«القفزة» الحضارية والعدو الأكثر شراسة   بقلم : د. منى حلمى   كل القفزات تحتاج إلى جرأة. لولا جرأة الخيل للقفز فوق الحواجز، لما عرفنا تاريخ الفرسان. لولا جرأة قفزات

88444

«القفزة» الحضارية والعدو الأكثر شراسة

 

بقلم :

د. منى حلمى

 

كل القفزات تحتاج إلى جرأة. لولا جرأة الخيل للقفز فوق الحواجز، لما عرفنا تاريخ الفرسان. لولا جرأة قفزات الأمواج، لما كان البحر. ولولا جرأة القلوب للقفز فوق السحاب، لما سقطت أمطار الحب.

لولا جرأة الإيقاع، لما دُونت قفزات الِشعر، لولا جرأة التأمل، لما قفزت البشرية إلى ثمارها العالية، من الاكتشاف، والمعرفة، والإبداع. لولا جرأة التخيل، لبقيت الحياة فى خصام، مع التقدم والارتقاء.

لا أعتقد أننى واهمة، أو مبالغة، لو قلت إن مجتمعاتنا على عتبة «قفزة» حضارية. كلنا ننتظر «قفزة»، تغير من عقولنا وعواطفنا، وشكل ومعنى الحياة من حولنا.

كلنا على اختلافنا، وأيا كانت مواقعنا، نشتاق إلى أن «نقفز» فوق أى حاجز. لا يهم عدد الحواجز. مجرد حاجز واحد يمكنه أن يدخل الهواء النقى إلى صدورنا، ويعيد ثقتنا بأنفسنا. حاجز واحد فقط، يمكنه أن يحقن شريان الحياة بقطرة من دم الفروسية المنقرض. لا يهم أى حاجز، نقفز، وأين يكون ذلك الحاجز، ومدى ارتفاعه. المهم أن تحدث «القفزة» ذاتها. منْ «يقفز» مرة، يمكنه أن «يقفز» مرة ثانية. ومنْ يقفز مرة ثانية، يستطيع أن «يقفز» مرة ثالثة. الفكرة كلها هى أن تتولد إرادة «القفز»، التى تفجر «الجرأة» الضرورية لجميع القفزات.

تحتاج مجتمعاتنا، خاصة الآن، إلى «تنويعات» متعددة على لحن الجرأة. و«الجرأة» الضرورية لإحداث القفزات، هى القدرة على كسر الخوف. «القفزة» الفكرية، أو «القفزة» العاطفية، أو «القفزة» الحضارية، كلها لا تبدأ ولا تنطلق، إلا بمواجهة المخاوف، كانت المخاوف لا تزال، وسوف تظل، هى العدو الأكثر شراسة للانسان.

نستطيع أن نكتب تاريخ الشعوب، بالتعرف على المخاوف المهزومة. نستطيع أن نتابع، التقدم فى حياة النساء والرجال، بمتابعة المخاوف التى استطاعوا القضاء عليها.

وفى مجتمعاتنا، يحتل «الخوف» مكانا كبيرا على خريطة وجودنا، وأحلامنا، وحركتنا، ولهذا السبب فإن وجودنا متعثر، وأحلامنا مجهضة، وحركتنا مكبلة.

فى مجتمعاتنا، نخاف من المجهول، نخاف المغامرة، نخاف المخاطرة، نخاف الجديد، نخاف نفرح، نخاف نضحك، نخاف الوحدة، نخاف الزمن، نخاف أن نحب، وأن تعشق، نخاف الله، نخاف من الفشل، نخاف الاختلاف، نخاف من النقد، نخاف من رواية تكشف علاقاتنا المزيفة، نخاف من قصيدة تفضح أخلاقنا الهشة، نخاف من امرأة لا تغطى شَعرها، نخاف من رجل لا يسبح بحمد الدولة الذكورية، نخاف من طفلة لا تسمع الكلام، نخاف من طفل لا يريد حفظ القرآن وهو فى سن السابعة، نخاف كلام الناس.

وعند «الخوف من كلام الناس»، أريد التوقف. ربما أفهم، لماذا يخاف الناس، من المغامرة، ومن الوحدة، ومن الزمن؟ ولكننى لا أفهم، كيف يكون «كلام الناس»، أهم من كلام العقل أو كلام المنطق؟ لماذا وكيف يكون «كلام الناس» مانعا لأخذ القرار السليم، أو السلوك العادل، أو القول الحق، أو حتى مجرد الحلم بالتغيير؟

لماذا يهمنا «كلام الناس»، ولا يهمنا تحقيق رغباتنا؟ لماذا نعطى «كلام الناس» أولوية على راحتنا وسعادتنا وصدقنا وحريتنا؟ لماذا، وكيف تأتينا القدرة على إسكات ضمائرنا، ولا تأتينا القدرة على إسكات «كلام الناس»؟ والبعض يبالى بعقاب الناس، أكثر بكثير مما يبالى بـعقاب الله؟

لماذا، وكيف تؤرقنا «نظرة الناس» لنا، ولا تؤرقنا نظرتنا إلى أنفسنا؟ لماذا، وكيف، يشغلنا، احترام الناس لنا، ولا يشغلنا احترامنا لأنفسنا؟ يسعدنا «جدا» رضاء الناس، علينا. ولا يسعدنا أن نرضى أنفسنا ؟ «مقاييس الناس»، و«أحكام الناس»، نمشى وراءها بالحرف الواحد. أما المقاييس والأحكام، التى نؤمن بها، ندوسها بالأقدام. «صوت الناس» نرهف السمع له، نغنيه ونطرب لأنغامه، و«صوتنا» نخرسه ونكتم على أنفاسه.

كم من الأفكار التى يجب الإيمان بها، لكننا نحاربها خوفا من كلام الناس، كم من القصائد الجريئة، والأفلام المقتحمة، والروايات المتجاوزة، ترقد حبيسة النفوس، خوفا من كلام الناس، كم من علاقات الحب ماتت قبل أن تولد، خوفا من كلام الناس، كم من النساء، يرغبن فى تغيير حياتهن، لكنهن مستسلمات للإحباط، والخضوع، والتعاسة، خوفا من كلام الناس، كم من الرجال يشتاقون إلى كسر روتين الحياة، والانطلاق إلى آفاق جديدة، ولا يفعلون خوفا من كلام الناس، كم من «الفرح» ينقصنا، لأننا نخاف كلام الناس، كم من «الكرامة» نصدها، لأننا نخاف كلام الناس؟

ما استحق أن يُولد، منْ عاش يخاف كلام الناس. وتحكى صفحات التاريخ فى كل زمان، ومكان أن الذين غيروا الحياة الى الأجمل، والأعدل، والذين صنعوا الحضارات والإبداع، والذين يتمتعون بالصحة النفسية والجسدية، لم يلتفتوا الى كلام الناس.