الموت والجنس وفلسفة الخلاص   بقلم : إسراء إمام   يقول لويس بونويل فى مذكراته «ثمة رعب تربينا عليه فى الكاثوليكية إزاء الجنس، فالقديس توما على سبيل المثال، يعتقد أن

screen-shot-2016-05-12-at-3-36-33-pm

الموت والجنس وفلسفة الخلاص

 

بقلم :

إسراء إمام

 

يقول لويس بونويل فى مذكراته «ثمة رعب تربينا عليه فى الكاثوليكية إزاء الجنس، فالقديس توما على سبيل المثال، يعتقد أن الممارسة الجنسية بين الزوج والزوجة عبارة عن خطيئة مُغتَفرَة. ولذا فإن هذا المنع الخالى من الرحمة، والذى يخلق الإحساس بالخطيئة، يصبح أمرا ممتعا، وهذا ما حصل بالنسبة إلي لأعوام عديدة. ولأسباب لم أدركها، كنت أجد دائما فى الفعل الجنسى شيئا من التشابه مع الموت….علاقة غامضة، لكنها دائمة. حتى أننى حاولت أن أنقل هذا الإحساس غير القابل للتفسير إلى صورة فى فيلم كلب أندلسى، فعندما كان الرجل يداعب ثديي المرأة العاريين، كان يتخذ فجأة وجه إنسان ميت».

وفى فيلم death proof للمخرج كوينتين تارينتينو إنتاج 2007، يستنتج الضابط، بعد التحقيق فى ملابسات حادثة تصادم بين سيارتين، أن البطل قتل بنات السيارة المقابلة لسيارته عمدا، هشم عظامهن بسيارته المضادة للموت، وخلف وراءه عددا مهما من الأدلة، يؤكد أنه لم يكن مترصدا بهن. وحينما سأله مساعده عن سبب إقدام البطل على فعلة كهذه، وخصوصا وهو لا يعرف المقتولات، ولا تربطه بهن صلة. جاوبه بأن الموضوع متعلق بالجنس، ووصف له شكل صدمة البطل لسيارة البنات، وهى مدفوعة بسرعة جنونية فى الاتجاه المعاكس، لترتطم بهن بعنف، وتفتفت أجسادهن. ومن هنا ندرك أن كل ذلك يوازي ولوجا عنيفا لرجل فحل داخل جسد امرأة ضعيفة، لم تحتمل تجبره الجنسى، لدرجة مزعتها عن بعضها. أى أن حرمان هذا العجوز من مضاجعة البنات، جعله يراهن محرمات، فلجأ لحيلة قتلهن ليطالهن موتا.

 الجنس موتا

الموت والجنس قد يكونان لمعظم الناس نقيضان، ولكنهما فى الحقيقة رفقة، الوجهان المتقابلان للعملة الواحدة. فالذي يهاب الموت، لا يعي المتعة الأصيلة للجنس، على الرغم من أنه قد يكون وبشهادة حفنة من السيدات، رجل سرير من الطراز الأول، إلا أنه فى دخيلة نفسه، لا يفقه من الجنس سوى القشرة، لم يختبر روحانيته، بينما اكتفى بشكلياته.

ومن يهب الموت انتظاره، يجد فيه شهوة الجنس، يتطلع من خلاله إلى السر الذي لم ولن يكشفه واحدا للآخر، بينما يقف على الفرد ونفسه، اللذة الخاصة بكل منا على حدة، والتي قد يحيا عمره كله جاهلا أنها بداخله، لا يقربها ولا يفجر نقطتها الكامنة فيه.

نشوة الخلاص الحقة، لها طريقان، الجنس والموت، من مارس جنسا لم يَخلَص فيه بنفسه فهو لم يضاجع أبدا بروحه، ومن يخشى الموت زاعما أنه سيسلبه حياته، فهو لم يستمتع أبدا بالجنس، حتى وإن مارسه ملايين المرات.

الذي سيبلغه الموت، هو ذاته الذي يرنو إليه الجنس فى كل مرة، المساحة الغامضة ما بين الواقع والخرافة، القابل للتصديق والعصي على المنطق.

الموت والجنس هما الحياة الثانية، التى يقطع كل منا مسافات ليطأها بطرف أصابعه، حتى وإن فعلها بلا وعيه.

الموت جنسا

فى بداية الألفية الثانية، انتشر ما يسمى بـ«لعبة الموت»، فكان الحفنة من الشباب يتفقون بكامل إرادتهم على اختبار الموت لفترة وجيزة، يشنق كل منهم الآخر إلى الرمق قبل الأخير، فلا يلبث حيا ولا يموت بالكامل، وإنما يذق نشوة الموت. ويحكى البعض ممن نجوا عن هذه النشوة، ويسمونها بالمفعول الهيرويني، أى السعادة التي لن يجد صاحبها من بعدها سقفا أعلى للفرحة، حتى وهو غير واع بها بالكامل.

الكثير منهم مات في سبيل بلوغ هذه النقطة، نقطة الغياب التي يمنحها الموت، النقطة ذاتها التي يهبها لك الجنس إن عرفته حق المعرفة، وأديته لتستزيد، لا لتُشبَع.

وفى فيلم «indignation» إنتاج عام 2016 ، يقول «ماركوس» البطل متحدثا عن الموت «لطالما تفكرت فى ماهية الموت، ولكننى كنت على يقين أنه يحدث بناء على مسببات بعينها، حوادث تقود كل منها الأخرى للحظة مفارقة الحياة، ولا دخل أبدا لأى شخص بالتحكم فيها. لذا تساءلت دوما، ما النقطة الأولى التى قادتنى أنا إلى طريق الموت؟»

وفى مرحلة متقدمة من دراما الفيلم، نجده أكثر تحديدا حول اختياره لهذه النقطة، حيث يبلغنا أنها تلك الأمسية التى شاهد فيها ساق «أوليفيا هوتون» تهتز، إنها تلك الأمسية التى عصفت بروحه وبدنه ودفعته لكى يواعد بطلة الفيلم، الفتاة المضطربة نفسيا، غريبة الأطوار، والتى كانت تمنحه فى لقاءاتهما دزينة من النشوات الجنسية التى يتوقها، ويلفظها فى آن، يشتهيها ويتعذب بها فى ذات الوقت.

وفقا لما أشار إليه البطل، فإن رقبته عَجَلَت بحبل مشنقتها حينما تضفرت روحه بأعصاب جسده، وانعقدت فى ذيل فستان «أوليفا» المحطمة، فارتبط قدره بها مغيرا مساره المشرق الذى توقعه لنفسه، ومن ثم ألقى به فى طريق حتفه.

وقد اختار سيناريو الفيلم القائم عن رواية لـ«فيليب روث» أن يبدأ متردافات تعلق «ماركوس» بـ«أوليفيا» من مسلك جنسى مثير للالتفات، لا يشبه العلاقة الجنسية المعتادة، وإنما كأنه يصورهما وحدهما فى منطقة جنسية خاصة بهما دون الآخرين.

نعم، متلازمة الموت والجنس مجددا، فالبطل لم يكن ناقما على «أوليفيا» وهو يخبرنا أنها الطبق الذهبى الذى قُدِم فيه على طاولة الموت، بل كان مطمئنا، مستكينا، فـ«أوليفيا» التى قد يراها البعض قد قضت على حياة شاب يافع، مستنفذة إياه حول حالتها غير المألوفة، بدلا من نذر نفسه لدراسته فى جامعة أحلامه، هى ذاتها الفتاة التى حررت روحه، وجعلته يدرك أنه لا يشبه العالم من حوله، أطلقت غضبه وتمرده، ودفعته لأن يغادر مبكرا، متلاشيا المزيد من العذاب.

فيقول بكلمات مهدهدة، ومن مكان ما لا يعلم عنه الأحياء شيئا «دوما أناجى أوليفيا، أخبرها أن كل شىء على ما يرام، مهما يكن، فهو على ما يرام، أخبرها أن ثمة من أحبها».

آخر كلمتين:

– موتنا يولد مع حياتنا، ويطل علينا فى أوقات خاصة جدا من ممارستنا الجنسية، لحظات نورانية، نموت فيها جنسا لتستولدنا الحياة من جديد.