«مهرجان دبى السينمائى» ينحاز للشباب.. ويستثمر المستقبل! لم يعد يكتفى بدوره كمنصة لعرض الأفلام بل أصبح محطة لإطلاق المواهب العربية وتسليط الضوء على المبدعين.. والممول الأكبر لمشاريعهم السينمائية   بقلم:

5555

«مهرجان دبى السينمائى» ينحاز للشباب.. ويستثمر المستقبل!

  • لم يعد يكتفى بدوره كمنصة لعرض الأفلام بل أصبح محطة لإطلاق المواهب العربية وتسليط الضوء على المبدعين.. والممول الأكبر لمشاريعهم السينمائية

 

sora-magdy-el-tayb-45

بقلم:

مجدى الطيب

 

 

قراءة نتائج لجان التحكيم فى المهرجانات السينمائية المختلفة مهمة قد تبدو تقليدية من وجهة نظر القارئ، و«روتينية» بالنسبة للناقد، لكن الأمر المؤكد أنها ضرورية فى كل الأحوال؛ كونها كاشفة للكثير من النقاط والحقائق، ومن خلالها يمكننا أن نضع أيدينا على ملامح سينما، وتوجهات جيل، وآفاق مستقبل!

قال فلاسفة الفن: «قل لى ممن تتكون لجنة التحكيم أقول لك كيف ستكون نتائجها!»؛ فاللجنة ذات التوجهات اليسارية تنحاز إلى الأفلام «التقدمية»، واللجنة المحافظة تؤثر الأفلام «الكلاسيكية»، واللجنة التقليدية لا ترضى عن الأفلام «السائدة» بديلا. غير أن الحقيقة التى خرجنا بها من «مهرجان دبى السينمائى الدولي» فى دورته الثالثة عشرة (7 – 14 ديسمبر 2016) أن ثمة لجنة يمكن أن نصفها باللجنة «الاستشرافية» – إذا جاز التعبير – تسعى إلى استشراف المستقبل، ولا تبخل بجوائزها على «الطليعيين»؛ سواء على صعيد الأفلام أو مخرجيها أو أبطالها، وهو ما فعلته غالبية لجان التحكيم فى «مهرجان دبى السينمائى الدولي»، إن لم تكن جميعها؛ ففى لجنة تحكيم مسابقة «المهر الطويل»، التى ترأستها الكاتبة والمخرجة الألمانية أولريكى أوتينجر، وضمت فى عضويتها: الفنان الفلسطينى صالح بكري، الممثلة الإيرانية الأمريكية شهره آجداشلو، المخرجة الأوراسية الكندية المولودة فى اليابان؛ آن مارى فليمنج والمخرجة والمنتجة المصرية ماريان خوري، قدمت اللجنة جائزتها الخاصة، التى تساوى فى قيمتها جائزة أفضل فيلم للمخرجة اللبنانية إيليان الراهب صاحبة فيلم «ميّل يا غزيّل» (لبنان والإمارات العربية المتحدة/ 95 دقيقة) وهى مخرجة شابة أنجزت فيلمين قصيرين روائيين، وأكثر من فيلم غير روائي، وحصد فيلمها «هيدا لبنان» جائزة الامتياز فى مهرجان ياماجاتا، وهو مهرجان يابانى يحتفى بالأفلام التسجيلية والوثائقية، كما عُرض فيلمها غير الروائى «ليالٍ بلا نوم» (2012)، فى أكثر من 40 مهرجانا، وفاز بعدد غير قليل من الجوائز. وفى فيلمها غير الروائى «ميّل يا غزيّل» انتقلت بالكاميرا إلى منطقة «الشمبوق»، التى تقع فى مرتفعات عكار، وتبعد عن سوريا بضعة كيلومترات، وتُعد واحدة من أعلى المناطق النائية فى لبنان، لتلتقى مزارعا مسيحيّا فى الستين من عمره، اختار هذه البقعة، التى تتقاطع فيها الحدود، والطوائف، والطبقات الاجتماعية، ليؤسّس مزرعة ومطعما، ويواجه الكثير من المشاكل اليومية، والتوتّرات الطائفيّة، وتداعيات الأزمة السورية على الأحوال السياسية والاقتصادية، بإرادة فولاذية، وشعور جارف أن دوره الآن أهم من أى وقت مضى، وأن عليه الدفاع عن مشروعه الخاص، وعن العيش المشترك.

أما جائزة أفضل فيلم روائى فقد منحتها اللجنة لفيلم «العاصفة السوداء» (العراق، ألمانيا وقطر/ 92 دقيقة) للمخرج والكاتب والممثل الكردى حسين حسن، الذى عُرض فيلمه الروائى الطويل الأوّل «زهرة النرجس» (2006) فى قسم بانوراما فى مهرجان برلين السينمائي، وفاز بجائزة منظمة العفو الدولية. كما عرض فيلمه الطويل الثانى «البقاء» (2009) فى مهرجان بوسان. وفى فيلمه الفائز يخوض بجرأة فى منطقة شائكة تتعلق بالتنظيم المسمى «داعش»، الذى يغير مقاتلوه على قرية إيزيدية، ويأسرون ويغتصبون ويبيعون الفتيات سبايا، ويفضح الفيلم الأهوال والجرائم الوحشية التى ارتكبت وواجهها العالم بصمت مريب. فيما ذهبت جائزة «أفضل فيلم غير روائي» إلى فيلم «مخدومين» (لبنان، فرنسا، النرويج والإمارات العربية المتحدة/ 67 دقيقة) سيناريو وإخراج ماهر أبى سمرا، الذى درس فى الجامعة اللبنانية، والمعهد الوطنى للصورة والصوت فى باريس. وانتزع فيلمه «شيوعيين كنّا» (2010) «جائزة اللؤلؤة السوداء» لأفضل فيلم وثائقى عربى فى «مهرجان أبو ظبى السينمائي»، قبل أن يتوقف، كما شارك فى مسابقة «أوريزونتي» فى فينيسيا. وفى رصيده : «مجرد رائحة» (2007)، «نساء من حزب الله» (2000)، «إعمار على الموج» (1996) و«عوارض عودة» (1995). وفى فيلم «مخدومين» يوثق للتجارة التى أتفق على تسميتها «خدمة البيوت»، ويكشف تفاصيل هذه التجارة التى يُعامل فيها بعض البشر بوصفهم «سلعة»، ويكاد يُنظر إليها باعتبارها «سوق نخاسة» أو «تجارة رقيق» يكفلها القانون وتحميها الشرطة!

9600000

المخرج محمد حماد

 

فى سياق النظرة «الاستشرافية» نفسها انتصرت لجنة التحكيم للسينما التى قدمها المخرج الشاب محمد حمّاد فى فيلمه «أخضر يابس» (مصر/ 73 دقيقة) ومنحته جائزة «أفضل مخرج» عن جدارة؛ فالفيلم الذى كتبه وأنتجه ( مع محمد الشرقاوى وخلود سعد) وشارك فى مونتاجه (مع محمد الشرقاوى الذى تولى تصويره) قدم ما يُشبه المرثية لجيل أخضر تيبس وأصابته الشيخوخة وهو فى عمر الزهور، وفى ريعان الشباب، واسترعته تفاصيل إنسانية اعتدنا المرور عليها دون أن تلفت انتباهنا، وفطنت إليها لجنة التحكيم، التى واصلت نهجها التفاؤلى وفاجأت الجميع، وإن لم تصدمهم، عندما منحت جائزة «أفضل ممثل» للشاب على صبحى عن دوره فى فيلم «على معزة وإبراهيم» (مصر، الإمارات العربية المتحدة، فرنسا وقطر/ 97 دقيقة) وهو بالمناسبة أول فيلم فى حياته، رغم وقوفه من قبل على خشبة المسرح، ومشاركته فى فرقة مغمورة قدمت الكثير من العروض التى تفاعل معها الجمهور. أما الممثلة اللبنانية جوليا قصّار فتكاد تكون العنصر الوحيد الذى استثنته اللجنة من انحيازها المطلق لجيل الشباب؛ فالممثلة المخضرمة، (مواليد 1963)، التى عملت فى المسرح والسينما والتليفزيون، ونالت دبلوم الدراسات المعمقة فى الفنون السمعية البصرية والمسرحية من جامعة روح القدس- الكسليك- قسم المسرح، ودبلوم الدراسات العليا فى التمثيل فى معهد الفنون الجميلة فى الجامعة اللبنانية، وتعمل، منذ عام 1998، كأستاذ مادة التمثيل فى معهد الفنون الجميلة بالجامعة اللبنانية، لكنها أبهرت الجميع بدوريها فى الفيلمين اللذين شاركت بهما فى المهرجان، وهما : «محبس» (الأردن، لبنان ومصر/ 92 دقيقة) إخراج صوفى بطرس، و«ربيع» ( لبنان، قطر، الإمارات العربية المتحدة وفرنسا/ 105 دقيقة) إخراج فاتشى بولجورجيان، وهو الفيلم الذى حصلت عن دورها فيه على جائزة «أفضل ممثلة».

نهج تكرر بحذافيره فى مسابقتى «المهر القصير» و«المهر الخليجى القصير»، التى ترأس لجنة تحكيمها المخرج الأوكرانى سيرجى لوزنيتسا، وضمت فى عضويتها: المخرج والكاتب الفلسطينى باسل خليل ومنى خزندار، أول امرأة سعودية تتولى منصب لمدير العام لمعهد العالم العربى فى باريس (فى الفترة ما بين عامى 2011 و2014)؛ ففى مسابقة «المهر القصير» فازت الكاتبة والمخرجة اللبنانية مونيا عقل بجائزة «لجنة التحكيم» عن فيلم «صبمارين»، وفاز» المخرج التونسى مهدى البرصاوى بجائزة «أفضل فيلم قصير» عن فيلم «خلينا هكا خير». وفى مسابقة «المهر الخليجى القصير» فاز المخرج السعودى محمد الهليل بجائزة «لجنة التحكيم» عن فيلم «300 كم» وذهبت جائزة «أفضل فيلم خليجى قصير» للمخرج السعودى بدر الحمود عن فيلم «فضيلة أن تكون لا أحد». وفيما يتعلق بمسابقة «المهر الإماراتي»، التى ترأس لجنة تحكيمها المخرج المصرى يسرى نصر الله، وشارك فى عضويتها: المخرج والمنتج الجزائرى الفرنسى سالم الإبراهيمى والشاعر والكاتب والصحفى الإماراتى عادل خزام، فاز المخرج عبد الله الكعبى بجائزة «أفضل فيلم إماراتى طويل» عن فيلم «الرجال فقط عند الدفن»، وفاز ياسر النيادى بجائزة «أفضل مخرج» عن فيلمه «روبيان»، وحصلت شذى مسعود على جائزة «أفضل فيلم إماراتى قصير» عن فيلمها «مَمْسوسْ»؛ فالشباب سيطر على الجوائز بالكامل، ولجان التحكيم ضبطت مزاجها الفني، وموجاتها الفكرية، مع لغة ورؤى وطموحات الشباب، حتى صار «مهرجان دبى السينمائى الدولي» بمثابة الرئة الحقيقية للشباب العربي، والمتنفس الوحيد لأحلامهم!

تصوير الفنان : حسن أمين

تصوير الفنان : حسن أمين

 

الدليل على أن ما رأيناه يعكس توجها، ولا يخضع لمصادفة من أى نوع، أن تشجيع جيل الشباب، والدفع بأبنائه، لم يكن مقصورا على سباق «المهر» فقط؛ فعلى صعيد جائزة «استوديو الفيلم العربى لكتابة السيناريو» حصلت المخرجة المصرية الشابة إيمان السيد على الجائزة عن فيلم «بطانية». وبعد أن خطفت المخرجة اللبنانية دارين ج. سلاّم الأضواء بعد حصول مشروعها «فرحة» على جائزة «شبكة راديو وتليفزيون العرب» (قيمتها 10 آلاف دولار) فى «ملتقى دبى السينمائي» عادت وفازت عن نفس المشروع بجائزة «وزارة الداخلية لأفضل سيناريو مجتمعي» (قيمتها 100 ألف دولار)، بينما فازت أربعة مشاريع سينمائية عربية أخرى بجوائز «ملتقى دبى السينمائي»، التى تقدّر قيمتها المادية بـ50 ألف دولار؛ حيث ضمت قائمة الفائزين، بالإضافة إلى دارين ج. سلاّم، المخرجة إليان الراهب والمنتجة لارا أبو سعيفان عن «العائلة الكبرى»، المخرج عمر هفاف والمنتجة مارى بلدوشى عن «ما زالت الجزائر بعيدة»، المخرج مهند حيال والمنتجة هلا السلمان عن «شارع حيفا»، المخرج داود أولاد السيد والمنتجة لمياء الشرايبى عن «تودا» والمخرجة هيام عباس والمنتجة سابين صيداوى عن «غبار الطفولة» إلى جانب اختيار خمسة من صنّاع الأفلام العرب، من المشاركين فى الملتقى، للحصول على اعتماد مجانى فى شبكة المنتجين فى «مهرجان كان السينمائي»، التى تُعد واحدة من أبرز أسواق الأفلام حول العالم.

ماذا يعنى هذا ؟

إنه يعنى أن «مهرجان دبى السينمائى الدولي» لم يعد يكتفى بدوره كمنصة لعرض الأفلام، بل تجاوز هذا الدور ليُصبح محطة لإطلاق المواهب العربية الشابة، وتسليط الضوء على المبدعين؛ بدليل المبادرة التى أطلق نسختها العربية، تحت عنوان «نجوم الغد»، بهدف تسويق الممثلين والمخرجين العرب الواعدين؛ وتم بالفعل اختيار خمسة نجوم ليظهروا فى النسخة الأسبوعية المطبوعة من «سكرين ويكلي»، التى يتم توزيعها على قرّاء السينما العالمية، وأيضا على موقعها الإلكترونى الشهير. وبعد أن تحول المهرجان إلى سوق سينمائى ضخم صار الممول الأكبر للمشاريع السينمائية العربية، وفرصة للموهوبين لاغتنام الفرصة التى تتيح تحويل مشاريعهم السينمائية من مجرد أوراق فى الأدراج إلى أطياف من لحم ودم تصول وتجول على الشاشة.. إنه ببساطة «مهرجان يستثمر المستقبل».