العالم يقرأ الرسائل الغرامية للرئيس “ميتيران” حرض على نبذ الكتابة ووصفها بخليط من الزهد والمازوشية  ليس لدينا أى مجال للشك بأنه كان أيضا كاتبا عظيما يملك شغفا للكلمة    

88777

 العالم يقرأ الرسائل الغرامية للرئيس “ميتيران”

  • حرض على نبذ الكتابة ووصفها بخليط من الزهد والمازوشية
  •  ليس لدينا أى مجال للشك بأنه كان أيضا كاتبا عظيما يملك شغفا للكلمة

 

 

 

صدر فى أكتوبر الماضى كتاب (رسائل إلى آن، 1962 – 1995) عن دار النشر الفرنسية “جاليمار” ويضم أكثر من ألف ومائتى رسالة، كتبها السياسى الفرنسى الشهير “فرانسوا ميتيران”، رئيس الجمهورية الفرنسية لفترتين متتاليتين (1981-1995), وقد كتب هذه الرسائل على مدى ثلاثة وثلاثين سنة، لحبيبته السرية “آن بنجو” والدة ابنتهما “مازارين”, وكانت قصة حبهما الملتهبة قد بدأت عندما كان “ميتيران” عضوا فى مجلس الشيوخ، ووزيرا سابقا، متزوجا بـ“دانيال ميتيران”، ولهما ولدان، وكان فى السادسة والأربعين من عمره، أما “آن” إبنة العائلة البرجوازية المرموقة، والمولعة بالفنون الجميلة، فكانت فى التاسعة عشر.

 

ترجمة :

أسماء مصطفى كمال

 

التقى “ميتيران” بـ”آن” فى منزل والديه بـ “هوسيجور” وبعد رحلة مشتركة لهما إلى امستردام عام 1964 توطدت العلاقة السرية بينهما، وانتقلت إلى الحميمية، حتى صعد نجمه السياسى وصار رئيسا للدولة، وقد اكتشفت الصحافة الفرنسية فى وقت لاحق تلك الحياة السرية للرئيس، ولكنها تكتمت، بذريعة احترام خصوصيات المسئولين السياسيين، وفى عام 1994 ظهرت هذه الحياة إلى العلن، بعد أن نشرت مجلة “بارى ماتش” صورة للرئيس وهو برفقة ابنته “مازارين”.

و”آن بنجو” هى ابنة المهندس والصناعى “بيير بنجو” ابن المخترع “هنرى بنجو”، ووالدتها “تيريز” حفيدة “بول دى شيسول” ابن المارشال ”إيميل فويال” أى أنها فى الخلفية تكون ابنة ذلك المارشال الفرنسى بطل الحرب العالمية الأولى، وقد ساعدها فرانسوا ميتيران على القدوم إلى باريس لدراسة الفن، وعملت لاحقا فى متحف اللوفر كمسئولة لقسم النحت، وشاركت فى مشروع متحف أورساى عام 1973 كشركة متخصصة فى النحت، ولها العديد من الأعمال الفنية، كما شاركت فى تنظيم معرض كبير لمنحوتات القرن التاسع عشر فى القصر الكبير عام 1986. وكان ميتيران “الرئيس” يزورها كثيرا خلال مشروع اللوفر الكبير، وفى عام 2001 تم تعيينها عضوا فى لجنة الأعمال التاريخية والعلمية فى قسم علم الآثار وتاريخ الحضارات فى العصور الوسطى، وفى عام 2008 تقاعدت بناء على رغبتها, وتقوم حاليا بالتدريس فى مدرسة متحف اللوفر. أما ابنتهما مازارين فقد ولدت فى 18 ديسمبر عام 1974.

وقد كان أول ظهور للحبيبة “آن بنجو” فى العلن يوم دفن الرئيس، إلى جانب أرملته الرسمية “دانيال ميتيران” وترجح الصحافة الفرنسية أن وفاة الزوجة عام 2011 هو ما رفع الحرج عن “آن” لاتخاذ قرار نشر هذه الرسائل، وقد صرح “أوبير فيدرين” وزير الخارجية الفرنسى الأسبق، ومدير مؤسسة “فرانسوا ميتيران”، والتى تشارك “مازارين ميتيران” فى مجلس إدارتها, بأنه اقترح على “آن” نشر هذه الرسائل، لأنها تكشف عن جانب غامض من شخصية ميتيران، لا يعرفه أحد، يختلف كثيرا عن حياة السياسى اللامع والقوى. وقد سلمت “آن” لدار “جاليمار” بالإضافة لتلك الرسائل, كتاب مذكرات “فرانسوا ميتيران”، وهو مليء بالرسومات وينشر بعنوان “مذكرات إلى آن، 1964 – 1970)

وكانت الرسالة الأولى التى أرسلها ميتيران لحبيبته مؤرخة بـ 19 أكتوبر 1962 والتى توالى بعدها سيل عظيم من الرسائل كان آخرها فى عام 1995 عندما كان “ميتيران”، يستعد لمغادرة قصر الإليزيه، بعد انتهاء فترتى ولايته كرئيس للدولة.

وقد اهتمت الصحافة الفرنسية بحكاية “ميتيران” العاشق، والتى تلائم الذوق والمخيلة الفرنسية، واهتمت بالكاتب الذى كانت له عدة مؤلفات، ولكن الصحفى والكاتب “فرانز أوليفير جيسبير” كشف عن موقف “ميتيران” من الكتابة، والذى يتناقض كثيرا مع موهبته. و”فرانز” هو فرنسى امريكى، يعمل كصحفى ومذيع وروائى، حاصل على عدة جوائز أدبية فرنسية،، وقد ارتبط بعلاقة صداقة مع فرانسوا ميتيران وأجرى معه العديد من الحوارات، كما كان له كتاب صدر عام 1977 بعنوان”فرانسوا ميتيران أو إغواء التاريخ” وفى عام 1991 صدر له كتاب بعنوان: “الرئيس” عن “فرانسوا ميتيران”، ثم فى عام 1996 كان له كتاب آخر بعنوان” فرانسوا ميتيران، حياة” وقد كان “فرانز” على ما يبدو صحفيا مشاغبا، حتى أنه قد أغضب صديقه “ميتيران”، ومن بعده “جاك شيراك”، و “نيكولا ساركوزى”، والذين طالبوا مجازيا برأسه، وقد كتب “فرانز” مؤخرا مقالا فى المجلة الأدبية الفرنسية” كشف فيه عن علاقة “ميتيران” بالكتابة، ورؤيته القاتمة لمهنة الكتابة، والتى تفسر ابتعاده عنها، بل انه كان يحرض بعض الكتاب من أصدقائه على تركها، باعتبارها عزلة، للانطلاق نحو الحياة السياسية.

 

العشق المجنون لـ”ميتيران”

بقلم:”فرانز أوليفيى جيسبير” المجلة الأدبية الفرنسية. ديسمبر 2016

“ميتيران” هو عاشق مجنون كما يعلم الجميع، لكن بعد قراءة كتاب “رسائل إلى آن” لا يتبقى لدينا أى مجال للشك بأنه كان أيضا كاتبا عظيما يملك شغفا للكلمة.

كتابه الأفضل على الإطلاق “القش والحبوب”، لم يكن تحفته كما أخبرنا، بل كان بحثا قاسيا بصياغات جيدة مكتوبا بالحبر الأرجوانى ومغلفا بأسلوب الجمهورية الفرنسية الثالثة، كتلك الأعمال التى يكتبها السياسيون فقط ليثبتوا أنهم يجيدون الكتابة، مثل “سولى برودوم” فى أحسن الأحوال.

لطالما احتفى متملقو “ميتيران” طوال مسيرته بذلك البعد الأدبى لبطلهم، وكادوا أن يجعلوا منه كاتبا “مجهولا” على شاكلة “تشرشل” الذى استحق بالفعل أن ينال جائزة نوبل للآداب.

نجد صعوبة كبيرة فى تصديق أن تمجيد “ميتيران” لواجباته، وكونه غير مولع بمهنة الكاتب، كما صرح مرارا، منعاه حتى من محاولة كتابة عمل يستحق حمل اسمه، فحتى كتاب “الانقلاب العسكرى الدائم” والذى يعتبر من أفضل أعماله كان مجرد معارضة مبالغ فيها للديجولية بشكل مثيرة للسخرية.

حاول “ميتيران” أكثر من مرة، كما فعل كثيرون غيره، إقناعى بترك مجال الصحافة من أجل خوض غمار السياسة، وكان أن عرض على دائرة انتخابية مغرية و “مضمونة المكسب”، قال وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة فارس: “سترى، ستتسلى جيدا”

أجبته معترضا: “سأكون سياسيا بغيضا، دعك من الأمر فهو سخيف، وعلى كل حال فقدرى منذ الطفولة هو أن أصير كاتبا”

“كاتبا؟ لكن ألا تفكر فى الأمر! إنها مهنة خطرة، خليط من الزهد والمازوشية، نمر بجانب الأشياء ثم نكتفى بالجلوس وحيدين فى المكتب بنعل فى القدمين لنصنع المرارة، إذا كنا نريد حياة جيدة فعلينا البقاء فى الحياة”

 

مرجع للمستقبل

تلك كانت نظرته للكاتب، كائن ليس بوسعه أن يكون مبتهجا ومولعا بالمغامرات والآفاق الرحبة، مثل هوجو، جاك لندن، جورج صاند، تولستوي، مارك توين أو همنجواي، بل شخصا بخيلا ومنعزلا مثل رينييه أو شاردون، ليموت على نار هادئة كفاكهة جافة على طاولة عمله.

لكن عند قرأة كتاب “رسائل إلى آن” لا يسعنا إلى أن نرفع قبعتنا ونحنى رأسنا للقديس والكاتب العظيم “فرنسوا ميتيران”، فهنالك اللغة، الحماسة، والتوهج، ما يجعل من هذا الكتاب واحدا من أهم كتب الحب خلال العقد الأخير، وأحيط كل الباريسيين علما أنه سيكون مرجعا للمستقبل.

المحبط هو أن “ميتيران” السياسى عمل مطولا من أجل الأجيال القادمة، بينما لم يسع “ميتيران” الكاتب لأى شىء.

لكن الآن وبعد أن سيطر السياسى لأربعة عشرة سنة مكنت اليسار من السلطة، ربما ينتهى به المطاف أخيرا للاختفاء لصالح الكاتب الذى احتفى بالعشق المجنون كما لم يفعل أحد من قبل.

تلك عظمة الأدب عندما تكتب ما لا يرى ولا يسمع.

 مقتطف من الكتاب

(1)

“آن، من بين الأسباب التى تمنح لحياتى معنى جديدا، وفى الوقت ذاته الذى يكبر فيه انسجامنا ويتعمق، هنالك سبب بسيط جدا وغير صاخب، وهو مهم أكثر مما نعتقد: هل حاجتى لأن أخبرك بكل أفكارى وأفعالى ليست مبررا لأذهب إليك فى أى وقت. عندما أقول أنه معك تستيقظ مشاعر لم أعرفها من قبل (وهنا، تميلين إلى اعتبار كلماتى “محارا”) فإن هذا الجانب من محبتى يفسر إعلاني: لأول مرة، أننى أغادرني.

لو تعرفين كيف تعلمت أن أحتفظ لنفسى بأحلامى، طموحاتى، وآلامى! مقتحما بشكل مبكر أوساطا لا مبالية أو قاسية، كان على أن أبنى قوتى على قسوة داخلية بحيث لا شىء يستطيع كسرها، التعبير عما أحمل من مسلمات كان يبدو لى اعترافا بالضعف. وشيئا فشيئا كبرت بداخلى متاهة من الرفض، فى خضم الرغبات والاهتمامات. أخفيت حقيقتى خلف جدار عال وسميك بحيث عندما أحببت، أو بالأحرى عندما استسلمت للاعتراف بالحب، تلاشت تلك العقبة التى جعلتنى أنعزل لوقت طويل وأنغلق على نفسى فى العزلة حيث لم أهنأ بالسعادة أو الهدوء، ولم تعد مطلقا لزيارتي. معك أتغير، أتواصل، أنفتح، كأننى أُوهب نفسى.

أجل، أحتاجك بشدة، حبيبتى آن.

أجل، أنا سعيد عبرك. ولم يتبق لى سوى رغبة واحدة: منحك مقابل ما أتلقاه. أن أقدم شيئا لك.

(الاثنين ١٣ ابريل ١٩٦٤)

(2)

حبيبتى آن

حسنا، ها قد حصل، بعد تفكير طويل، وتردد طويل، أصبح الآن الحمل الثقيل واقعا محققا: علمت هذا المساء، فى الساعة السادسة، وفى نهاية المؤتمر الصحفى للجنرال ديجول، أنه تم ترشيحى لرئاسة الجمهورية. لحظات مساء الأمس وهذا الصباح كانت عظيمة، أحيانا درامية، ديفير، موريس فور، موليه، وغيرهم كثير… الحزب الاشتراكى طلب منى ان اقود هذه المعركة… باختصار، أنا هنا. (…)

هل تعرفين أننى أفكر بك، وأنه من الرائع أن يكون هنالك حب آن – ميتيران؟ أعشقك آن، وأحمل بداخلى لهفة حضنك، شفتيك، محبتك، هدوءك. آن، حبيبتى آن، إلى الغد.

أحبك

(الخميس ٩ سبتمبر ١٩٦٥)