظن أنها ستطير، هل طارت وحلقت فوق الرءوس؟ لا، إنها على الأرض، هى فى حالة من النشوة لم تجربها من قبل، وخيط النشوة موصول برنين الأكف الخشنة والوجوه التى أصبحت باسمة هائمة إلى بعيد، لم تعد الراقصة تنتظر من احد جنيهات تتحسس صدرها وجسدها، إنها فقط تتمنى أن تظل ترقص لهؤلاء الذين تحس لهيب الحب من أنفاسهم، حب حقيقى وصل إلى حد النشوة بعد أن راح الخوف والخجل وتعب النهار، الكل منتشون وفقط، مع كل حركة وضحكة وهمسة، وطلة من عينيها التى أصبحت ناعسة آمنة، لا تندب فيها رصاصة، ترقص بحنان والأكف تعزف لكل مكان فى جسدها البهى موسيقاه الخاصة، وتتمايل تأخذ من أنفاس الفقراء الدفء، حتى تجلى نور الله هناك فى الأفق البعيد، فراحت إليه مؤمنة كاملة الإيمان».

وأما امرأة المدينة كما رصدها سرد محسن عبد العزيز فى فصل «رافع بيه الصحفى الكبير جدا» الذى يقترب من التسجيلية فى بعض الأحيان، فجسدها رأسمالي، خاضع للمساومة، هو أداة للطموح كى ينمو، لا متعة فيه ولا حنان، أو هكذا هى تجربة محسن عبد العزيز:

«تضع صاحبة العطر ساقا على ساق، وتبذل جهدا رقيقا وهى تشد تنورتها القصيرة تدارى بهدوء ما فوق ركبتيها ويجلس قبالتها على طرف الكرسى حرف «الـ» يكون جانبها وأمامها .. الكلام عبارة عن صفقة مكشوفة، والستار ورقة ماكيت تقدمها صاحبة العطر، صفحة جديدة أو ملحق أو حتى مجلة، كل واحدة وإمكانياتها الأنثوية بالطبع، فالإمكانيات الصحفية ليس لها قيمة هنا، لا يستغرق النظر فى الماكيت الوهمى دقائق، وتختلط الأنفاس ..».

هل هذه رواية أم شهادة؟

الرواية أداة أخرى، خرجت عن السيطرة، حلت محل الثقافة الجادة، حلت محل كل ثقافة، أداة معولمة، توهمك بامتلاك رؤية كلية للعالم، بامتلاك معرفة، ولا تقدِّم معرفة، وتم اعتمادها بديلًا آمنًا لكل معرفة محرمة، وتوهمك بامتلاك تاريخ كامل، باكتمال سيطرة البرجوازية، ويأتى واحد منا نحن الفقراء أبناء الكتب والحياة، ليعيدها إلى المعرفة الحقة، إلى ذاتها، بمعرفة ذاته، وإدراك محيطه، وتكوينه بالإشارة إلى مصير وطن كامل، يمتلك الآن أدواته، ويعود إليه أبناؤه.لتصبح الرواية مفردة فى الثقافة وليست كل الثقافة، تصبح الرواية جديرة بالمعرفة حين تعرف أهلها، حين تتعامل مع همومهم ومشاعرهم، وحيت لا تستعير روح الآخرين وهمومهم، حين تقف بجوار الشعر والمسرح، والعلوم الإنسانية، حين تتخلى عن طغيانها، والذين حولوها إلى فن ديكتاتورى وحيد وقاس، الجوائز مخصصة له وحده، والتكريم لا يعرف غيرها، تلقوا لطمتهم التى تليق بهم مع فوز «بوب ديلان» المنتهى من العالم منذ السبعينات بنوبل، حين تخلى عنه مجتمعه وحاولت الجائزة بعثه للوجود من جديد، حتى لو نظّروا وقالوا إنها لشعره وما هو بشاعر.

لو قلنا رواية لافتقدنا رؤية متكاملة للعالم، فهى تقوم على نتف الحوادث والذكريات، وتجمعها روح المؤلف، فتشكل تلك الفسيفساء روحا جمعية، ولو قلنا شهادة سنقع فى الصحة والاستقامة، شهادة على جيل، رؤية مفتتة تحاول الفهم، ولا تدّعى الفهم، تحاول المعرفة، ولا تدّعى امتلاك المعرفة.

الطفل.. الشيطان الصغير، العابر، الطفل الذى كان، صار مثقفًا وطنيًا يعرف قضاياه، واختار لها لغة الطفل، الطفل الذى يدين ويعرِّى ويقول لعدوه: أنت عدوي، ولخصمه أنا أكرهك، من زوجة الأب، إلى شيوخ البترو دولار، ومشايخ الجمعية الشرعية الغرباء عَنَّاء إلى التسلط والقمع، الطفل الذى يقول: لكن الملك عارٍ والترزى نَصَّاب وأفاق وكاذب، وأن كل مجتمع الملك إمَّا مستفيد أو خاضع أو جلّاد، قالها محسن وسجَّل صرخة فى وجه الجميع.

نحن أطفال القرى نقول بقهر إن هذا العالم لا يعجبنا وسنغيّره بجذورنا البعيدة فى تراب القرى وبذكرياتنا التى جعلتنا ما نحن عليه، سنغيره فهو لا يليق بنا.