محمود أبو زيد.. العطّار   بقلم: أسامة عبد الفتاح       سكان القاهرة وزوارها يعرفون جيدا أن من يعبر كوبرى الأزهر يشم روائح البخور والعطارة فوق منطقة الحسين الزاخرة

501

محمود أبو زيد.. العطّار

 

أسامة عبد الفتاح

بقلم:

أسامة عبد الفتاح

 

 

 

سكان القاهرة وزوارها يعرفون جيدا أن من يعبر كوبرى الأزهر يشم روائح البخور والعطارة فوق منطقة الحسين الزاخرة بمن يمارسون تلك التجارة، وكذلك أفلام السيناريست الكبير محمود أبو زيد (1941 – 2016)، والتى ما إن تجلس لتشاهدها حتى تكاد أن تشم روائح التوابل والأعشاب، لأن كاتبها عطّار شرقى أصيل، يصنع خلطاتها وتركيباتها الفريدة بعد أن يستخرجها من أعماق شوارع وحارات مصر.

أبو زيد، الذى غيّبه موت لن يستطيع تغييب أعماله الأحد ١١ ديسمبر الجاري، حارس أمين على التراث الشعبى المصرى فى العادات والتقاليد والمهن والمصطلحات، وشاهد وطنى مخلص على عصر من التحولات المصرية الكبرى، من الحلم القومى السعيد فى الخمسينات والستينات إلى كابوس نكسة ١٩٦٧، ومن الاقتصاد المركزى إلى فساد انفتاح منتصف السبعينات، والأخير خصص أبو زيد الجزء الرئيسى من مشروعه السينمائى لإدانته ورصد الظواهر السلبية التى أحاطت بتطبيقه ونتجت عنه.

2015-635821870708824190-882

هنا لا بد من التوقف عند تجربته مع المخرج على عبد الخالق، والتى تمثل عصب ذلك المشروع، وتُعد شهادة مهمة من نخبة الطبقة المتوسطة على تقلبات المجتمع المصرى فى الربع الأخير من القرن العشرين، وقد كانت شهادة شديدة الخصوصية اتسمت بسخرية مريرة ولاذعة ومسحة شعبوية منحتها الكثير من الجماهيرية التى انعكست فى نجاحها التجاري.

أبرز أفلام تلك التجربة بلا شك هو “العار” (١٩٨٢)، الذى كان تعبيرا بليغا عن أزمة الطبقة المتوسطة الأخلاقية فى مجتمع تبدلت أحواله وانقلب هرمه القيمي، فإما التعلق بالطفيليات الفاسدة التى طفت على سطح المجتمع والصعود معها إلى قمته المادية، أو التمسك بالمبادئ والأخلاقيات والهبوط معها إلى قاع الفقر والعوز. لم يكن الفيلم عن تجارة المخدرات – كما صنفه الكثيرون – بقدر ما كان عن الشروخ التى أصابت النخبة تحت وطأة الغزو السوقي.

تحول الفيلم إلى عمل كلاسيكى بارز فى تاريخ السينما المصرية، لكن ذلك لا يمنع بعض المآخذ عليه وعلى مشروع أبو زيد / عبد الخالق كله، وأهمها الإصرار على تحويله إلى مشروع ديني، يدعو إلى العودة إلى الله والالتزام بأحكام الدين.. صحيح أن الدعوة كانت إلى الإسلام “المصري” الوسطى المستنير، وليس إلى التشدد والتطرف، لكن التفسير الدينى وحده ليس كافيا لتبرير الخلل الاجتماعى والتراجع الاقتصادي، ولا يصلح للإجابة عن سؤال مثل: “لماذا تتقدم بعض المجتمعات الغربية – والشرقية أيضا – رغم أنها بعيدة كل البعد عن الله؟”.

تجربته مع على عبد الخالق تمثل عصب مشروعه وتُعد شهادة مهمة من نخبة الطبقة المتوسطة على تقلبات المجتمع المصرى فى أواخر القرن العشرين

ولتأكيد هذا الاتجاه، جاء إصرار الثنائى أبو زيد / عبد الخالق على إنهاء “العار”، والعديد من أفلامهما الأخرى، بآيات قرآنية يتلوها راو، وهو حل غير درامى على الإطلاق ويمثل وعظا مباشرا ليس مكانه شاشة السينما بل المساجد، فضلا عن أنه – على المستوى الفنى – يقصر مشاهدة وقراءة الفيلم على اتجاه “إجباري” واحد، ويضع سقفا لخيال وتحليلات المتفرج فى عملية التلقى ذاتها.

ولأن محمود أبو زيد عطّار ماهر كما اتفقنا، فهو يصنع خلطاته وتركيباته السينمائية بمقادير محددة، ويضيف عناصرها بحساب دقيق، يصل – وهذا مما آخذه على مشروعه – إلى حد البناء الهندسى السيمتري، الذى يعيبه، فضلا عن كونه مباشرا مثل الوعظ، أنه مُتَوَقع ومكشوف للمتلقي، ولا يتيح الفرصة لإدهاشه أو مفاجأته بحل درامى من الصعب أن يتوقعه.. وأوضح مثال على ذلك نجده فى فيلم “جرى الوحوش” (1987)، حيث تمثل شخصية “عبد القوي” القوة، و”أبو الدهب” المال، و”الدكتور نبيه” نباهة العلم، و”عبد الحكيم” الحكمة – وهو الذى يختبئ وراءه المؤلف ليقول ما يشاء بشكل مباشر. والمشكلة أن كلا منهم يظل أحاديا كما هو من البداية إلى النهاية، دون أى تغيير أو تحوّل من شأنه إثراء الدراما أكثر.

إذا كان الأمر كذلك، ما الذى يجعل تلك الأفلام جماهيرية وناجحة؟ وماذا يعطيها سحرها الخاص وأهميتها الفنية؟ الإجابة: الصدق والعفوية، والروح الشعبية الأصيلة، والحوار المتقن إلى أبعد الدرجات والمستويات.. أما الأهمية النقدية فتكمن فى الرصد الأمين للتحولات الاجتماعية التى أشرت إليها، وللشروخ التى أصابت الطبقة المتوسطة كما ذكرت أيضا، وتفجير العديد من القضايا المهمة مثل انتشار المخدرات وفساد الذوق العام (الكيف – 1985) وتجارة الأعضاء البشرية «جرى الوحوش»، ومحاربة الخرافات والغيبيات (البيضة والحجر – 1989 وعتبة الستات – 1995).