البروليتاريا الثقافية أوركسترا القاهرة السيمفونى   بقلم : محمد صالح   كثيرا ما يختلط مصطلح البروليتاريا بالطبقة العاملة أو الطبقة الكادحة أو ربما حتى الطبقة المعدمة تبسيطا وإيضاحا، إلا أن

%d8%a3%d9%88%d8%b1%d9%83%d8%b3%d8%aa%d8%b1%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d9%87%d8%b1%d8%a9

البروليتاريا الثقافية

أوركسترا القاهرة السيمفونى

 

بقلم :

محمد صالح

 

كثيرا ما يختلط مصطلح البروليتاريا بالطبقة العاملة أو الطبقة الكادحة أو ربما حتى الطبقة المعدمة تبسيطا وإيضاحا، إلا أن مصطلح البروليتاريا عند كارل ماركس هو مصطلح أكثر دقة من ذلك بكثير. البروليتاريا فى الماركسية الكلاسيكية هى ما شرحه إنجلس فى بحثه «مبادئ الشيوعية» – الذى انتهى منه فى ١٨٤٧ – بأنها «الطبقة المجتمعية التى تحصل على ضرورات حياتها من خلال بيع عملها وليس من خلال أى مكاسب «فوائد» على رأس المال».

لكن ذلك التعريف أيضا هو تعريف عام ومبهم إلى حد كبير، وطبيعة العمل نفسها قد يدخل فيها رأس مال افتراضى «المعرفة، المعلومة، وسائل الاتصال، الخدمات» فالشخص الذى يحوز معرفة رفيعة ويتمكن من التكسب منها، ولا يمكن لصاحب العمل أو الشركة الحياة دونه قد لا يعدّ بروليتاريا، لكون المعرفة فى حد ذاتها رأس ماله ووسيلة إنتاجه فى ذات الوقت «فاحتياجه لوسيلة الإنتاج لن يتعدى احتياجه لحاسب آلى أو لمكتب مثلا»، والميكانيكى أو سائق الميكروباص أو سائق الأجرة لا يعدّون بروليتاريا مهما بلغت درجة فقرهم وعجزهم عن استيفاء متطلبات الحياة. فهم فى نهاية المطاف يمتلكون وسيلة الإنتاج «الورشة أو أدوات الميكانيكا، الميكروباص، التاكسي»، وهم بالمصطلح الدارج «أرزقية» يعتمدون على رزقهم على زبائن من طبقات أخرى من المجتمع.

يقول كارل ماركس إن البروليتاريا تختلف عن بقية الطبقات العاملة الأخرى فى أنها الطبقة القادرة على خلق قيمة مضافة من خلال قوتها العاملة دون أن يكون لها نصيب أو علاقة بأى ربح رأسمالى قائم على خلق تلك القيمة المضافة. «لعدم امتلاكها وعدم قدرتها على امتلاك وسائل الإنتاج – على المدى القصير أو البعيد على حد سواء – وتلك هى النقطة الأساسية التى تميز البروليتاريا عن سائر الطبقات الكادحة/ العاملة/ المعدمة».

لكن المدهش حقا هو أن المصطلح اللاتينى يحمل ثلاث معان لكلمة البروليتاريا: فـ«بروليتاريوس» تعنى «منتج الأجيال القادمة»، و«بروليتاريوس سيرمو» تعنى «العامة» أو ربما البسطاء والدهماء، و«بروليتاريوس سيفيس» هو مواطن روما القديمة ممن يندرجون وفقا لممتلكاتهم لما هو أدنى من الطبقة الخامسة، ويرتبط هذا المعنى بالمعنيين الأول والثانى لكون تلك الطبقات ممن لا يمتلكون أى شىء لا يجيدون سوى التكاثر وإنتاج أجيال جديدة، أى أن كل ما يمتلكونه هو الأبناء «برولس». ومن هنا تصبح كلمة «بروليتاريا» هى «من لا يمتلكون سوى القدرة على التكاثر و«عمل الأبناء»، وهو أمر حيوى للإمبراطورية بغرض الحصول على جنود للحروب وعبيد للسخرة.

بالعودة للمعنى المعاصر والعلمى لكلمة بروليتاريا فإن البروليتارى الكلاسيكى فى عصر الثورة الصناعية هو من يمتلك حرفة العمل على جزء ميكانيكى صغير «على سبيل المثال لا الحصر» فى مصنع ضخم «وسيلة إنتاج»، يستحيل عليه أن يتمكن فى يوم من الأيام من امتلاك هذا المصنع أو هذه الآلة فى المصنع التى تمثّل بالنسبة له وسيلة الإنتاج الوحيدة التى يجيدها «مصانع الحديد والصلب أو صناعة البترول أو المناجم مثالا»، وفى نفس الوقت فهو يعجز عن العمل فى أى تخصص آخر لارتباط معرفته المحدودة بذلك الجزء الدقيق من الصناعة ولا شىء غيره.

وهنا جوهر ارتباط البروليتارى بوسيلة الإنتاج وبمن يوفرها: «صاحب العمل/ الرأسمالي/ رأس المال»، الذى يتمكن من استخدام معرفته تلك، واستغلاله/ استعباده فى الإنتاج، مع استبعاده عن أرباح المنتجات وكل عمليات البيع والشراء للمنتج فى السوق والتى تتم من خلال طابور من السماسرة والطفيليين يحصلون جميعا على جزء من ربح العامل/ البروليتارى دون أن يتمكن هو من الحصول على أبسط حقوقه فى التعليم والصحة والمسكن الملائم.. إلخ. ونظرا لاستغناء المصانع بعد الثورة الصناعية عن العمالة واحتياج المصانع إلى عمّال أقل، فإن عدد العمال بطبيعة الحال أصبح أكبر من عدد المصانع، وبالتالى فإن البروليتارى يسعى للحفاظ على مكان عمله بكل الوسائل حتى لو تغاضى عن حقوقه، وعمل لساعات أكثر، وحصل على أجر أدنى، فخارج المصنع هناك الآلاف من العمال ينتظرون أن يحلّوا محله فور طرده.

راودتنى تلك الأفكار بينما كنت أفكر فى مستقبل أوركسترا القاهرة السيمفونى الذى يعد درة الثقافة المصرية والفنون المصرية الرفيعة ويقدم حفلاته مساء كل سبت على خشبة المسرح الكبير لدار الأوبرا. ذلك الأوركسترا الذى يتم فى هذا الموسم «٢٠١٦- ٢٠١٧» عامه الثامن والخمسين، وهو بذلك أول أوركسترا فى الوطن العربى والشرق الأوسط». لقد عمل أوركسترا القاهرة السيمفونى مع قامات وأساطير على مدار تاريخه لا تجعله ركنا مهما من أركان الثقافة فحسب، وإنما ركن من أركان الدولة وهيئة الدولة وهيبة الدولة وجواز سفر دبلوماسى ثقافى رفيع للدولة وخط منيع أمام الانجراف إلى غياهب الأصولية والوهابية والتطرف والظلام.

يمرّ الأوركسترا شأنه شأن مؤسسات كثيرة فى الدولة بمعوقات إدارية وبطبيعة الحال مالية نظرا لحاجة الدولة لخفض نفقاتها فى مجالات تبدو من خارجها «ليست بنفس ضرورة مجالات أخرى»، ونظرا لتلك المعوقات والمصاعب والتحديات فقد أصبح عازفى الأوركسترا «بروليتاريا ثقافية» وفقا للتعريف الماركسي، ذلك أنه ينطبق عليهم مواصفات البروليتاريا لعدم امتلاكهم لوسيلة الإنتاج «الأوركسترا» التى تمتلكها الدولة، لقد أصبح مستقبل العازفين فى مهب الريح تتقاذفهم مصاعب الحياة وضروراتها ويلجؤون للعمل خارج أسوار المؤسسة الرسمية بطبيعة الحال «وهم فى ذلك بالطبع يمتلكون «وسيلة إنتاج ما» يتميزون بها عن البروليتاريا التى لا تتمكن من امتلاك ماكينة المصنع الضخمة، لكن المهم فى ذلك كله هو أن كيان الأوركسترا السيمفونى ووظيفته يهددها عدد من المصاعب تجعل من ظروف العمل صعبة، وفى بعض الأحيان مستحيلة، فى الوقت الذى تحتاج فيه الدولة أشد الاحتياج للرقى بالذوق العام، ومحاربة الفكر بالفكر والثقافة بالثقافة كتحد استراتيجى ثقافى على المدى الطويل إلى جانب التحدى الأمنى على المدى القصير والذى تضطلع به المؤسسات الأمنية فى الدولة.

وحتى نتفهم طبيعة عمل الأوركسترا، علينا أن نتأمل قليلا فى نظام عمله حتى ندرك حاجتنا إليه، وأهميته لمجتمعنا حتى فى ظل ظروف التقشف التى نمر بها جميعا:

يندرج الأوركسترا السيمفونى الوطنى للدولة المصرية، والذى يحمل اسم «أوركسترا القاهرة السيمفوني» ضمن الفرق الفنية التى تتبع الإدارة المركزية للبيت الفنى للموسيقى والأوبرا والباليه، وهو عبارة عن فرقة موسيقية تختص بالموسيقى الآلية غير المصاحبة للعروض المسرحية «الأوبرا والباليه»، لكنه يضم إلى جانبه فرقة أخرى هى فرقة كورال «أكابيلا»، التى تصاحبه حينما يؤدى أعمالا غنائية دينية أو أعمالا غنائية فى صيغة حفل موسيقى لا عرض درامي. ويضم أوركسترا القاهرة السيمفونى ما يزيد على مئة عازف يعزفون فى مجموعات تمثل هيكل الأوركسترا وهي: مجموعة الوتريات وتضم مجموعة الكمان الأول، مجموعة الكمان الثاني، مجموعة الفيولا، مجموعة التشيلو، مجموعة الكونترباص، مجموعة آلات النفخ الخشبية وتضم الفلوت والبيكولو والأوبوا والبوق الإنجليزى «الكورانجليه» والكلارينيت والفاجوت – وينضم إليها أحيانا الباص كلارينيت، الباص فاجوت، الساكسفون بأنواعه الألطو والتينور والباريتون- مجموعة آلات النفخ النحاسية وتضم الكورنو والترومبيت والترومبون والباص توبا وأحيانا اليوفونيوم، مجموعة آلات الهارب وآلات المفاتيح «البيانو، التشيليستا، الأرغن، الهاربسيكورد»، مجموعة آلات الإيقاع وتضم التيمبانى والماريمبا والفيبرافون والدرامز والتامبورين والجونج والطبل الكبير وغيرها كثير من الآلات التى تنتمى لثقافات وعصور مختلفة.

يستخدم الأوركسترا السيمفونى نوعا خاصا من العازفين، يقبلهم للعمل داخله من خلال استماع مسبق يعلن عنه بين المتخصصين، حيث يعدّ ذلك الاستماع بمثابة اختبار للأداء والمفاضلة بين العازفين لقبول الأصلح والأفضل للمكان المحدد فى الأوركسترا. حيث يعلن الأوركسترا دوريا عن الأماكن الشاغرة به، وعن عقد استماع لتلك الآلات فيتقدم الراغبون لشغل هذه الأماكن، حيث يتعيّن على المتقدم عزف البرنامج الذى تضعه إدارة الأوركسترا ويضعه تحديدا القائد الأساسى بمساعدة رائد المجموعة الموجودة بها الآلة المطلوبة، كذلك يعزف المتقدم بعضا من أعمال الأوركسترا الصعبة للتحقق من قدرة العازف على تحضير أعمال معروفة بصعوبتها فى فترة وجيزة، وكذلك يقرأ «وهليا» – قراءة النوتة الموسيقية حين رؤيتها للوهلة الأولى- بعضا من الأعمال التى تضعها اللجنة أمامه وقت الاستماع، ذلك أن العزف فى الأوركسترا السيمفونى يعتمد بشكل أساسى على القراءة الوهلية للأعمال السيمفونية وتحضيرها فى ظرف خمسة أيام فقط لا غير، وعزف برنامج سنوى يتكون من برامج أسبوعية تتضمن أعمالا سيمفونية مختلفة يعزفها قادة زائرون إلى جانب القائد الأساسى وسوليستات «عازفون منفردون» بمصاحبة الأوركسترا.

يتكون أى عمل موسيقى سيمفونى من مدونة للأوركسترا «بارتيتورا» التى يدون فيها دور جميع الآلات وتكون أمام قائد الأوركسترا والنوت الموسيقية لكل عازف على حدة «البارت»- الجزء- ولكل عمل موسيقى ملف خاص به فى مكتبة الأوبرا الموسيقية يضم المدونة الموسيقية للقائد والنوت الموسيقية للعازفين أو «بارتات» العازفين، فبعد وضع القائد الأساسى للبرنامج السنوي، يقوم بشراء المدونات الموسيقية غير الموجودة فى المكتبة الموسيقية، أو تأجيرها لفترة عزفها. ثم يضع القائد الأساسى بمساعدة رائد الأوركسترا ومفتش الأوركسترا جدول العمل للأوركسترا متضمنا أسماء الآلات والعازفين للبرامج المختلفة، فبعض البرامج لا تحتاج لآلات بعينها، وأعمال أخرى تستخدم آلات بعينها «أوركسترا وترى مثلا يستخدم مجموعة الآلات الوترية فحسب». ثم يقوم المكتبى قبل أسبوع من بداية البروفات للأوركسترا بالحصول على النوت الموسيقية من المكتبة الموسيقية ويبوبها وفقا للآلات استعدادا لوضعها أمام العازفين فى البروفة الأولى.

يدخل المايسترو/ القائد الأساسى أو الزائر قاعة البروفات صباح الثلاثاء من كل أسبوع ويبدأ العمل مع الموسيقيين لمدة خمسة أيام، تنتهى ببروفة جنرال صباح يوم السبت ثم يعرض الأوركسترا حفلته الأسبوعية ليلة كل سبت على خشبة المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية. يعمل هذا النظام بكفاءة صارمة، تعتمد إلى جانب العازفين والقائد والسوليست على مفتش الأوركسترا المسئول عن تعليق جداول العمل للعازفين والتأكد من حضور وغياب العازفين وتوقيعهم فى دفتر الحضور والغياب، والمكتبى المسئول عن النوت الموسيقية والتأكد من اكتمالها وصحتها ووجودها على حامل النوت الموسيقية أمام العازف فى البروفة الأولى وفى جميع البروفات وبعد نقلها فى البروفة الجنرال على خشبة المسرح، كما يعتمد الأوركسترا على فنيين ينقلون الآلات الكبيرة التى تحتاج إلى نقل بعناية خاصة من وإلى قاعة البروفات، مثل الكونترباص والهارب وآلات الإيقاع من وإلى خشبة المسرح، والذين يأتمرون بأمر مفتش الأوركسترا الذى يعرف بالتنسيق مع المكتبى الآلات المشتركة فى الأعمال. ويدير هؤلاء جميعا «العازفين والمفتش والمكتبى والفنيين» القائد الأساسى الذى يضع استراتيجية العمل، والبرنامج السنوى آخذا فى الاعتبار تطوير الأوركسترا، واحتياجات المشهد الموسيقى والثقافى المصري، والمناسبات المختلفة التى جرت العادة على الاحتفال بها مثل حفل رأس السنة أو عيد القيامة وغيرها. إلى جانب القائد الأساسى يعمل مجموعة من الإداريين المسئولين عن مرتبات العازفين، وتحرير العقود المختلفة للمجموعات، بما فى ذلك تذليل الصعوبات الإدارية للعازفين المصريين والأجانب حيث يعمل فى الأوركسترا المصرى نسبة قليلة من العازفين من رومانيا والمجر وإيطاليا وأوكرانيا وروسيا.

من هنا نرى صعوبة خروج الأوركسترا السيمفونى إلى «السوق» واعتماده على القطاع الخاص لإدارته، نظرا لأن أجندة القطاع الخاص ليست كأجندة الدولة الثقافية، ولأن القطاع الخاص سيفرض على الأوركسترا – على افتراض إنشاء أوركسترا خاص – طلباته ومطالباته وشروطه على العازفين الذين سيصبحون فى ذلك الوقت على حق «بروليتاريا ثقافية» فى حظيرة رأس المال، وفى نفس الوقت نرى التحديات التى تواجه العازفين فى تمسّكهم بالكيان وبالمؤسسة التى تحميهم على الرغم من جميع المصاعب، لعدم وجود بدائل لنفس النوعية من الموسيقى «الكلاسيكية» فى أى مكان سوى فى الأوركسترا الوطنى للدولة. من هنا أصبحنا نحن عازفى أوركسترا القاهرة السيمفونى الذى نحظى بشرف الانتماء إليه بروليتاريا ثقافية بامتياز. فمن جهة أخرى فنحن «منتجى الثقافة للأجيال القادمة» أى بروليتاريا بالمعنى الرومانى للكلمة، ووفقا لجوهر ومعنى الفن الذى نمارسه، بينما لا نمتلك وسيلة الإنتاج «الأوركسترا، على الرغم من امتلاكنا للحرفة وللآلة أحيانا»، ومن جهة ثالثة فنحن نعجز عن الخروج من «حظيرة الثقافة الرسمية» ونمتثل لكل شروطها حبا للفن، وخوفا منا على مستقبل الثقافة والفنون الرفيعة على أرض المحروسة.