حوار الفلسطينى “مازن معروف” الفائز بجائزة الملتقى للقصة القصيرة بالكويت عن مجموعته القصصية “نكات للمسلحين”   مازن معروف : توقفت أمام “خلوة الغلبان” لإبراهيم أصلان.. و المصريون هم الأكثر تجريبا

20160811082201

حوار الفلسطينى “مازن معروف” الفائز بجائزة الملتقى للقصة القصيرة بالكويت

عن مجموعته القصصية “نكات للمسلحين”

 

مازن معروف : توقفت أمام “خلوة الغلبان” لإبراهيم أصلان.. و المصريون هم الأكثر تجريبا اليوم

و الكتابة الإخبارية تقضم خيال الكُتاب

 

حصد الكاتب الفلسطيني مازن معروف جائزة الدورة الأولى لمتقى القصة القصيرة بالكويت عن مجموعته “نكات للمسلحين” بعد منافسصة مع أبرز كتاب القصة الفصيرة العرب “أنيس الرافعي” و “محمد رفيع” و “زياد خداش” و “لطفي الصراوي”

كان لـ “القاهرة” هذا الحوار مع “مازن معروف حول نكات للمٌسلحين و رحلته مع القصة القصيرة

و كيف يرى المشهد الثقافي في مصر حاليا

 

حوار : مُصطفى طاهر

 

  • من أين يأتى صوت الطفل فى أغلب قصص المجموعة؟

– الانزلاق إلى جُحر الطفل، لم يكن بالأمر السهل. ذلك الطفل النرجسى الذى فىّ. الذى يريد أن يثرثر طوال الوقت. أن يقول ما يشاء بلغة يومية، وبلا أية خلفية ايديولوجية طبعا. اعترف بأننى حتى هذه اللحظة، لم أخرج من جحره ذاك. لقد حاولت مرارا إلا أننى لم أتمكن من ذلك. الطفل المأزوم فيّ هو الذى يملى عليّ ما أكتبه. ذلك أسلوبه هو فى القص. أنا شخص مختلف تماما عنه. لست طفلا بالمرة. إننى بالغ. أتصرف وأعيش وأخاف على هذا الأساس. لا أخاف كطفل، بل كبالغ. وأكتشف الآن، وبعد كل تلك السنوات، أن الطفل الذى عاش سنواته الأولى خائفا من قذائف الحرب ورصاصها، لم ينزل إلى أى ملجأ، أو يحتمى فى كوريدور أو ينزوى وراء غسالة. لقد اختبأ ببساطة، ولا يزال مختبئ، فيّ. إننى كبالغ، ملجأه. وأخشى أن علاقتى بالعالم الخارجي تقوم على أساس رؤيته هو للأشياء. هذه أزمة حقيقية أعيشها يوميا. تضارب يفرض نفسه حتى على علاقاتي. الطفل ذلك يبدو كمن يلهو بي. كما لو أنه خيبة وأنا محض جهاز عصبي. لقد قرر أن يكافئ نفسه بالاستحواذ على حياتى كبالغ. وأنا لا أملك شيئا سوى الإقرار بهذه الهزيمة. إنها بأية حال، هزيمة من النوع الذى يجعلك سعيدا بها.

  • بمن تأثرت من كتاب القصة القصيرة، وهل هناك مجموعة قصصية عربية استوقفتك؟

– لا يمكننى الجزم بتأثرى بكاتب أو أكثر. أحيانا، نعيش أياما ونحن نفكر بعبارة واحدة. لقد قرأت قصصا عديدة. من ألف ليلة وليلة مثلا، إلى حكايات الهنود الحمر الشعبية وغيرها. وظللت أبحث فى القصة قراءةً، لما يزيد على سبع سنوات. قبل ذلك، لم تكن القصة تعنى لى شيئا. كنت أنظر إليها بوصفها فن المريبين. وأتحاشاها إلى أن استسلمت أمامها. أول قصة نشرتها كانت منذ سنة ونصف السنة فقط. نشرت مترجمة إلى الإنجليزية، ولم تخرج إلى القراء بالعربية إلى الآن. أنا أحب السينما أيضا والكوميكس. لكن المجموعة القصصية التى استوقفتنى لفترة من الزمن كانت “خلوة الغلبان” للكاتب الراحل ابراهيم أصلان. كنت آنذاك فى باريس. أذهب كل صباح إلى مكتبة فرنسا الوطنية لأقضى جل يومى بين القراءة والكتابة. وفى المترو، كنت ما إن أفتح هذا الكتاب، حتى يصبح المترو كما لو أنه انحرف بالزمن ليجول بى بين أحياء القاهرة. هكذا تعرفت إلى القاهرة لأول مرة ولم أكن قد زرتها بعد. كان هذا الكتاب، الصغير الحجم، برهانا على قوة الأدب الكفيل بانتزاعك من ظرفك الآني. تلك الفترة عندما هبطت القاهرة فى باريس، أتذكرها جيدا. تداخلت أحياء العاصمتين الكبيرتين ببعضهما. ووجدت نفسى تائها بين أصوات الناس القاهريين البسطاء، وحيواتهم الضاجة بالمفارقة، وأصوات الباريسيين. مثال على قوة السرد، فى حدود البساطة القصوى. لكنى أيضا تعرفت فيه على ما يمكن أن أسميه “الكاموفلاج” كتابة، أى تمويه شكلٍ سردى بآخر. وهذه قيمة جمالية أخرى. لقد عشت فى بيروت معظم سنوات حياتي، إلا أن القاهرة كانت بالنسبة لى النموذج الصوتى الأول الذى سيحيلنى إلى عوالم صوتية وبصرية آسرة وذات عمق إنسانى معقّد، يزداد توهجا كلما ازداد السرد بساطة.

s

s

  • أنت تقرأ أيضا بالإنجليزية، لكنك تكتب بالعربية.. كيف يؤثر هذا الأمر على أسلوبك ومخيلتك؟

– القراءة باللغة الإنجليزية تقترح عليّ احتمالات سردية مختلفة، وجماليات ومعالجات جديدة. إلا أنها تقترح عليّ كذلك أن أعيد النظر إلى مخيلتي. إلا أنها كذلك تجنبنى المرور بكل تلك الحمولة من التعابير والمواضيع البائتة التى تشكل لبنة بعض الأعمال الروائية المكتوبة بالعربية. وبالمناسبة، أنا مع تطعيم اللغة العربية، وهى لغة متأخرة اليوم علميا وتكنولوجيا ورقميا، بأرواح لغات أخرى. أما بالنسبة إلى المخيلة، فقد تمرّنت عليها طويلا. ذلك أن المخيلة تحتاج أيضا إلى تمرين. أن ترتفع بها شيئا فشيئا، أو تنط فوقها، بقفزات صغيرة، وتكون حريصا بحيث لا تدوس عليها بقدميك الثقيلتين بعد أن تكون أتممت قفزاتك. توفر لى المخيلة حلا، أمام الكتابة الإخبارية، كتابة القصص والحكايات التى يمكنك أن تعثر عليها فى الجريدة. هذه الكتابة الإخبارية تبدو مثل بكتيريا تقضم اليوم خيال عدد لا بأس به من الكتّاب.

  • كيف ترى المشهد الثقافى فى القاهرة اليوم؟

لا يمكننى الادعاء بمعرفتى بالمشهد الثقافى القاهرى جيدا، لكى أبدى رأيا ما، فيه. إلا أننى أشعر دوما – واسمح لى بأن أقول “أشعر” – بأن المصريين هم الأكثر تجريبا اليوم، وجرأة فى النهل من الواقع واللغة اليومية، وبالتالى كسر أظافر اللغة، بين مجايليهم من كتّاب الشرق الأوسط أسلوبا ومعالجة. هذا الأمر طبعا يدفع البعض منهم إلى الجنوح والخروج بأعمال أدبية تبدو بالنسبة لى غير مفهومة، إن كان على مستوى الجملة أو التراكيب والصيغ. إلا أنك أن تجرب خير من أن تتقهقر إلى الخيار الأسهل، وهو الاحتكام الى الأسلوب الكلاسيكي. عندما أتجول فى القاهرة، أشعر بأن بإمكانى أن أجد فيها كل ما فقدته بيروت. كل ما قرأته عن بيروت فى كتب ما سمى بـ”الحرب الأهلية”، ذلك المشهد الاجتماعى المتداخل والمتنافر فى أطرافه، شارع الصحافة مثلا وبسطات الكتب الممددة جنبا إلى جنب، وباللغتين العربية والإنجليزية، مع الملابس والمناديل والخبز، واحتمالات العيش والموت المطاطة، والتداخل العميق والمثير بين أطياف مهولة من الشخصيات المختلفة، وما يختزنه كل ذلك من حكايات. هذا ما يشكل العمق  الاجتماعى للمشهد الثقافى القاهري، أو خزانه الذى لا ينضب. لكنه أيضا يشكل عاكسا لخصوصية مصرية على المستوى الثقافي، لم تتأثر كثيرا أمام الأحداث العصيبة والإشكالية التى ألمت بها على مدى القرنين الأخيرين.

nawafez68

  • كيف تلقيت حيثيات فوزك بجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، عن مجموعتك القصصة “نكات للمسلحين»؟

– هذه الجائزة، التى أطلقها الأديب طالب الرفاعى بالتعاون مع الجامعة الأمريكية فى الكويت، أعادت النبض إلى فن القصة القصيرة، وتثبيته من جديد على خارطة الأدب العربي. لقد جاء إعلانها فى لحظة مفصلية جدا، لتخاطب بشكل أساسى كتّابا كانوا يشعرون بأنهم موتى سريريا أمام الرواية. أو هذا ما كنت أشعره به أنا نفسى على الأقل. أرى أن لها رمزية، تفوق رمزية فوزى بها، وهى أنها تعيد الاعتبار لفن كتابى يُعد من أصعب الفنون، وأكثرها تعقيدا، إذ لا مجال للخطأ فيه. كما أنه الفن الذى شكل نسيج أعمال مهمة مثل “كليلة ودمنة” و”ألف ليلة وليلة” و”دون كيخوته” وغيرها. ثمة كتّاب فى أوروبا وبريطانيا وأمريكا، قد يفوزون أحيانا بأكبر الجوائز الأدبية، عن مجموعة قصصية ما. جائزة الملتقى تقول ببساطة إن القصة القصيرة كيان إبداعى مختلف عن كيان الرواية وهو يستحق أن تُفتَحَ صفحتُه من جديد. عندما كتبت مجموعتى “نكات للمسلحين”، لم أكن أتوقع أن تكرّم بأى شكل من الأشكال، أو أن تنال جائزة. ثم أعلن عن جائزة الملتقى للقصة القصيرة وتقدمت إليها بتشجيع من ناشرى دار رياض الريس. وشرفنى أن أتنافس وكتّاب لهم شأنهم فى القصة القصيرة، كزياد خداش وأنيس الرافعى ومحمد رفيع ولطف الصراري. كذلك، فإن لجنة التحكيم التى رأسها الكاتب والناقد د. أحمد المدينى ضمت أسماء رفيعة على المستويين الكتابى والنقدي، وأنا اعتبر اختيارى كفائز هو انتصار لنوع من أنواع التجريب فى فن القصة القصيرة، التجريب الذى قد لا يستسيغه البعض فى الوقت الحاضر، وهذا أيضا مفهوم.