آسيا قمر ومحمد ملص الراقصة والأخ الأكبر فى تسجيلية حزام لحميد بن عمرة   بقلم : صفاء الليثى   يحتار المتلقى فى فهم الفيلم التسجيلى «حزام» العمل الأخير للمخرج الجزائرى

15683221_10155628591414517_230087758_n

آسيا قمر ومحمد ملص الراقصة والأخ الأكبر

فى تسجيلية حزام لحميد بن عمرة

 

بقلم :

صفاء الليثى

 

يحتار المتلقى فى فهم الفيلم التسجيلى «حزام» العمل الأخير للمخرج الجزائرى حميد بن عمرة حيث يقدم لنا راقصة جزائرية تعيش فى فرنسا بادئا بتصوير نفسه وظهره لنا يطل من شرفة منزله ونقرأ ابتداء بيت الشعر «فإن الموت يعشق فجأة مثلى، وإن الموت مثلى لا يحب الانتظار» محمود درويش 1941-2008، يحتار المتلقى ثم تأتيه المعرفة بغير انتظار عن فيلم شاغله الموت والحب من خلال الغوص فى معنى فن الرقص الشرقى الذى حولته آسيا المهاجرة الجزائرية إلى مجال لاكتساب الثقة بالنفس وللتعبير عن الهوية. يقوم المخرج بالتصوير بنفسه مقتربا من نماذجه، آسيا وأخواتها ممن تعشقن الرقص مركزا على مشاهد التدريب والاستعداد للعروض على المسرح، ويظهر بعد نصف الساعة المخرج السورى الكبير محمد ملص، غالبا أمام المرآة. المرآة شخصية من شخوص الفيلم يلعب معها ابن عمرة فتضاعف من تعقيد الصورة ومن تركيبها المكثف، صورة منعكسة فى المرآة تظهره وهو يصور إحدى الراقصات ترقص وتتحدث. تقاطعات المشهد حادة سنعرف سببها حين يصور نفسه وهو يلعب الكاراتيه كما راقصته التى أصبحت بطلة لهذه اللعبة تدعم بها لياقتها وتزيد من قدرتها على التحكم فى الجسد ليس فقط بالتركيز الشديد لكن بالإحساس المركزى لذاتها. تقول آسيا إنها كما الطباخ الذى لديه سر خاص فى طبخته، هناك سر ما فى رقصتى. ينقلنا المخرج مع صوت الساحرة مارى ماتيو وأغنيتها المألوفة لنا جميعا «لا أندم على شيء».

15713373_10155628591564517_1650813164_n

لا يتركنا المخرج لنسرح مع الغناء بل ينتقل بسرعة وبشكل حاد إلى صوت آخر ولقاء آخر قاصدا ألا يترك المشاهد متفرجا، بل يطلبه يقظا متتبعا لفلسفة الحياة، والموت، والحب الممتزجة فى الشخصية الرئيس والتى يتم التعبير عنها من كل نساء الفيلم. وعوضا عن تعليق من خارج الصورة أو عن ظهوره بنفسه شارحا فلسفته يظهر محمد ملص حاملا حكمة الفيلم وشارحا أسلوب مخرجه، تذكرت داود عبد السيد حين حاورته عن أعماله التسجيلية الأولى فقال إنه لا يحب صوت المعلق الذى يجده وكأنه صوت ربنا فى الفيلم، لا رب هنا ولكن أخ أكبر نتلمسه بوضوح وقد انتقل بنا ابن عمرة من آسيا التى تقول إنها لا تحب وصاية الأخ الأكبر إلى محمد ملص يشرح فروقات أنواع الفيلم بين الروائى الذى اختاره هو وبين الوثائقى والتسجيلى. يشرح ابن عمرة طريقة عمله لى: «لا أتدخل اطلاقا فى تصرفات الاشخاص بل الكاميرا هى التى تتأقلم دوما وبسرعة بحيث تبدو المشاهد مكتوبة مسبقا. خاصة هنا المخرج هو المصور. لأن القرار عفوى ولا يحتاج إلى حديث أو تعليمات. أما تواجد الكاميرا بهذا المكان وليس الآخر فهذه هى البصيرة السينمائية».

فى الدقائق العشر الأولى تسبب الانتقالات الحادة لى قدرا من الإزعاج لكن بمضى الفيلم وكأن المخرج قد وضعنا فى طريق إيقاعه وأسلوب سرده، وأجبرنى على اليقظة والانتباه بكل الحواس لجملة لحنية أو لكلمة مغناة، مع جبار الذى ترجمها إلى معذب وما أدقها من ترجمة، جبار المعذب هل هى اختيار المخرج أم أنها ما ترقص آسيا فعليا على وحيها بالتدريبات؟

يقول حميد: «إديله ما ترحموش» سيفى حاد وتعلمت باكرا ان امشى على قلبي. هو نوع من التشويق الصارم. مثل من يذوقك العسل دون ما يبيعك أو يهديك اياه. تعلمت هذا من النساء. أنوثتى بالغة الوزن ومن دونها لا قيمة لرجولتى. النساء علمننى فن السرد وحب الانتظار رغم أنى متسرع لا أنتظر أى قطار».

لذا بالفيلم لقطة للمخرج بالكاتانا اليابانى فى أسلوب فن سل السيف الذى يعلمك أخذ القرار فى رمشة عين. التركيب الحاد استلهم نبراته من ممارسة الكاراتيه. بدأت فى سن السابعة وتدربت البارحة لساعة متأخرة بالليل. إنها طريقة فى العيش وديانة بالمفهوم الفلسفى.

 

مخرج الفيلم

مخرج الفيلم

سيصور حميد آسيا مبتسمة فى سيارة بالطريق مع صديقة وجملة من جبار «خدعتنى ضحكته» عبد الحليم حافظ هو صاحب الموسيقى التى تربطها والراقصة الأخرى التونسية بثقافة بلادها، لم تتركها خلفها بل حملتها فى الوجدان تعيش به ومعه «وما كنتش أعرف قبل النهارده، إن العيون ممكن تخون بالشكل ده»، ليست جبار فقط بل مقاطع لمارسيل خليفة والمزمار الصعيدى والغناء الهندى وللمغنية الفرنسية التى انتقلت من التسول بشوارع باريس لتصبح المغنية العالمية ذائعة الصيت. يقول حميد ردا على سؤالى حول أغنية «جبار» والموسيقى المصاحبة: أول مشهد ركب فى بداية العمل كان لأغنية عبد الحليم الذى أعشق شخصه منذ طفولتى.آسيا تعرفت عليه فى السبعينات بباريس، اغنية جبار من اختيار آسيا لكنها الأغنية الوحيدة التى حافظت عليها بالفيلم. باقى الأغانى من الموشحات والأغانى الفرنسية «بياف» وكل الاختيارات الموسيقية كانت ضمن سرد سيناريستيكى يخدم فكرة ألف ليلة وليلة، وتقاطع القصص فيما بينها. إنه توظيف حر يخدم السرد. أى انها كتابة تشبه كتاب الأغانى للاصفهانى. هى نزهة صوتية فى قاموس المخرج، لذا يمكن بسهولة عرض الفيلم بالراديو دون أن يفقد معناه. ركزت بعناية حول الموشح لأندلسيته العريقة وعلى عبد الحليم لمصريته القديمة أما «بياف» فتمثل البنت التى أتت من الشارع وصارت نجمة. آسيا لم تأت من عالم ثرى وعانت الكثير كمهاجرة فى سن مبكر بفرنسا.

15683358_10155628591884517_542751533_n

المقاطع الصوتية تشكل مع الصور واللقاءات فى ساحة التدريب أو فى الشوارع نسيجا مركبا للحياة من وجهة نظر محملة بالمعانى للراقصة المعلمة آسيا وللمخرج الأستاذ والمعلم محمد ملص، ولصاحب الفيلم، صانعه، مصوره ومخرجه الذى يقوم بالتوليف أيضا فى إنتاج لزوجته شريكته فى المنتج والحياة. فيلم «حزام» يحتفى بالمرأة ويؤكد كونها أصل الكون كما أم ملص حين ماتت اهتز الكون كله.

محمد ملص يدخل الفيلم أولا بكلمة «مرآة» المصاحبة للقطة يتمعن فيها بالعدسة التى تصوره والتى يحملها المخرج، الاثنان معا فى إطار واحد أى أنهما فى نفس الفضاء بالمعنى السينمائى المطلق.

بعدها فورا يكمل ملص حديثه بعد فى لقطة كبيرة، ما يقوله يلخص هدف الفيلم. يقول: «مرآة فيها الخيبة وفيها التعب». المرآة هى العامل المشترك الذى من خلاله اتنقل من شخصية الى أخرى. إنه شبح مثلى، لا وجود له فعلا لأنه صدى لأنوثة طليقة.

ملص يتحدث عن أمه التى يشبهها بالأرض التى تهتز، أى امرأة هى جذور الرجل.

ملص يتحدث عن الحب المستحيل، يصاحب نفسه المتقطع لقطة للراقصة التى رأيناها ببداية الفيلم والتى وراءها زورق محطم. للأخصائيين فى الأدب الروسى لا يمكن أن يغيب عنهم قصيدة «ماياكوفسكي» فى رسالته الأخيرة قبل أن ينتحر، «قارب الحب تحطم على صخرة الحياة».

 

رغم وجود كلمات واضحة شارحة لكثير من قضايا الفيلم عبر آراء من قابلهم المخرج من هاته النسوة البارعات رقصا ومعرفة بالذات، إلا أنه هناك معانى مستترة يمكن استنتاج دلالتها من تصوير آسيا وخلفها صورة جيفارا، أو راقصة أخرى وخلفها صورة مكبرة لمارلين مونرو، وثالثة مع جذوع أشجار، ورابعة وخلفها سطح اللوفر فى باريس.

يحاورنى ابن عمرة: «أهمية باريس كديوان لجنسيات عدة يجعل من آسيا محور لقاء نساء يختلفن فى معتقداتهن الدينية والسياسية كما يختلفن فى قامتهن ورشاقتهن. لم أرد تصوير الحسناوات ذات النمط الدعائى حتى لا يظهر الفيلم كنموذج لقناة عرض أزياء. المرأة اولا بكل مواصفاتها دون تفضيل شكل عن الآخر. يختلفن فى مهارتهن وفى علاقتهن بالرقص وبالشرق.

لكن يربط بينهن امرأة لا تراهن على قامتها لكن حبها للرقص كتعبير عن أنوثة حرة هو محور حياتها.

هذا ما أحببته فى شخصيتها. ان ترقص حياتك بمعنى أن تكون صاحب قرار فى حياتك. لذا الفيلم لا يدخل الملهى أو الكاباريه. اللغة الفرنسية عامل مشترك بين كل هذه الأجناس ولم أرد التدخل فى اختيارهن الحديث بالفرنسية أولا رغم عربية بعضهن الطليقة.

طريقة السرد لفيلم «حزام» تعرفت عليها من فيلمه السابق «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» ليست سردا خطيا ولا يتبع أيا من القواعد الراسخة لسرديات السينما، على الرغم من اتباعه لقواعد تصوير متبعة فى الفيلم التسجيلى خاصة عن الشخصيات، ففيها تصوير للقاءات مطولة مع الشخصيات، وتصوير لممارستها لأنشطتها المختلفة كأن تقوم بتدريب تلميذات لها، أو تتدرب على لعبة، أو تضع ماكياجها وتنفرد بنفسها فى حجرة الملابس، أو فى نزهات مرحة فى الطبيعة مع الزملاء. لا يقدم بالفيلم عرض على المسرح فقط التدريبات ودروس الرقص وعن هذا يقول حميد: «هناك مشهدان لعرض مع الجمهور صورتهما من زاوية المشاهد العادى. لكن كالمسرح والغناء وعروض الرسم والنحت، أعتقد أنها يجب أن تعاش مباشرة. التليفزيون ينفذ هذا أحسن منى. همى الأول قلب الحدث وكيفية صنع العرض ومشاكله. ما لا يراه أبدا الجمهور بالقاعات»..

ويأتى البناء فى المونتاج كما أتصور. أنه يلهث فى إعداد هذه المواد غزيرة التنوع، وشرائط الموسيقى والأصوات المختلفة، ثم يتقط أنفاسه ويعمل على مونتاج فيلمه متقمصا روح محارب لعبة اليد الفارغة «الكاراتيه» فى التقاطه للحظة فى طريقها للموت أو الانتهاء والإسراع للانتقال لما بعدها قبل أن يسترخى مشاهده المستهدف.

الفيلم عن الزمان النفسانى لأن الأحداث تجرى بين استعداد آسيا للدخول الى المسرح، وانتهائها من الأداء الذى شاهدناه فى بداية الفيلم،كل هذا مقطوع بلقطات لها بالسيارة حيث نراها فقط عبر مرآة التى تسمح بمشاهدة ما خلفنا حين تقود السيارة. أى هذه المرآة تسمح بالفلاش باك.

يؤكد الفيلم هذا المفهوم عندما تقول آسيا: غاب زمن يحترم فيه الرجال النساء بالجزائر، هذا كلام يحمل نوعا من النوستالجيا. ليس هناك حرف واحد أو لقطة واحدة غير مربوطة بشىء له دلالة أو قصد أو هدف.

15683510_10155628592364517_1556844222_n

قمت بمزج عرضى النقدى للفيلم مع حديث صانعه حميد بن عمرة فى نوع من أنواع المقالات يسمى بالمقال الفرنسى كنت اتبعته مع تناولى لجذور مخرجى الواقعية المصرية الجديدة خيرى بشارة وداود عبد السيد دون وعى منى بالتصنيفات وصنفه أحمد غريب الكاتب والصحفى شارحا لى نوعه. وقد تزاملنا بمجلة الفن السابع المصرية لصاحبها محمود حميدة. الآن نلتقى على شبكات التواصل الاجتماعى ونتبادل الرأى أحيانا رغم بعد المسافات فهو فى كندا حاليا كما حدث بينى وبين ابن عمرة بين باريس والقاهرة.

تعلم الكاراتيه من سن السابعة الى اليوم، قدم أول فيلم بالجزائر 1981 تلته ستة افلام كلها روائية بين 55 دقيقة 60 و26 دقيقة كلها عرضت بمتحف السينما بالجزائر وبروكسل وتونس.

درس الفلسفة بالجزائر 1986 الى 1988، شارك بفيلم قصة منتهية 26 ق بالمسابقة الرسمية بالفيسباكو 1989، ودرس بفرنسا سينما وتاريخ عند مارك فيرو بباريس 1990 الى 1995.

عام 2012 قدم فيلمه التسجيلى «شيء من الحياة, شيء من الحلم» دخل 19 مهرجانا.

عام 2016 قدم عمله «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» دخل تسعة مهرجانات منها مهرجان الأقصر.

ثم «حزام» كان عرضه العالمى الأول بمهرجان القاهرة بمسابقة آفاق السينما العربية.

متزوج من ستيفانى ممثلة ومنتجة، أخرجت أول فيلم قصير «وأنا» عرض بمهرجان الاسكندرية 2016.

88899

شارك «حزام» مسابقة آفاق السينما العربية الثالثة أحد البرامج الموازية بمهرجان القاهرة وأتصور أنه مناسب أكثر لمهرجان الإسماعيلية للسينما التسجيلية والقصيرة، لتخصصه فى نوعية الفيلم التسجيلى الفنى الذى يأتينا من كل بلاد الدنيا. من فاته الفيلم يمكنه تتبع عروضه التى يعلن عنها المخرج بنفسه أو منتجته السيدة ستيفانى وسيجد فيه متعة كبيرة فى التعرف على نموذج ناجح وإيجابى كسر غربته وتمسك بثقافته مازجا إياها مع ثقافة فرنسا التى تذوب فيها الثقافات وتصهر لتخرج ثقافة ثالثة غير منكفئة على حدودها، ثقافة مغايرة حولت من رقص يمارس فى الملاهى الليلية ويوصم بالإيروتيكية إلى فن للاحتفاء بالجسد وبالروح الحرة داخله. كما سيتمتع بنموذج فريد يكسر ثوابت الفيلم التسجيلى ويخلق منه عملا دراميا فلسفيا.

بطلة العمل السيدة آسيا قمرة، درست فنون جميلة بالجزائر فى السبعينات، ثم درست فنون المسرح والرقص بباريس بداية الثمانينات تلتها مدرسة السيرك. تعلقت بالكاراتيه وهى صبية فى الستينات بالجزائر.

بطلة فرنسا فى التايكوندو مرتين متتاليتين بداية الثمانينات، مثلت بالمسرح بفرنسا منتصف التسعينات.

مثلت بالسينما أدوارا صغيرة. ذكرت فى الفيلم حبها للراقصات المصريات خاصة نعيمة عاكف وسامية جمال، الثقافة المصرية رافدا من روافد ثقافتها المتشعبة. بلغت هذا العام 62 عاما وما زالت تقوم بتدريس الرقص الشرقى بباريس.