بروفة جنرال نهاد صليحة .. افتح قلبك على مصراعيه   بقلم : نورا أمين   فى يوليو من عام ٢٠٠٣ كنتُ قد وصلتُ إلى نقطة الصفر فى عملى المسرحى وفى

326

بروفة جنرال

نهاد صليحة .. افتح قلبك على مصراعيه

 

بقلم :

نورا أمين

 

فى يوليو من عام ٢٠٠٣ كنتُ قد وصلتُ إلى نقطة الصفر فى عملى المسرحى وفى حياتى الشخصية، كنتُ بلا عمل، بلا دخل، بلا أمل. كنتُ وحيدة على عدة مستويات وكنتُ قد فقدتُ إيمانى الأساسى بقدرتى على الاستمرار فى الحياة والعمل فى مصر، أو حتى رغبتى فيهما. بمعجزة حصلتُ على منحة من اليونسكو لشباب الفنانين لدراسة منهج مسرح المقهورين فى البرازيل، وتحديدا فى مركز ريو دى جينيرو الذى أسسه وأداره أوجستو بوال مؤسس منهج مسرح المقهورين. كانت تلك الرحلة بالنسبة لى بمثابة طوق النجاة لأننى سأخرج من وطأة واقع يخنق الروح ولأننى سأتدرب مع قامة عملاقة فى المسرح هو أوجستو بوال.

كان قد تبقى يومان قبل سفري، فى اليوم قبل الأخير قابلتُ نهاد صليحة. لن أسبق اسمها بـ”الدكتورة” ولا “الأستاذة” فاسمها وحده يكفي. أعرف نهاد منذ طفولتي، نعمتُ بمعرفتها عن قُرب على مراحل متفاوتة من طفولتى وشبابى قبل أن أعرفها بشكل مهنى كناقدة مسرحية بعد أن دخلتُ مجال المسرح فور تخرجى فى الجامعة. كان لقاؤنا فى ذلك اليوم أقرب إلى لقاءاتنا القديمة، لم تكن هى الناقدة ولا كنتُ أنا الممثلة أو المخرجة. قابلتنى بوصفها تلك الأم الروحية التى صاحبتنى فى جميع قرارات حياتى المصيرية وكشفت لى عن قوتى وعن حبى للحياة فى كل اللحظات المفصلية التى لم يستطع فيها أحد النفاذ إليَّ.

تزامن لقاؤنا مع عيد ميلادي. جلستُ قبالتها بكل مشاعر الهزيمة والانكسار. شعرتُ بشكل ما أننى سأكون مصدر إحباط لها بسبب فشلى وعودتى لنقطة الصفر بعد كل الدعم الذى منحته لي. كنت خجلانة من نفسي. أنت لا تحتاج لأن تتكلم وأنت فى حضرة نهاد صليحة. هى ستفهم كل شيء دون كلمة، بمجرد نظرة عين. وقد كان. صمَمَتْ أن أتناول بيتزا، ولم تأكل هى شيئا. ما زلتُ حتى الآن أشعر بتلك الطاقة الإيجابية التى كانت ترسلها لى فى صمت، ما زلتُ أشعر بهذا الحب الفياض الذى تعجز الكلمات عن وصفه.

حاولتُ الثرثرة كثيرا وشرح طبيعة المنحة التى حصلتُ عليها والتى ستمتد لثلاثة شهور، شرحتُ أمورا كثيرة لا أتذكر منها الآن شيئا، فقط أتذكر صبرها وتأملها وهى تعرف جيدا ما وراء كل تلك الثرثرة. هى روح قادرة على اقتناص الحقيقة من وراء كل زيف، قادرة على الرؤية أبعد من النظر وعلى احتواء الروح الأخرى ومداواتها. هكذا كانت نهاد ترى وتحب وتقوى وتداوي.

قالت لى “كل سنة وانتِ طيبة يا نورا”. كانت تتذكر عيد ميلادى دوما وقبل ظهور الفيس بوك وكل آليات التذكير الإلكترونية. “دى هدية عيد ميلادك” كان مالا وفيرا من الدولارات. لم أصدق عينَي. كنتُ امرأة مفلسة على وشك السفر إلى الجانب الآخر من العالم لأول مرة فى حياتها وبلا دولار واحد. ولم أبذل أى مجهود فى البحث عن أى سلفة. كنتُ يائسة ومستسلمة. بكيتُ. “حد يعيط فى عيد ميلاده؟! وكمان وهو رايح عند أوجستو بوال؟!” ضحكتُ. ثم انهرتُ تماما. كيف عرفَت أننى بحاجة إلى المال وأحضرته هكذا؟! وكيف صاغته برقة تحت غطاء “هدية عيد الميلاد”؟! وكيف رتبت هذا كله دون أن أنبس لها بكلمة عن أى شىء؟!

أمسكت نهاد بيدى ونفخت فى من روحها. هذا بالتحديد ما حدث. ليس هناك وصف آخر. بعثت لى بذلك الإيمان بأننى سوف أمر من النفق المظلم. لم تكن لديّ ذرة من ذلك الإيمان. إنها هى مَن منحه لي. جعلتنى أرى الأزمة بوصفها فرصة كى أبدأ حياتى من جديد، جعلتنى أدرك أننى هكذا أنضج تدريجيا وأن حياة بكاملها ستفتح لى ذراعيها، فقط عليّ الإيمان والعبور. كانت واثقة بأننى سأعود امرأة جديدة. وهذا ما حدث.

تلك القدرة لامرأة على أن تعانق روحك وتوقظك قبل أن تتمادى فى الموت، تلك القدرة على الإيمان بك وقتما تكون أنتَ نفسك قد فقدتَ إيمانك بكل شيء، تلك القدرة على الحب والعطاء، كل ذلك هو نهاد صليحة. المرأة التى يتسع قلبها لكون بأكمله. لا أريد أن أقول انها علمتنى المسرح أو ما شابه، أريد أن أقول إنها علمتنى أن أكون. وكيانى هذا – الذى هو على شاكلة إيمانها بي- هو ما أتحرك به وأقابل الآخرين فيتعرفونني، وأتمنى أن يتعرفوا فى على آثارها لأن الحب طاقة لا تفنى. هكذ هى جزء منى وجزء من كل مَن حاولتُ أن أكون معهم مثلما كانت هى معي. من الآن فصاعدا سنطلق من داخلنا جميعا الحب الذى زرعته نهاد كى نغمرها به، هكذا تعلمنا هى الآن درسا جديدا بطريقتها الفريدة والمباغتة. وسأكون أول مَن يطبقه ولو كتابةً. افتح قلبك على مصراعيه.