حوار الفائز بجائزة نجيب محفوظ لعام 2016 من الجامعة الأمريكية بالقاهرة   عادل عصمت: لم أنتظر الجائزة ولم أكتب لها يوما   حوار : سامح فايز   وقال يوسف تادرس

9888

حوار الفائز بجائزة نجيب محفوظ لعام 2016

من الجامعة الأمريكية بالقاهرة

 

عادل عصمت: لم أنتظر الجائزة ولم أكتب لها يوما

 

حوار : سامح فايز

 

وقال يوسف تادرس بطل الرواية الفائزة بجائزة نجيب محفوظ للأدب 2016 للروائى والقاص عادل عصمت:« لا شىء أقوى من الحب، الرب يسامح فى المحبة» وفى مشهد آخر قال تادرس:«لا بد أن ينحاز الدين إلى السعادة»، ورغم دعوات المحبة والسعادة إلا أن المؤلف استطاع بحرفية الكاتب المتمرس أن يغوص بالقراء فى أوجاع يوسف تادرس والامه، مخاوفه التى لن يفلت منها من يقرأ الرواية، فتتسلل هذه المخاوف والأوجاع إلى النفوس وكأن كل قارئ هو يوسف تادرس قائما بذاته!

مجموعة من الحكايات تبدأ جميعها بنفس المفتتح “وقال يوسف تادرس” ثم يبدأ تادرس فى الحكي، لينجذب القارئ إلى حكايات تشبه تلك التى يرويها أصحاب السيرة الشعبية، هكذا أكد المؤلف حين سئل عن سر المفتتح قائلا:”أجبت عن هذا السؤال فى حوار صحفى سابق، أردت أن أكتب عن صديق لى، كان موهوبا فى الرسم والكتابة، وكان ينتظره مستقبل كبير، لكن ظروفه أخذته بعيدا. ولم أكن أستطيع أن أكتبها بضمير المتكلم، قد يظن القارئ أننى أحكى عن نفسي، حتى كان المفتتح «وقال يوسف تادرس»، بالضبط مثل حكايات السيرة: «يقول الراوى يا سادة يا كرام» والتى منحتنى الضميرين معا، ضمير المتكلم وضمير الغائب. حتى أستطيع أن أخاطب نفسي، وأخاطب الناس أيضا”.

9888

 

بداية السيرة

عادل عصمت روائى وقاص مصرى من مدينة طنطا، وُلد عام 1959، وتخرج فى كلية الآداب جامعة عين شمس قسم الفلسفة عام 1984 ثم حصل على ليسانس الآداب قسم المكتبات من جامعة طنطا عام 1996 ويعمل أخصائى مكتبات بالتربية والتعليم ويعيش حاليا فى الاسكندرية، صدر له روايات «هاجس موت» و«حياة مستقرة» و«الرجل العاري» و«أيام النوافذ الزرقاء». يجيب عن سؤال متكرر، لماذا فضلت الحياة فى طنطا عن القاهرة مثل معظم الأدباء والكتاب قائلا:”وماذا أستفيد من القاهرة؟!” ومضيفا:” كنت عضوا فى مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر منذ عام 2006 حتى 2011، وقسمت أيام الاسبوع داخل مقر الاتحاد بين ندوات عن القصة والرواية ونادى السينما، وعايشت حالة من الزخم الثقافى فى رحاب مدينة طنطا، أليس ذلك انخراط فى المشهد الثقافي، لماذا تحصرون الحياة الثقافية فى القاهرة فقط؟!”.

يحكى عادل عصمت أنه عمل بالصحافة بين عامى 1988 و 1989 فى جريدة الأهالي، ولم تستمر التجربة بضعة شهور ثم قرر العودة إلى طنطا، يقول عن ذلك:”كنت أحب الكتابة ولم تعجبهم طريقتى فى العمل، ربما لم تكن مناسبة لهم. لا أعرف حتى الآن لماذا حين كنت أجرى حوارا مع كتاب يرسلون زميلا آخر لإجراء نفس الحوار مع نفس الكاتب دون توضيح لأسباب الخلل إن وجد، فعدت من القاهرة إلى طنطا عام 1989 واشتريت سيارة “تاكسى” وفضلت العمل سائقا على العمل فى الصحافة” .

فقد رأى عادل عصمت أن العمل فى الصحافة كان سيقتل ملكة الإبداع لديه، يقول:”..نجيب محفوظ الكاتب الوحيد الذى لم يعمل فى الصحافة، ولم يتقرب يوما إلى السلطة، وعملى سائق تاكسى كان أقرب إلى تجربتى ككاتب، لأننى حين أغلق باب السيارة لا أفكر سوى فى هذه العوالم التى أكتبها”.

عادل أحمد عصمت عبد الوهاب

حين تقرأ الرواية دون معرفة سابقة بالمؤلف ستظن للوهلة الأولى أنها سيرة ذاتية لأحد الأقباط، يسرد أدق التفاصيل النفسية، حيوات هذا العالم. فبطل العمل «يوسف تادرس» مسيحى من طنطا، أحب الرسم، لكنه لم يستطع استكمال دراسته فى «فنون جميلة» بالاسكندرية، والتحق بكلية أخرى أهلته للعمل بالتدريس، ليسرد المؤلف من خلاله بحساسية مفرطة تفاصيل نظرة المجتمع المسلم إلى الآخر، خاصة حين بدأ العمل مدرسا، حيث يقول يوسف تادرس صــ110: ”لقد تعبت من النظرة التى ينظر بها الناس إلى عندما أنطق أسمي: ”يوسف تادرس”. ينظرون إلى كأننى غريب، حط من عالم آخر. يتفحصون وجهي، يختلسون النظر إلى معصمي، حتى يشاهدوا الصليب الأزرق بجانب الوريد، فإن لم يجدوه، يستمرون فى فحص كلامى ووجهي..” ويستكمل تادرس السرد فى صــ 111: ”الحس بأننى مسيحى بدأ يطاردنى فى كل مكان..” لكن مؤلف الرواية عادل عصمت ينهى ذلك الزعم قائلا:”لست مسيحيا، لكن فى النهاية جميعنا أقباط، فكما ذكرت على لسان البطل يوسف تادرس حين قال انه كان يظن ان اختلاف الدين ضرورة مثل اختلاف الاسم، لكنه اختلاف لا يعيق اتصال الناس”.

وينفى الكاتب تصورات البعض أن الرواية تسبر أغوار عالم اضطهاد الأقباط، وعن ذلك يقول:”الاضطهاد ليس موضوع الرواية، فقط كنت أقصد هذه الرحلة التى تتغلب بها روح المبدع على الظروف والضغوط والتقاليد وتخلق لنفسها مسارا داخل شخص بسيط، مجرد مدرس لغة انجليزية، يعيش فى مدينة بعيدة عن العاصمة. فكل الحوادث الشخصية مثل التمييز الدينى أو الفشل فى علاقات الحب، تم استخدامها داخل العمل كتفاصيل لرحلته وليست مقصودة لذاتها”.

هذه الدقة فى وصف مشاعر يوسف تادرس بطل الرواية القبطى دفعت الكاتب والروائى الكبير الراحل علاء الديب أن يقول فى مقال عن الرواية نشر بجريدة المصرى اليوم عام 2015:” لم أر أحدا من الكتاب الجدد استفاد وطور روح السرد الروائى عند نجيب محفوظ كما فعل كاتبنا فى هذه الرواية، دون تقليد أو أصالة ولكنه استطاع استحضار روح العلاقة الحميمة التى يقيمها محفوظ مع قارئه، وهو يغلق عليه عالم الرواية الجديد، قد يشعر القارئ أنه واحد من العائلة أو ساكن من سكان الزقاق”.

888777

وقال عادل عصمت عن نجيب محفوظ

“تعلمت الكثير من أحاديث نجيب محفوظ وطريقته فى التفكير والحياة، تقريبا أكثر مما تعلمت من إنتاجه الفني، وإن كنت قد تشبعت بأعماله وأجوائها منذ فترات الصبا المبكر”…

ما سبق مقطع من كلمة ألقاها عصمت وهو يتسلم الجائزة موضحا حجم علاقته بنجيب محفوظ رغم أنهما لم يتقابلا فى الحقيقة، ثم يستكمل عصمت كلمته فى حب نجيب محفوظ قائلا:”.. وأزعم أننى رأيته يستغرق فى التفكير لحظات ثم يقول: أتعلم ما الذى جعلنى أستمر ولا أيأس؟ لقد اعتبرت الفن حياة لا مهنة، فحينما تعتبره مهنة لا تستطيع إلا أن تشغل بالك بانتظار الثمرة…”.

هذه العبارة التى تخيل نجيب محفوظ يوجهها إليه كانت القانون الذى حكم حياة عادل عصمت لمدة ثلاثين عاما، حين قبل بوظيفة أمين مكتبة فى وزارة التربية والتعليم بمدينة طنطا، ورفض أن يستقر فى القاهرة لتصبح الكتابة سبيلا للرزق، وحين ترك مهنة الصحافة وقرر أن يشترى سيارة أجرة يعمل عليها حتى يوفر مصدرا للرزق بعيدا عن الكتابة.

وفى نهاية حواره يقول عصمت:”أشكر كل من قال ان الجائزة تأخرت كثيرا على عادل عصمت، لكن أعود وأقول لهم، إننى لم أنتظر الجائزة، ولم أكتب لها يوما، نعم أقدر جدا اقتران اسمى باسم نجيب محفوظ لأن جائزته ذات قيمة كبيرة، لكن الكتابة من أجل الجوائز كانت من أهم الأسباب التى خربت الأدب، من يحصل على الجائزة هو من يلتفت إليه الناس”.