الحوار الأخير فبل الرحيل .. أبو المعاطى أبو النجا : تكوينى الثقافى هو كل ما لا حيلة لي فيه ولا اختيار                  

15595626_1326796487370958_1813518327_o

الحوار الأخير فبل الرحيل ..

أبو المعاطى أبو النجا : تكوينى الثقافى هو كل ما لا حيلة لي فيه ولا اختيار

 

                           

حاوره : محمد رفاعى

 

هذا هو الحوار الأخير مع  الكاتب الكبير أبو المعاطى أبو النجا قبل رحيله و قبل أن يرقد مريضا بمستشفى السلام الدولى ، صاحب القيمة الكبيرة من الكتاباته الإبداعية التى وضعته فى مقدمة كتاب الطليعة الأدبية،  بدأ الكتابة الإبداعية منذ منتصف الخمسينات، وأصدر ثمانى مجموعات قصصية، تناولها كبار النقاد بالدراسة والتحليل، ضمها مجلدان من أعماله الكاملة صدرا فى عامى 1992، 1993،  عدا مجموعته الأخيرة “فى هذا الصباح” التى صدرت عام 1999.

وتظل روايته “العودة إلى المنفى“ واحدة من علامات الأدب المصرى المعاصر بطريقتها الفذة فى الاشتغال على سيرة المناضل الوطنى عبد الله النديم التى نالت استحسانا وطبعت عدة طبعات، وحصل بها على جائزة الدولة التشجيعية فى الرواية وهى الجائزة الوحيدة التى حصدها، رغم كونه عضوا فى مجلس الأعلى لثقافة فى مصر وهو المانح للجوائز

واضافة لهذه الرواية اصدر ابو النجا روايته “ ضد المجهول” عام 1975 ،  كتب أبو المعاطى دراسات ومقالات عن القصة القصيرة والرواية، نشرها فى مجلد بعنوان “طرق متعددة لمدينة واحدة”، وصدر فى عام 1997، ثم أصدر كتابا يضم مقالاته الحديثة عنونه بـ “ قراءة نقدية فى قصص وروايات عربية» عام 2013 .

ولد أبو النجا عام 1931فى احدى قرى دلتا مصر،  ودرس اللغة العربية فى الأزهر وعمل فى عدة وظائف فى مصر والكويت وكان عضوا بهيئة تحرير مجلة العربى العريقة بالكويت .

 

 

وهنا حوار معه يذكر بتجربته الإبداعية العميقة وتاثيره بين مجايليه من المبدعين أجرى قبل فترة مرضه:

  * ما أهم المؤثرات التى ترى أنها تركت آثرها على تكوينك الثقافى والإبداعي؟

– أظن أن من أهم المؤثرات التى تترك اثرا على التكوين الثقافى والإبداعى للكاتب هى تلك التى تتصل بنشأته الأولى، وبكل ما لا حيلة له فيه ولا اختيار،  ولو أردت أن أوجز لك ما أظنه من أهم ملامح هذه النشأة، فهى أننى نشأت فى إحدى قرى الريف فى محافظة الدقهلية لأبوين ليسا من أغنياء القرية ولا من فقرائها، فأبى كان ناظر مدرسة القرية الأولية،  وكان فى القرية أغنياء تبرعوا ببناء المدرسة التى كان أبى ناظرا لها، بعضهم كان يمتلك أكثر من مائة فدان، بينما كان معظم سكان القرية يعملون أجراء فى أراض لا يمتلكون شبرا فيها، وكانت هناك أعداد اخرى تمتلك قطعا صغيرة من الأرض، أردت بهذا التفصيل أن أوضح لك أننى فى هذه الفترة المبكرة من حياتى كنت قريبا من الفقر الذى رأيت كيف يمكن أن يدمر الحياة، أو على الأقل يضع سقفا لأولئك الذين ينجوّن من هذا الدمار، كما كنت أيضا قريبا من الغنى الذى رأيت أنه هو الآخر بالرغم من كل المزايا التى يقدمها يمكن أيضا أن يدمر بعض هؤلاء الأغنياء، فى هذه الفترة حفظت القرآن الكريم فى كتاب القرية ورشحنى نجاحى فى حفظ القرآن فى سن مبكرة إلى أن التحق بالمعهد الدينى التابع للأزهر بالزقازيق، فأنتقل للحياة فى المدينة دون أن أنفصل تماما عن القرية، وفى الوقت الذى كنت أتلقى فيه تعليما تقليديا تراثيا فى المعهد الديني، كنت بسبب وجودى فى مدينة الزقازيق أتابع الصحف والمجلات الحديثة وأتردد على مكتبة البلدية، أبحث عن الكتب التى أقرأ عنها فى مجلة الرسالة والثقافة، وفى هذا الإطار لم يكن غريبا أن أنشر القصص الأولى التى كنت أكتبها فى نهاية المرحلة الثانوية بالمعهد الدينى فى مجلة الرسالة التى تصدر فى القاهرة دون أن أكون قد ذهبت إلى القاهرة.

* مفهوم الحداثة اختلف من جيل إلى لآخر وحتى الآن . كيف ترى الحداثة عبر مسيرتك الثقافية؟

– الحداثة مصطلح مراوغ لأنه من الناحية اللغوية الخالصة يعنى الجدّة أو متابعة الجديد فى أىّ مجال، ولأننا منذ بداية النهضة فى عصر محمد على بدأنا نتابع ما هو جديد فى الغرب الذى سبقنا إلى النهوض بقرون فى شتى المجالات، فقد كان هذا المصطلح فى مجال يتعدد ويتلون وفق السياق ووفق الزمان والمكان الذى يتم فيه النقل ووفق المستوى الثقافى والمعرفى للناقل والمستخدم للمصطلح.

حين كنت طالبا فى كلية العلوم كنا ندرس نقد العقاد والمازنى لشعر أحمد شوقى فى كتابهما المعنون بـ”الديوان”، وكان هذا النقد يرتكز على معايير المدرسة الرومانسية فى نقد الشعر، وهى المدرسة التى جاءت فى أوربا بعد الكلاسيكية، فكان من الطبيعى أن يقدم لنا هذا النقد تحت عنوان أن هذا هو النقد الحديث للشعر، وأن نرى فى مثل هذا النقد نوعا من الحداثة، ولكننا كنا فى الوقت ذاته نتابع ما يكتبه صلاح عبد الصبور ونازك الملائكة وأحمد عبد المعطى حجازى من قصائد جديدة تأخذ بما كان يعرف بشعر التفعيلة على أن هذا هو الشعر الجديد أو الحديث الذى يقدمه ناقد شاب اسمه “رجاء النقاش”وناقد آخر اسمه “بدر الديب”، وكان من الطبيعى أن تتكرر المفارقة نفسها فى مجال القصة والرواية .

* من يقرأ قصصك القصيرة خاصة فى المجلد الثانى من الأعمال الكاملة يوقن أنك كاتب طليعى وحداثى دون جدال ..هل يمكن أن تحدد لنا الأساليب التى استخدمتها فى تطوير القصة القصيرة عبر مسيرتك القصصية؟

– دعنى أجيب عن سؤالك بطريقة تنقذنى مما فيه من شبهة الادعاء بأننى كاتب طليعى وحداثى،  ومن شبهة محاولتى تقديم أدلة على ذلك، فلعلك تصدقنى فى ضوء إجابتى عن سؤال الحداثة، إننى لم أنشغل كثيرا بأمر الحداثة،  وكان ما يشغلنى دائما هو أمر الحياة، وأمر المجتمع وأمر حياة الفرد أو الأفراد فى هذا المجتمع.

سأحاول وهذا ما أفعله ربما لأول مرة أن أقول لك كيف كتبت بعض قصصي.

ينشغل عقلى كما ينشغل عقل أى كاتب بأفكار أو رؤى كاملة أو ناقصة من ذلك ما كنت أشعر من وجود ذلك الصراع شبه الأبدى فى داخل الفرد أو فى داخل المجتمع بين النزوع إلى توسيع دوائر الحرية بالإبداع والابتكار والنزوع إلى وضع الحدود والقواعد التى تضمن تحقيق العدالة والتوازن وأيضا تحقيق الاستمرار، وأحيانا كان يبدو لى أن تحقيق أى تفوق أو تقدم فى أى نزوع منهما يكون دائما على حساب الآخر، ودائما ما كنت أحلم بإمكانية وجود صيغة تجعلنا نحظى بأفضل ما تقدمه هاتان النزعتان،  دون أن تطغى واحدة منهما على الأخرى أو تعمل على تقليصها أو تهميشها،  ذات يوم كنت أعبر فيه ميدان طلعت حرب فى القاهرة، وجدتنى فجأة أمام حادث يقع أمامى على نحو مفاجئ، بائع متجول متقدم فى السن يحمل قفصا من البرتقال على كتفه يعبر الميدان على بعد خطوات منى، يتعثر الرجل فيسقط على الأرض وتتناثر حبات البرتقال فى الميدان، نجاة الرجل بما يشبه المعجزة من الموت تحت عجلات السيارات التى فاجأها تعثره وسقوطه لا يشغله عن خسارته الكبرى لقفص البرتقال فيحاول أن يجمعه من أمام السيارات المتعجلة.

* أشار الدكتور شكرى عيّاد فى دراسته عن أعمالك القصصية تحت عنوان “شاعر الألفة والأمل” إلى أن عنصر الشعر يمثل الروح الخفى فى كل إعمالك القصصية، كما أن هذه الأعمال تعكس نوعا من الشعور القوى بوحدة الوجود، كما أشار الدكتور “عبد القادر القط” فيما كتبه عن أعمالك القصصية إلى ميلك إلى الغوص فى أعماق النفس الإنسانية، والقدرة على تحليل اللحظة النفسية، وإلقاء الضوء على أبعادها وتحولاتها ..ما تعليقك على كلا الرأيين؟، وهل يعنى هذا أن لك اهتماما خاصا بعلم النفس أو الطب النفسى أو الشعر؟

– فى الحقيقة لا أميل إلى التعليق على الآراء التى يقولها أو يكتبها النقاد عن أعمالى وان كنت أقرؤها أوأصغى إليها باهتمام واحترام، وأحاول أن أفيد منها، خاصة حين تتغير أو تختلف فقد كان رأى الدكتور عبد القادر القط فى مجموعتى القصصية الأولى “فتاة فى المدينة” أنها تتميز بغلبة النزعة الفكرية عليها بروح الفكاهة والسخرية، ثم جاء رأيه فى مجموعتى الثالثة “الناس والحب “ ليتحدث عن الميل إلى الغوص فى أعماق النفس الإنسانية بكل جوانبها والقدرة على التحليل اللحظة النفسية وهو ما يقترب من رأى الدكتور شكرى عيّاد الذى كان يمثل رؤية لأعمالى الكاملة فى القصة القصيرة، فقد أشار إلى أن معظم شخصيات قصص هذه الأعمال يعبر سلوكها عن شعور قوى بوحدة الوجود، فما هو نفسى يمتزج بما هو فكرى وبما هو جسدى وغرائزى فى وحدة واحدة لا ينفصم فيها حال عن حال، بحيث يصبح من الصعب وضع حدود فاصلة بين حركة هذه الحوافز والمؤثرات، بما يعبر فعلا عن الشعور القوى بوحدة الوجود.

أما عن سؤالك عما إذا كان لى اهتمام خاص بالقراءة فى علم النفس أو الطب النفسى أو الشعر، فهو سؤال يتصل بعلاقة الكاتب بمصادر المعرفة، فهل يختلف الكاتب فى هذا الشأن عن غيره من الناس؟ الجميع يسعون إلى مصادر المعرفة، كل وفق قدراته وإمكانياته لأن هذه المعرفة هى التى تساعد الإنسان فى المحافظة على وجوده وتوازنه وإشباع شتى حاجاته، وتنمية قدراته.

* كنت ممن التفت مبكرا إلى سيرة المناضل “عبد الله النديم” فى رواية “العودة إلى المنفى”التى نشرت عدة مرات وهو العمل الوحيد لك المستوحى من شخصية تاريخية،  ترى ما دلالة هذا الاختيار؟

– مغزى اختيارى لشخصية “عبد الله النديم “ لكتابة عمل روائى عنه، بسبب اهتمامى بشخصيته مبكرا والقراءة عن حياته فى إطار محاولاتى التعرف على تاريخ مصر الحديث وحياة الرجال الذين كان لهم دور بارز فى صناعة هذا التاريخ . وقد لفت نظرى أن حياة “النديم” تختلف عبر رحلتها الممتدة كل طبقات المجتمع المصرى وفئاته فى مرحلة ما قبل الثورة العرابية وبعدها، ففى هاتين المرحلتين قام بدور المثقف المؤثر والفاعل، فقبل الثورة نجح فى تحريك قوى اجتماعية هائلة للعمل من خلال الجمعيات الأهلية التى قامت بدور خطير فى إنشاء المدارس والمصانع فى وقت كانت الدولة غارقة فى مأساة ديونها لأوروبا، وبعد الثورة قام بدور مماثل فى تحريك هذه القوى لتساند ثورة يقوم بها الجيش لتكتسب حركته السند الشعبى، والدور المؤثر والبارز الذى لعبه عبد الله النديم مع الثورة العرابية أثناء احتدامها وخوضها الحرب ضد الاحتلال الانجليزى لمصر.

* كتبت دراسات ومقالات نقدية فى القصة والرواية العربية، أصدرتها ضمن الأعمال الكاملة تحت عنوان “طرق متعددة لمدينة واحدة “ فى عام 1997 هل هناك رؤية أو اتجاه أدبى تناولت من خلاله هذه الأعمال؟

– امتد زمن كتابة هذه المقالات أكثر من ستة عشر عاما، جرت فيها أحداث كبيرة، وكانت هذه الكتابة إحدى الطرق التى أواجه بها هذا الواقع .

طول فترة كتابة المقالات فمن الطبيعى أن تشهد درجات من التغيير فى التجربة والفكر والرؤية بالنسبة لأى كاتب مهما يكن عمره، ولا شك أن هذا شىء يظهر فى التناول أو الأسلوب، كما تغيرت أساليب الكتابة الإبداعية والنقدية، كنت أبحث فى تلك الدراسات عن الجمال من خلال البحث عن المعنى والفكرة.

 * هل الواقعية التى مارسها أغلب جيلكم ما زالت قادرة على الإمتاع والدهشة؟.

– الواقعية مدرسة فى النقد الأدبى متعددة الاتجاهات ولكن جذرها يرجع إلى الفلسفة التى ترى أن المعرفة الصحيحة تبدأ بمعرفة الواقع الذى تنقله إلينا الحواس، ومعرفة القوانين التى يتحرك بها هذا الواقع، مع التجربة التاريخية لتطور المعرفة ندرك أن إدراكنا هذا الواقع ولقوانينه ليس صحيحا دائما، وليس نهائيا وأنه يتطور، وأن المعرفة ذاتها تتطور، وأنه فى مجال الأدب،  الذى يعنى ليس فقط بالمعرفة فى ذاتها، لكن بما يشعر به الإنسان وينفعل به إزاء هذه المعرفة فى مراحل استقرارها أو تطورها، فإنه من الطبيعى أن مثل هذا الأدب الواقعى سيظل دائما قادرا على الإمتاع وإثارة الدهشة ليس فقط لأن إدراكنا الواقع يتغير دائما، لكن لأن الأدباء أنفسهم يختلفون فى إدراكهم وفى شعورهم بهذا الواقع حتى فى حالة استقرار درجة المعرفة فى زمن من الأزمان أو فى مكان من الأمكنة، فالجمال فى الأدب لا ينبع فقط من تجدد المعرفة بالواقع، بل من الاختلاف فى الحساسية وعمق الرؤية بين الكتاب أنفسهم لاختلاف شخصياتهم وظروف حياتهم ولو كانوا جميعا ممن يحترمون قواعد المدرسة الواقعية، ولهذا ولأسباب اخرى سيظل الأدب الواقعى قادرا على الإمتاع والدهشة، المهم أن يكتبه أديب حقيقى موهوب.

* كيف أثرت تجربة الغربة والابتعاد عن الوطن على تجربتك الثقافية ؟

– تجربة الغربة الآن فى هذا الوقت الذى أجيب فيه عن سؤالك تختلف كثيرا عما كانت فى الماضى البعيد وحتى القريب، بالنسبة لتجربتى التى بدأت فى العام 1975.

وانتهت فى عام 1990 الذى وقع فيه غزو الكويت البلد الذى هاجرت إليه، وعشت فيه خمسة عشر عاما كانت لها آثار متعددة على تجربتى الثقافية، قبل أن أسافر إلى الكويت كنت قد أنجزت أربع مجموعات قصصية وعملى الروائى الأول وهو”العودة إلى المنفى”عن حياة عبد الله النديم، والذى عكس تجربة الثورة العرابية والذى حصلت عنه عن جائزة الدولة التشجيعية فى الرواية عام 1970، وكان ما ساعدنى على انجاز هذه العمل هو أنى حصلت على منحة تفرغ لمدة عامين فى إطار نظام التفرغ الذى كان من أهم انجازات ثورة يوليو 1952،  وكنت أنتوى أن أواصل هذا البرنامج بكتابة روايات عن شخصيات مختارة من تاريخ مصر الحديث تمثل أهم وجوه وملامح النهضة فى مراحل المختلفة من تاريخ مصر، وكأننى بهذه الروايات أقدم نوعا من التاريخ الفنى للحياة المصرية الحديثة من خلال نخبة من رجالاتها العظام.