ذكرى رضوى عاشور.. فى حب أرض الزيتون   بقلم : وائل سعيد   فى التاسع والعشرين من نوفمبر سنة 1947 صدر قرار من الجمعية العامة التابعة لهيئة الأمم المتحدة بتقسيم

887777

ذكرى رضوى عاشور.. فى حب أرض الزيتون

 

‎وائل سعيد‎'s Profile Photo

بقلم :

وائل سعيد

 

فى التاسع والعشرين من نوفمبر سنة 1947 صدر قرار من الجمعية العامة التابعة لهيئة الأمم المتحدة بتقسيم دولة فلسطين، عُرف فيما بعد بـ «قرار التقسيم»، وترتب عليه إنهاء الانتداب البريطانى عن أراضيها، وقد جاء ذلك القرار كمحاولة أولى من أمريكا لحل القضية الفلسطينية – كما يزعمون – على أن تكون وفق ثلاثة مستويات بالتقسيم الجديد:

  • دولة عربية: تبلغ مساحتها حوالى «11٫000 كـم2» وتقع على الجليل الغربي، ومدينة عكا، والضفة الغربية، والساحل الجنوبى الممتد من شمال مدينة أسدود وجنوبًا حتى رفح، مع جزء من الصحراء على طول الشريط الحدودى مع مصر.
  • دولة يهودية: تبلغ مساحتها حوالى «15٫000 كـم2» على السهل الساحلى من حيفا وحتى جنوب تل أبيب، والجليل الشرقى بما فى ذلك بحيرة طبريا وإصبع الجليل، والنقب بما فى ذلك أم الرشراش أو ما يعرف بإيلات حاليًا.
  • القدس وبيت لحم والأراضى المجاورة، وتكون تحت وصاية دولية.

على جانب آخر وقبل ذلك التاريخ بعام واحد؛ ولدت الكاتبة رضوى عاشور فى القاهرة سنة 1946، درست الأدب الإنجليزى فى جامعة القاهرة، وبعد حصولها على شهادة الماجستير فى الأدب المقارن1972 من نفس الجامعة انتقلت إلى الولايات المتحدة، حيث نالت شهادة الدكتوراه من جامعة ماساتشوستس 1975 بأطروحة حول الأدب الإفريقى الأمريكي.

انتهت رحلتها الحياتية فى الثلاثين من نوفمبر سنة 2014، وخلال هذه الرحلة أضافت الكثير الى المكتبة العربية بين نقد وابداع سردى وترجمات، وقد سجلت عبر كتابتها ملامح همها الفكرى الأكبر المتمثل فى معاناة الهوية فى العموم والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص، كما جاء فى «الطنطورية وغرناطة وقطعة من أوروبا».

ارتبط اسم رضوى عاشور بفلسطين قبل أن ترتبط بالشاعر الفلسطينى مريد البرغوثي، حيث كانت فى شبابها حقوقية فى المقام الأول قبل أن تكون قاصة وروائية ومترجمة، فقد اهتمت بقضية المرأة وناقشتها فى كثير من الروايات والمقالات، وهى فى ذلك تنضم الى نخبة من اسماء نسائية حاربت ضد العنف الذكورى أو التهميش من قبل الوعى الجمعى للمرأة مثل هدى شعراوى وعائشة التيمورية ومى زيادة… وكثيرات تم تسجيل اسمائهن فى تاريخ المقاومة فى سبيل الوجود الإنساني.

وعلى هذا؛ لم يكن هناك غرابة من قيام «حملة ثقافة للحياة» بإحياء الذكرى الثانية لرضوى عاشور هذا العام التى يتزامن ذكراها مع اليوم العالمى للتضامن مع الشعب الفلسطيني، بأمسية تحت عنوان «فى حب أرض الزيتون، فى ذكرى رضوى عاشور» بمركز مجال الثقافى بالدقي… «لأن فلسطين هى القضية والبوصلة للضمير العربي، ولأن العالم يستعد للاحتفال باليوم العالمى للتضامن مع الشعب الفلسطينى هذا الأسبوع ونحن أولى العالم بهذا اليوم»..

أدار الأمسية، أ. باسم الجنوبى – مدير حملة ثقافة للحياة، وعن هذه الحملة قال إن المفكر الراحل عبد الوهاب المسيرى يُعتبر الأب الروحى لها، وهى تابعة لأكاديمية دراسات اللاجئين، والتى تهتم فى المقام الأول بإتاحة فرص تعليمية وتثقيفية منهجية للتعرف على كل قضايا فلسطين، بالإضافة إلى نشر الوعى والفكر الجديد لتوعية الناس أن فى الثقافة حياة.

بدأ المُفكر الفلسطيني، أ. عبد القادر ياسين باسترجاع معرفته الأولى برضوى عاشور عندما أتى إلى مصر عقب نكسة 67 واستقر بها، وكان ذلك فى إحدى الفعاليات السياسية ورأى فتاة صغيرة فى مقتبل العمر متحمسة أكثر من الجميع وتنادى بأعلى صوتها وتتعارك مع من حولها، وعندما سأل من تكون هذه الفتاة؟ عرف أن اسمها رضوى عاشور وفقط، وانتهت المُقابلة على ذلك.

ولأن طريق النضال واحد؛ فقد قابلها بعد ذلك ليتعرف عليها أكثر فى كثير من الحركات والفعاليات، بداية من لجنة المقاطعة المصرية للبضائع الإسرائيلية لجنة الدفاع عن الثقافة القومية، اللجنة الوطنية لمقاومة الصهيونية فى الجامعات المصرية، مجموعة 9 مارس لاستقلال الجامعات.

أكد ياسين أن: العلاقات بين مصر وفلسطين جذورها ضاربة فى التاريخ، لكنها ساءت فى البداية خلال فترة السادات خاصة بعد المصالحة مع اسرائيل، ثم بلغت أوجها مع فترة مبارك الممتدة لثلاثة عقود وضياع الهم القومى للقضية الفلسطينة، وأشار إلى أن العلاقة الآن مستقرة إلى حد ما، موضحًا أن فلسطين بوابة مصر الشرقية ولهذا فإن تواصل وشفافية العلاقات بينهما ضروريتها حتمية بلا شك، وفى نهاية كلمته ناشد الدولة المصرية – حكومة وشعبًا – بضرورة تعليم الأطفال المصريين مدى أهمية القضية الفلسطينية على الصعيد العربي.

أما الشاعرة الفلسطينية، د. زينات أبو شاويش فقد استهلت مُداخلتها بقصيدة «احكى لنا عن حالكم» وهى مُهداة إلى رضوى عاشور، وتحدثت عن مواقف الراحلة معها عندما كانت فى الجامعة، وافدة جديدة فى مصر، واعترفت بأن التبرعات التى كانت تقوم على جمعها من الشعب المصرى لفلسطين المُحتلة طيلة سنواتها العشرين فى مصر؛ لا تتسع كتب الدنيا لتسجيلها – على حد قولها – واختتمت حديثها بقصيدة «أنا عراف هذا الكون».

هذا وقد تعددت الجنسيات المتواجدة فى الاحتفال – فيما يشبه اتحادًا عربيًا مصغرًا – ولم تقتصر على الفلسطينيين وحدهم؛ فقد شارك طلاب من ليبيا والعراق كما ضمت الأمسية أيضًا رابطة «السوريات» برئاسة وحضور السيدة، مُفيدة الخطيب.. التى تحدثت عن الجوانب الحياتية للاجئين فى العموم المُقيمين بمصر، وكيف أنها لمست مُبادرات التعاون والاحتواء من الجميع بمجرد أن يعلموا بأنها سورية.

ومن بين الحضور، شاركت الكاتبة والصحفية، هناء نصير بدراسة عن رواية «قطعة من أوروبا»، وتحدث المُناضل العراقي، أ. عبد الكريم دعلوج، عن ضياع الهوية العربية بعد موت الحلم الناصري، وكيف كان التضامن المصرى واسع المجال مع الشعب الفلسطينى نكاية فى مبارك وعهده – كما رأى – وأنه لا سبيل إلى استعادة تلك الهوية مرة أخرى سوى بالتعليم والثقافة، ومن ثم فإن الاحتفاء بالرموز العربية وإعادة إحياء ذكراهم يُعد مطلبًا مهمًا فى الوقت الراهن للأجيال الجديدة.

الجدير بالذكر أن معظم الحضور كانوا من الطلاب والمتخرجين حديثًا، تمايزوا فى معرفتهم بها: فمنهم من أُتيحت له الظروف وتعرف عن قرب بالراحلة رضوى عاشور ومنهم من عرفها من خلال كتابتها فقط، لكن هذا الاختلاف تلاشى وسط حالة الحب العجيبة لذلك الاسم والشعور الجمعى منهم بأنها أم لهم جميعًا.

الكل يحكى عن مواقف معها أو مع كتاب من كُتبها، ويُهديها الشاعر الشاب أحمد الديب قصيدة بعنوان «أمى فلسطين التى فى خاطري»، ومن لم يذكر لها شيئًا ظل يستمع ويردد قصيدة ولدها الشاعر تميم البرغوثى فى رثائها: قالولى بتحب مصر قلت مش عارف لكنى عارف إنى ابن رضوى عاشور.. أمى اللى حملها ما يتحسب بشهور.. الحب فى قلبها والحرب خيط مضفور.. تصبر على الشمس تبرد.. والنجوم تدفى.. ولو تسابق زمنها تسبقه يحفى.. تكتب فى كار الأمومة من الكتب ألفين.. طفلة تحمى الغزالة وتطعم العصفور.. وتذنب الدهر لو يغلط بنظرة عين.. وبنظرة أو طبطبة ترضى عليه فيدور.. وأمى حافظة شوارع مصر بالسنتي.. تقول لمصر يا حاجة ترد يا بنتي.. تقولها احكيلى فتقول ابدئى انتي..