تسعة أسباب للقلق من إحصائيات النشر فى مصر   بقلم : طه عبد المنعم   هناك سبب مهم قد يجعل من الحديث عن إحصائيات النشر فى مصر غير ذى جدوى،

rrrrwe

تسعة أسباب للقلق من إحصائيات النشر فى مصر

 

بقلم :

طه عبد المنعم

 

هناك سبب مهم قد يجعل من الحديث عن إحصائيات النشر فى مصر غير ذى جدوى، وهو بكل بساطة غياب المعلومة والأرقام، مما يجعل أى تحليل أو دراسة ضربا من ضروب التخبط والفوضى، وتوجه للباحث حينئذٍ، كل سهام التشكيك، بالإضافة للتخوين والعمالة.

لكننا، لحسن الحظ، لن نعتمد على تقديم صورة لإحصائيات النشر فى مصر على الأرقام والمعلومات وحدها، بل سأتطرق إلى بضع مشكلات جوهرية تقدم لنا خلفية عن الوضع، فللأسف وضع النشر فى مصر متدهور لدرجة لن تكشف لنا المعلومات والأرقام إلا صورة أكثر بؤسا.

رقم الإيداع بمثابة الرقم القومى للكتاب، فهو تعريف الكتاب على المستوى المحلى، والترقيم الدولى أو ما يعرف بـISBN هو تعريف الكتاب على المستوى الدولى، والرقمان لهما نظام معيارى معين تقوم به إدارة الإيداع القانونى فى دار الكتب والوثائق القومية، وهى الجهة الوحيدة فى مصر المنوط بها إصدار أرقام الإيداع، ورغم تلك المركزية فأرقام الإيداع لا تمثل بأى حال من الأحوال عدد الكتب التى تم نشرها على مدار العام لعدة أسباب جوهرية.

أولا، يجب أن تعرف أن أى تغيير فى الكتاب نفسه، بالإضافة أو بالحذف، أو بإصدار طبعة أخرى يستلزم رقم إيداع جديدا، لأنه سيصبح كتابا جديدا، وبالتالى لتعرف إذا كان إصدار الطبعة الثانية من الكتاب حقيقيا أم لا، فيجب أن يحصل الكتاب على رقم إيداع مختلف عن الطبعة الأولى، معظم الناشرين يتغاضون عن تلك التفصيلة، لأسباب مختلفة. فيستمر بإصدار عدد ما يشاء من الطبعات برقم إيداع واحد.

ثانيا، يتم الحصول على رقم الإيداع قبل إصدار الكتاب، ويسمح القانون بمدة ثلاث أشهر فترة سماح للناشر بتقديم عشر نسخ من الكتاب للهيئة. معظم الناشرين يهملون تقديم تلك النسخ، ورغم وجود عقوبة على الناشر، لكن ليس هناك آلية من الجهة الحكومية لتحقق من خرق تلك القاعدة. بل الأدهى أن الناشر قد لا يصدر الكتاب أصلا أو ينشره بعدها بسنة مثلا أو ينشره بعنوان مختلف، لصعوبات تسويقية أو غيرها، وبالتالى يهمل التوجه لإدارة الإيداع لتقديم النسخ التى تثبت لصدور الكتاب أو إثبات التغيير، ويبقى رقم الإيداع معلقا، لا يستطيع أحد إلغائه، فليس هناك آلية لتسجيل الكتب المنشورة فعلا.

ثالثا، إدارة الإيداع القانونى تصدر ارقام الإيداع لكل كتاب يصدر وينشر فى مصر، بمعنى كل النشر الخاص والنشر الحكومى، وهى دوائر أكبر مما نظن، فالكتب المدرسية بمختلف مراحلها ومناهجها لها أرقام إيداع خاص بها، تحصل عليها وزارة واحدة وهى وزارة التعليم، وكل وزارة حكومية لها جهاز النشر الخاص بها، من الأوقاف والأزهر إلى الدفاع والشئون المعنوية والشرطة. وبالطبع تلك الأرقام تنضم لنشرة الإيداع التى تصدرها دار الكتب والوثائق القومية، وهى بالتالى تضيف حجما لنشر الكتب يضلل محاولة معرفة اتجاهات القراءة، ليس فقط لأنك لن تجد تلك الكتب فى المكتبات متاحة للقارئ لشرائها، بل لأنها توزع وتنتشر فى منظومات لها سياقات مختلفة تماما.

رابعا، لو بطريقة معجزة استطعنا فصل ارقام إيداع الكتب المدرسية وكل الكتب التى تنتمى لهذه الفئة، لأنها بطريقة أو بأخرى لا تساهم فى رصد حركة النشر الإبداعى فى مصر، سنجد أنفسنا أصدمنا بإشكالية أخرى وهى تصنيف الكتب الذى يعتمد على نظام ديوى العشرى، وبغض النظر عن نقاط قوة وضعف هذا النظام، فالعيب الأساسى الذى تفرد به الجهة المنوطة بالتسجيل، انها ما زالت تعتمد حتى الآن على الدفاتر الورقية القديمة، وحين يكتمل الدفتر، يتم نقل التسجيل إلكترونيا، ورغم ما يشوب عملية النقل من الورقى للإلكترونى من شوائب كثيرة أهمها التأخير والتعطيل، فنشرة الإيداع تصدر على هيئة نصية جامدة يصعب التعامل معها حاسوبيا، وهى بذلك ليست ذا جدوى للباحث، فلا يستطيع استخلاص أى رقم صحيح منها، للكشف عما بداخلها من معلومة.

خامسا، توقفت الهيئة عن إصدار نشرة إيداع ورقية من العام 2008 واكتفت بنشرها إلكترونيا على موقعها، لكن الموقع نفسه غير متاح للجمهور، وبذلك نشرات الإيداع هى نشرات سرية إلا على العاملين بالهيئة، وبالتالى أى فساد فى هذا النظام سيظل مستترا. وبغض النظر عن أن مفهوم الشفافية غير موجود، فالاعتقاد السائد لدى موظفى الحكومة، أنهم يمتلكون كنزا من المعلومات، سيتم إساءة استخدامه لو خرج من بين أيديهم.

سادسا، الأرقام بمفردها لا تعنى شيئا، فلو حصلت على بيان بعدد الكتب التى نُشرت فى مصر عام 2014، مثلا 33 ألف كتاب، فلا تستطيع معرفة ما إذا كان الرقم ضخما أم لا، أو هل هو فى حالة زيادة أم نقصان، لكن عرض الرقم بالمقارنة بعدد الكتب المنشورة قبل الثورة، مثلا، وبعدها خلال السنوات التالية، سيوضح كيف صعدت وهبطت سوق النشر فى مصر، فالمقارنات تعطى للبيانات سياقا تستطيع فهمها من خلاله، وهو ما يضيف أطنانا من الصعوبات للحصول على بيان ورقم سليم.

large-472745b8-78f5-446d-8e42-4b2fe5df17e1

سأنتقل إلى الجهة الأخرى التى تلمس التعرف على اتجاهات النشر وهى الناشر، سأقدم ثلاث إشكاليات اخرى تبرهن على أن الناشر لا يعتمد أو لا يهمه الأرقام فى العمل بتلك الصناعة وتجعلنا نقلق من إحصائيات النشر فى مصر.

أولا، الكتاب دون الترقيم الدولى ليس له وجود خارج مصر، بمعنى لا يحق له المشاركة فى المعارض العربية والدولية، أيا كانت قيمة الكتاب، ورغم ان تلك الحقيقة واضحة للأعين، فمعظم الناشرين أُجبروا على اتباع هذا النظام بعد أن حرمتهم المعارض العربية من دخول كتبهم «حدث المنع منذ وقت قريب»، وليس لأن اتحاد الناشرين المصريين أهتم لأن يحترم أعضاؤه الكُتاب بإعطاء هوية وجواز سفر للعالم.

ثانيا، ليس هناك أى وسيلة على الاطلاق لمعرفة عدد النسخ فى الطبعة الواحدة، وأعتقد أن تلك المهمة تقع على عاتق الاتحاد، تلك المشكلة لا تضر المؤلف أو القارئ، بل على العكس تماما، فإنها تضر الناشر نفسه، لأنه ببساطة يفتح الباب لتزوير كتابه على الأرصفة.

ثالثا، ليس للكتاب أى حقوق لاستغلالة إلكترونيا على شبكة الإنترنت دون الباركود والترقيم الدولى، وهو السبيل الوحيد لوضع الكتاب على خريطة سوق النشر الإلكترونية وبالأدق على الـEBook على منصة Google play، وهو أيضا بالمناسبة، ليس له علاقة بالنسخ المسروقة على الإنترنت، فخلال بضع سنوات، لن تعد لتلك الكتب المسروقة أى فائدة، فلن تظهر فى محركات البحث، لأن ليس لها باركود وليست بصيغة إلكترونية تناسب متصفحات القراءة والأجهزة الحديثة. فلكى يلحق الناشرون بركب الثورة التى قامت وما زالت شواطئنا تنظرها يجب إثبات هوية كتبهم.