أفلام دبى السينمائى تحت المجهر.. ثمانية أفلام أخرى   دبى – أحمد شوقى   فى الأسبوع الماضى تعرضنا فى هذه المساحة لثمانية أفلام عربية شاركت ضمن فعاليات الدورة الثالثة عشرة

5555

أفلام دبى السينمائى تحت المجهر.. ثمانية أفلام أخرى

 

دبى – أحمد شوقى

 

فى الأسبوع الماضى تعرضنا فى هذه المساحة لثمانية أفلام عربية شاركت ضمن فعاليات الدورة الثالثة عشرة لمهرجان دبى السينمائى الدولى «7-14 ديسمبر». اليوم نتناول مجموعة ثانية من أفلام نفس المهرجان الذى اختتمت دورته بنجاح ووزعت جوائزه، لكن بقى فى الأذهان تأثير عشرات الأفلام المتميزة التى عرضها والتى نحاول تناول أكبر عدد منها بالرصد والتحليل.

جسد غريب «تونس»

عندما يبدأ الفيلم بوصول الفتاة سامية إلى شواطئ فرنسا مهاجرة غير شرعية، تظن لوهلة أن رجاء العمارى اختارت أن تعالج القضية الأكثر اعتيادا فى تاريخ السينما المغاربية. لكن مع التوغل أكثر فى مسار الفيلم تكتشف أن مسألة الهجرة هى مجرد إطار عام، توظّفه المخرجة لسرد حكاية أكثر حميمية عن مثلث الحب الذى يجمع سامية بالشخص الوحيد الذى تعرفه من ماضيها عماد، وبليلى المرأة الثرية عربية الأصل التى تقرب الفتاة إليها قبل أن يدخل الشاب بينهما. هذا ليس مجرد صراع غير متوقع على القلوب «ليس تجاه عماد فقط بل حتى بين سامية وليلى»، وإنما هو أيضا معالجة حسية لهواجس تمثلها كل امرأة للأخرى: ليلى هى المستقبل الذى تحلم به سامية، وسامية هى الماضى الذى تحلم ليلى بالعودة إليه. وبين تعقيد نفوس امرأتين يكون من الطبيعى أن يتوه الرجل.

العاصفة السوداء «العراق»

من المتفق عليه أن رأى لجنة التحكيم يعود لتشكيل أعضائها وأذواقهم، ومن الخطأ اعتبار الجوائز أى جوائز معيارا للقول بالأفضل أو سببا للغضب من اللجنة ما لم تتفق اختياراتها مع آرائك. إلا أن هذا لا يمنع الاندهاش من قرار لجنة تحكيم مسابقة المهر الطويل بمنح المهر الذهبى أهم جوائزها للفيلم العراقى الكردى «العاصفة السوداء» لحسين حسن. ليس فقط لأنه خيار استشراقى مثالى يقوم على الانتصار للقضية أكثر من القيمة الفنية «الفيلم عن فتاة إيزيدية يختطفها مقاتلو داعش ويغتصبونها»، لكن لأنه حتى بمعايير القضية لا يمكن أن نعتبره هو الفيلم المثالى لطرح أزمة بهذه الخطورة. هذا فيلم آمن خال من الجرأة والمفاجأة، يمكن توقع مسار أحداثه من اللحظة الأولى، ويصل لحدود المتاجرة فى فصله الختامى بإثارة قضية جرائم الشرف عندما يقرر والد الفتاة الذى يعرف أنها قد اختطفت من داعش أن يقتلها انتقاما لشرفه، أو ضمانا لاكزوتيكية الحكاية!

نار من نار «لبنان»

من التعاسة أن يخرج فيلم كهذا دون تقدير من لجنة التحكيم. اللبنانى جورج هاشم يقدم أكثر أفلام المسابقة كابوسية رغم خلوه الكامل تقريبا من أى مشهد عنيف. العنف هنا داخلى مستبطن، مرتبط بما يمكن أن تكتسبه النفس البشرية من تمزق وألم دائم. شعور لا نهائى بالغربة داخل الوطن وخارجه ينطلق من حدث بسيط: مخرج لبنانى يعيش فى فرنسا يستعد لإنهاء فيلمه فيكتشف أن صديقه القديم فى المدينة، ليصير لقاؤه بالصديق كشفا لقروح النفس. كلاهما أحب المرأة ذاتها، لكنها كانت أبسط الخيانات وأكثرها براءة. مشاهد المواجهة المبطنة والمريرة بين الصديقين القدامى «بأداء مؤثر من وجدى معوض وفادى أبى سمرا» والتى تظهر لاحقا أبعادها النفسية، تتقاطع مع سوداوية مشاهد الماضى بكاميرا أندرياس سينانوس مصور ثيو أنجلوبوليس، هى من أفضل التتابعات التى شاهدناها فى دبى السينمائي.

رجل يعود «المملكة المتحدة»

هناك علاقات سينمائية تمتد من فيلم لآخر بين مخرج وممثل أو مخرج ومصور أو غيرها من التراكيب المعتادة، إلا أن المخرج الدنماركى الفلسطينى مهدى فليفل تمكن على مدار ثلاثة أفلام مختلفة الأطوال من تكوين علاقة سينمائية فريدة بين صانع أفلام وثائقية وشخصية من أفلامه. الشخصية هى رضا أو أبو إياد، ابن مخيم عين الحلوة الذى شاهدناه فى «عالم ليس لنا» حالما بالهرب من عالمه الضيق، ثم فى «زينوس» ضائعا فى شوارع اليونان، وأخيرا فى «رجل يعود» عائدا بخيبته وإدمانه المخدرات إلى المخيم. تجسيد مفزع لرحلة تعايش رضا مع رصدها أمام الكاميرا طيلة الوقت، مقدما لفليفل منجما لا ينضب للدراما: شخصية مثيرة فى حد ذاتها، تعيش حياة مليئة بالأحداث المثيرة للاهتمام، ترمز شئنا أم أبينا لما هو أكبر من حدود الفرد، وتتصرف أمام الكاميرا بانفتاح كامل يصل لتعاطى الحقن المخدرة. فى سياق آخر قد يكون صناعة ثلاثة أفلام عن شخص واحد إفلاسا، لكنه فى حالة مهدى ورضا استمرار لمأساة إغريقية ربما نشاهد مزيدا من فصولها فى المستقبل.

ذاكرة باللون الخاكى «سوريا»

أذكى ما فى وثائقى المخرج الفوز طنجور أنه لا ينخرط إطلاقا فى الصور المستهلكة عن الوضع السوري، لا يسلم نفسه لإغراء الابتزاز العاطفى وصور الجثث والأطفال المصابين والبيوت المهدمة، ولا يحاول أن يدّعى المعرفة اليقينية بما يحدث داخل سوريا، وإنما ما يقوم به هو رواية ما يعرفه وعاشه: الذى أدى لما يحدث فى سوريا. الفوز طنجور يشغل من ذاكرته وذاكرة شخصيات فيلمه لوحة لتبعات محاولة النظام أى نظام فرض اللون الواحد، وهو هنا كما يوضح العنوان اللون الخاكي، لون الملابس العسكرية الذى كان المخرج وجميع بنى جيله يجبرون على ارتدائها داخل المدارس، وعلى خوض حياة مصبوغة بالكامل باللون ذاته. لا مجال لتقييم رأى المخرج لأن الأهم هو الوسيلة التى صاغ بها هذا الرأي، فى عمل شعرى قبل أن يكون وثائقيا، يعيبه بعض التكرار خاصة فيما يتعلق بالحديث عن اللون الخاكي، إلا أنه يبقى واحدا من أكثر الأفلام التى تناولت الوضع السورى بلغة سينمائية حقيقية.

الببغاء «الأردن»

المشكلة الوحيدة فى هذا الفيلم القصير الممتع للمخرجين دارين ج. سلام وأمجد الرشيد هى أنه يمتلك داخله ما يسمح بأكثر من 18 دقيقة. بخفة ظل واضحة وتميز على مستوى تصميم الملابس والديكور يلعب النجمان هند صبرى وأشرف برهوم دورى زوجين من يهود تونس ينزحان فى 1948 إلى حيفا من أجل استلام منزل تركته أسرة فلسطينية مسيحية هربت من الغزو الصهيوني. من اللحظة الأولى تبدو محاولة تأسيس حياة جديدة تنسلخ فيها هذه الأسرة البسيطة من ماضيها وجنسيتها ولغتها محاولة فاشلة سلفا، يضاعف هذا الشعور ببغاء الناطق الذى يتركه أصحاب المنزل ليذكر سكانه الجدد أنهم مجرد ضيوف غير مرغوب فيهم. فى هذا الحيز الضيق ينجح المخرجان فى تقديم فيلم بديع العناصر ممتع للمشاهدة ذكى فى تناوله لقضية قتلت بحثا، غير أن سبب الانزعاج الوحيد يبقى كما قلنا هو الشعور بأن الحكاية كانت تسمح بما هو أكثر من موقف كوميدي، فلنأمل فى أن يتحمس المخرجان لصناعة النسخة الطويلة المشبعة من «الببغاء».

خلينا هكّا خير «تونس»

على العكس من «الببغاء» يأتى فيلم التونسى مهدى البرصاوى «خلينا هكّا خير» أو بالمصرية «خلينا كده أحسن» نموذجا للفيلم القصير المحكم المغلق على ذاته، حكاية بسيطة من بداية ووسط ونهاية أشبه بالقصة القصيرة التى لا يمكن أن تروى فى أكثر من 19 دقيقة هى زمن الفيلم، وربما يكون هذا هو ما رجح كفة الفيلم لينتزع المهر القصير فى منافسة قوية مع أعمال من بينها «صبمارين» مونيا عقل الذى شارك فى مسابقة الطلبة بمهرجان كان الأخير. بطولة «خلينا هكّا خير» يلعبها المخرج التونسى الكبير نورى بوزيد فى دور طفل كبير، عجوز يتلاعب بأبنائه الذين أهملوه فعاقبهم بالتظاهر بالزهايمر، فلا يكشفه إلا حفيده الصغير، لتبدأ لعبة من الشد والجذب والمتاح والممنوع بين طفلين وإن كبر أحدهما الآخر بنصف قرن.

خارج الإطار أو ثورة حتى النصر «فلسطين»

قياسا على المحتوى الأرشيفى يعرض فيلم المخرج مهند يعقوبى مادة ثرية حقا عن تاريخ النضال التحررى الفلسطيني، مئات اللقطات النادرة التى لا توثق فقط «للسينما النضالية وتاريخ إحدى المجموعات السينمائية الثورية» كما يقول ملخص الفيلم، بل تعرض تاريخا اختلف سياقه بالكامل اليوم حتى صار معجم الكلمات المستخدمة فى المواد الأرشيفية مثيرا للدهشة بمعايير الحاضر. أما لو تجاوزنا القيمة التأريخية تظهر مشكلة «خارج الإطار أو ثورة حتى النصر»، وهى الاكتفاء برصد المرحلة التى انتهت عام 1982، دون التعليق أو الوضع فى سياق يمنح الفيلم ثقلا للحظة الراهنة. يمكن اعتبار المقارنات التى يعقدها الذهن تلقائيا بين المشاهد والمصطلحات المستخدمة آنذاك ونظيرها فى الوقت الحاضر دافعا مقبولا، إلا أن الأمر لا يتطور لأكثر من ذلك، ولا يحاول الإجابة عن أكثر الأسئلة إحراجا فيما يتعلق بمحتوى الفيلم الأرشيفي: إذا ما كان التاريخ النضالى بهذه الروعة، فلماذا وصلنا إذن لوضعنا الحالي؟!