نهاد صليحة.. الأيقونة   بقلم : شريف صالح     كرسى نهاد صليحة فى معهد النقد الفنى هو مسرح فى حد ذاته   تأتى وهى لا ترتدى تلك “التحجيبة” التقليدية

326

نهاد صليحة.. الأيقونة

 

بقلم :

شريف صالح

 

 

كرسى نهاد صليحة فى معهد النقد الفنى هو مسرح فى حد ذاته

 

تأتى وهى لا ترتدى تلك “التحجيبة” التقليدية ذائعة الصيت بين سيدات الطبقة الوسطى من الطبيبات ومدرسات الجامعة. كما تقص شعرها قصة قصيرة صبيانية متمردة نوعًا ما.

أيضًا لا ترتدى تلك المجوهرات البراقة غالية الثمن على الإطلاق، رغبة فى التباهي.. على عادة سيدات تلك الطبقة.. مكتفية بشيء فضى أو أحجار زرقاء بسيطة وإكسسوارات بلاستيك.

إطلالتها متمردة على حس الثراء الريفى المتباهى مدعى التمدن الذى غمر مدينة السبعينات.. أو ذلك الثراء العائد أيضًا من الخليج.

وأخبرتنى أنها سافرت للعمل فى إحدى الجامعات فى السعودية ولم تحتمل نسق الحياة هناك فطلبت فسخ عقدها والعودة فورًا وقالت إنها كانت مستعدة “تعمل مجنونة” كى تعود إلى مصر.

وبينما تجلس على الكرسى يمكن تأمل ملابسها الفضفاضة القطنية غالبًا.. ملابس شديدة البساطة.. فهى كمسرحية تعى تأثير الملابس السلطوى فأرادت تحييدها تمامًا.. فعليك كطالب يجلس أمامها أن تنشغل بما فى عقلها وليس بما ترتديه.

 

لا تفكر فى طبقتها ولا ثرائها ولا التمييزات الدينية المخبوءة فى طيات الملابس.

 

وغالبًا بعد أن تجلس قليلًا على الكرسى وترشف قهوتها ستشعر بالتململ فى الكرسى وتخلع حذاءها ثم تثنى رجلها تحتها جلستها المفضلة قبل أن تشعل سيجارتها.

وبذلك يمكننا أن نقول إنها قامت بعملية كسر الإيهام، أو كسر الصورة النمطية للأستاذ الجامعي، فهى أيضًا لا تريد أن تكون سلطة بحكم موقعها.. فملابسها وشخصيتها وطريقة جلوسها، لا تكرس عفويتها فقط بل تهدم نموذج السلطة أمام الطلاب.

ولا تنفصل طريقتها وهى تشرح عن الهيئة الممسرحة التى اختارتها لحضورها، فهى تتكلم بعفويتها كأى “بنت من شبرا” ومن المستحيل أن تتقعر بالمصطلحات الأجنبية رغم أنها خريجة آداب إنجليزى جامعة القاهرة ودرست الماجستير ثم الكتوراه فى جامعتى “ساسكس” و “إكستر” فى إنجلترا.

“خيارات” غريبة فى مجتمع يتسلط أفراده على بعضهم البعض بالملابس والحُلى وإتقان لغة أجنبية واعتلاء المناصب.. لكنها اختارت أن تكون “إنسانة” و”حرة”.. وعلى حد علمى هى الوحيدة فى مصر التى لا تضع لقب ألف دال أو “أستاذ دكتور” على كتبها.. فقط اسمها عاريًا من أى شيء.

هى الآن تجلس على كرسيها وتثنى رجلها وتدخن وتشرب القهوة وتشرح.. وأهم ما يميز شرحها أنها لا تتعامل مع طلابها على أنهم “أجولة” فارغة وعليها أن تملأها بالعلم النافع.. ففى العادة يحول الأستاذ الجامعى محاضرته إلى “خطاب طويل ورتيب” مونوفونى الصوت، أو خطاب طويل للتباهى بالذات. وفى كلا الحالتين يكرس سلطة عقيمة.

أما محاضرتها فأقرب إلى مختبر لطرح أفكار أساسية تبدأ النقاش حولها.. وقد تخرج بنا إلى أفق غير متوقع.. فقيمة التفاعل أهم من قيمة التلقين.. ومثلما تتكلم بانتباه وإيجاز تسمع طلابها بانتباه مماثل.

ولا تخجل أن تقول إنها ستبحث فى تلك النقطة وتخبرنا بما توصلت إليه فى المحاضرة القادمة.. ثم نراها آتية وبحوزتها عشرات الكتب من مكتبتها الخاصة لتوزيعها علينا مجانًا.

وهكذا يتعقد الموقف الدرامى رغم بساطتها البادية، لأنها فى كل تفصيلة تعلمنا أن مهنة الأستاذية جليلة لا تستحقرها ببيع كتبها أو ما يسمى “الملازم”.. بل غالبًا لا تقرر كتبها علينا وتفضل ترشيح كتب متنوعة.

بل لا تؤمن بفكرة “الامتحان” المقدسة ومسابقة اجترار المعلومات.. فطول العام تفتح أمامنا قوسًا لمتابعة عشرات العروض.. فى الجامعة والهناجر والمسرح القومى ومسرح الطليعة.. ثم فى النهاية سيكون الامتحان كتابة مقال عن أحدها. فالناقد المسرحى ليس ابن التنظير فحسب بل ابن الذائقة والخبرة والممارسة والقدرة على مواجهة وقراءة العروض.

طريقتها “سقراطية” قائمة على تلك العلاقة الحرة والمفتوحة مع طلابها.فهى تكون معنا فى المحاضرة وبمجرد أن نغادر الأكاديمية نلتقيها مرة أخرى فى العرض.. وهاتفها معنا لمناقشتها فى أى وقت. ومثلما تؤمن بكرامتها كأستاذة تؤمن بكرامة طلابها واستقلالهم فى التفكير.

وكرسى الأستاذية ليس صنمًا تكرس وقتها للقتال من أجل مزاياه، فهو ليس أكثر من فصل صغير فى مسرحية ثرية تعيشها كل يوم.. إنسانة مثل “النحلة” إن جاز التعبير صحفية وناقدة فى الأهرام ويكلي.. وأم.. وأخت..وابنة مهمومة بوالدتها حيث تهرول لرعايتها. ومن التدريس للعروض.. لمؤتمرات ومهرجانات.. ومن القاهرة إلى الفيوم.

وقد لا يعلم الكثيرون أنها مثلت أعمال شكسبير فى مدرسة شبرا الثانوية بنات.. وفى كلية الآداب أيضًا تأثرت بأستاذها رشاد رشدى وبرفيق دربها د.محمد عنانى والراحل سمير سرحان، وأيضًا وقفت على خشبة المسرح فلعبت دور “ديدمونة” أمام الكاتب والمسرحى محمد سلماوى فى دور “عطيل”. كما كان من زملائها على الخشبة المخرجة رباب حسين.

وعندما سافرت للدراسة ومرافقة زوجها فى إنجلترا عملت فى مكتب الطلاب السودانيين.. وفى البى بى سي.. إلى جانب دراستها ورعاية بيتها.. ومتابعة العروض المسرحية هنا وهناك.

كل تلك الطاقة الحيوية المدهشة و”الجدعنة” لأنها بنت من شبرا.. رأت مصر الجميلة فى شبرا.. ورأت نور الحياة على يد “روزا” القابلة اليونانية.. وأخذت الكثير من قيم “الخواجات” المصريين من سكان شبرا.. قبل أن يتلاشوا فى موجات الهجرة.. وبفضل أستاذتها “ليلى” فى المدرسة الثانوية ارتبطت بالمسرح واللغة الإنجليزية.

أى أنها خرجت من شبرا واعية بذاتها.. وأيضًا واعية بقيمة وثراء التنوع.. خليط من الأجناس والأديان والمذاهب والأعياد فى شبرا الزاهرة.

وطيلة ما يزيد على نصف قرن فى حب المسرح كانت بوصلتها دائمًا مساندة الشباب.. فمنذ الثمانينات تقريبًا ساندت الفرق الشبابية والمستقلة وتابعتها فى حوارى ونجوع مصر.. وعبر مقالاتها المنتظمة فى “الأهرام ويكلي” منذ ما يقرب من ثلاثين عامًا محققة حلمها القديم أن تصبح “صحفية” مثلما حلمت أن تصبح “ممثلة”.

وهاهو المسرح جمّع لها أحلامها كلها فى حالة واحدة، وأبقى روحها حالمة ومتوهجة.. فنهاد لا  تعترف بالسن وحكمة الشيخوخة.. شابة فى نشاطها وأفكارها.. تدخل الصالة ولا تتردد فى الجلوس وسط الشباب على الأرض.. تتفرج وتضحك وتصفق مثل طفلة.

انفعالاتها شفافة.. عندما تفكر يظهر أنها تفكر.. تنظر إلى أعلى وترمش بعينيها.. وتشرد قليلًا.. وتتردد فى اختيار التعبير الدقيق.. لأنها تريد أن تعبر عن نفسها لا أن تردد “كليشهات” أساتذة.

ودموعها أيضًا قريبة حينما تتذكر شيئًا هز مشاعرها. مثلما ضحكتها رنانة ولا تخلو من بحة خفيفة مشروخة.

وبرغم أن طابعها يبدو أقرب إلى الفوضى لكنها دقيقة جدًا فى استعمال أى مصطلح.. دقيقة جدًا فى مواعيدها.. ولو  حدث أن اتفقت معك على ميعاد فى الواحدة ظهرًا فهى تعنى الواحدة ظهرًا.. ولو تذكرت لأى سبب أنها أخطأت فى ترتيب مواعيدها تتصل فورًا وتعتذر.

وربما لأن الحياة فى مصر تعاند روحها المتمردة، وتجاوزها لأمراض السلطوية، مثلما تعاند انضباط مواعيدها، كان من الطبيعى أن تصطدم بكل هذا الإرث وأن تنفث غضبها فى دخان سجائرها وقهوتها القريبة من يدها دائمًا إلى درجة أنها كانت أحيانًا تطلبها وتنسى أن تشربها!

وكنت أنظر إلى رماد السيجارة الذابلة فى يدها وأشفق عليها من القهوة والسجائر وذلك التوتر الداخلى والغضب المخفى من سلوكيات حياتنا العشوائية.

ودائمًا هى بالنسبة لى المعلمة والصديقة الكبيرة و”الأم الروحية”.. أثق برأيها فى المسرح وفى الناس.. أثق بنزاهتها وعدالتها. وإن باعد قرار سفرى بينى وبينها سريعًا، لكنها ظلت “القامة” الفارقة فى مشوارى علميًا وإنسانيًا.

لأنها ببساطة كانت تحمل هم طلابها وتريد لهم أن يكونوا الأفضل.. وتدافع عنهم بشراسة إذا لزم الأمر.

لأنها نهاد صليحة.. أيقونة فى ذاتها.