فى ذكرى ميلاده التسعين السياب وهزيمة الجسد الذكورى   بقلم : أحمد طه   عندما يتحول الشاعر إلى أسطورة، تزداد مخاطر الكتابة عن شعره، كما تزداد صعوبة قراءته، والسياب حوله

15724036_10154042010116135_1968970637_n

فى ذكرى ميلاده التسعين

السياب وهزيمة الجسد الذكورى

 

15682988_10154042004506135_1754118835_n

بقلم :

أحمد طه

 

عندما يتحول الشاعر إلى أسطورة، تزداد مخاطر الكتابة عن شعره، كما تزداد صعوبة قراءته، والسياب حوله محبوه إلى أسطورة، وهو ما حدث من قبل مع «جبران خليل جبران»، فقد حوله اللبنانيون إلى مزيج من النبى والأسطورة، بحيث أصبح التعرض له بعيدا عن هذه الصفات يؤدى إلى التهلكة الثقافية والاعلامية والنقدية، وهو ما حدث لمنظر المهجريين «ميخائيل نعيمة» عندما كتب كتابه القيم عن جبران، وهو لا يدرى بما صار إليه فى وطنه لبنان فصنع هذا الكتاب – رغم انحيازه الواضح لجبران – حاجزا سميكا بين الحركة الثقافية اللبنانية وبين «ميخائيل نعيمة» حتى موته عام 1988.

وأسطورة السياب لم يصنعها محبوه فقط، بل ساهم فى صنعها الذين نكلوا به فى حياته، ابراء للذمة لا حساسهم بالذنب بعد أن تركوه فريسة للفقر والموت غريبا خارج وطنه.

وهناك فريق آخر من صناع هذه الأسطورة، أرادوا ان يكون رائد الشعر العربى الحديث عراقيا، كيدا فى باقى المناطق التى تتنازع على زعامة الشعر العربى الحديث سواء كانت شامية أم مصرية، حتى أن كاتبا كبيرا مثل «جبرا ابراهيم جبرا» كتب بعد موته «ولا بد من القول أيضا انه احتفظ للعراق بزعامته الشعرية فى العالم العربى»!

كان السياب شاعرا مطبوعا غزير الانتاج، لم يثنه الفقر والمرض عن كتابة الشعر فكتب خلال حياته القصيرة 38 عاما عشرة دواوين، بدأها عام 1947 بديوان «أزهار ذابلة» وأنهاها بديوانه الأخير الذى صدر بعد موته فى 1965 وهو الذى أهداه إلى زوجته وعنوانه باسمها «إقبال».

وفى رأينا أن دواوينه التى كتبها خلال السنوات الاخيرة من حياته اثناء معاناته من مرضه القاتل، أى منذ بداية الستينات حتى وفاته 1964 تمثل ذورة انتاجه الشعرى، بداية من ديوان «المعبد الغريق» 1962 ثم «منزل الاقنان»  1963، ثم «شناشيل ابنه الجلبى» الذى صدر فى 1964، ولم يره السياب، رغم انه كتب فى رسالة إلى «توفيق صايغ» فلا 1963 يقول « سترى أن ديوانى الجديد «يقصد شناشيل ابنة الجلبى» الجاهز لدى فى انتظار الناشر هو أحسن آثارى الشعرية حتى الآن» وفى رسالة أخرى إلى صديقه عاصم الجندى فى نفس العام يقول: لا اكتب هذه الأيام إلا شعرا ذاتيا خالصا لم أعد ملتزما، ماذا جنيت من الالتزام؟ هذا المرض؟ وهذا الفقر؟ لعلى أعيش هذه الايام آخر أيام حياتى اننى انتج خير ما انتجته حتى الان» وهو محق فى ذلك لان شعره الذى كتبه تحت ظل الموت فى سنواته الاخيرة هو افضل اثاره رغم ان كاتب مقدمة اعماله الكاملة الصادرة عن «دار العودة» وهو «ناجى علوش» يصف شعر هذه المرحلة الثرية من حياة السياب بأنه «لا جديد فيه، أنه شعر ذاتى وانفعالى وغث فى احيان كثيرة».. ومثل هذه النظرة إلى الشعر هى التى أفسدت الحركة النقدية التى روج لها ذلك الوقت باسم النقد الواقعى الاشتراكى!!

فى ديوانيه الاخيرين «منزل الاقنان» و«شناشيل ابنة الجلبى» كما فى ديوانه السابق عليهما «المعبد الغريق» نجد أن السياب كان يرثى نفسه بعد أن شعر باقتراب النهاية وبعد أن أقعده المرض وأصبح عاجزا عن الحركة، وفقد حيويته الجنسية مما اثار أكبر الألم فى نفسه، لذا حفلت مراثيه الأخيرة بأحلام جنسية عارمة، لم أرها فى مراثى النفس المتعددة سواء فى عصر ما قبل الاسلام أم بعده، بل قل أن نجدها فى شعرنا الحديث، حتى عند الشعراء الذين كتبوا كثيرا عن المرأة كـ«نزار قبانى»، وكلما تفاقمت حالته الصحية كلما زادت هلاوسه الجنسية، حتى أصبحت ملابس حبيباته المتخيلات أو حتى صوتهن يثير هياجه الجنسى ففى قصيدة كتبها عن مغنية تدعى « سلوى» لم يرها قط يقول فيها:

«أشم عبيرك الليلى فى نبراتك الكسلى

ينادينى ويدعونى

إلى نهدين يرتعشان تحت يدى وقد حلا

غرى الأزرار من ذاك القميص ويملا الليلا

مشاعل فى زوارق فى عرائش فى بساتين

وجارتنا الصبية فى حرير النوم تنسرب

يشف الثوب عن نهدين طوديين كم رجفا

من الاحلام تحت يد تعتصر بردها لهب».

من قصيدة «سلوى – ديوان شناشيل ابنة الجلبى»

واثناء علاجه فى بيروت عام 1962 أحب ممرضته الحسناء وتدعى ليلى التى كانت تلازمه من الصباح حتى التاسعة مساء، مما أتاح لهما الحديث والتعارف الحميم حتى وصل الأمر إلى أن عرض عليها السياب الزواج بينما قامت هى باهدائه خصلة من شعرها الاشقر وعدة خطابات غرامية وربما تركت فى غرفته بعض ثيابها وهذا ما ذكره فى قصيدته التى كتبها فى بيروت وهى ليست القصيدة الوحيدة التى كتبها لحبيبته البيروتية، كما أنها كمعظم قصائد الحب فى مرحلة السياب الستينية، تزخر بالشبق الجنسى الصريح وهى بعنوان «خذينى» ويعود تاريخها إلى عام 1962 اثناء وجوده فى بيروت، ومنها هذه السطور.

«أما تعلمين بأنى تشهيتك البارحة

أشم رداءك حتى كأنى

سجين يعود إلى داره يتنشق جدرانها:

هنا صدرها، قلبها كان يخفق كان التمنى

يدغدغه، يشعل الشوق فيه إلى غيمة رائحه

لأرض الحبيب: ستنضح أركانها

بذوب نداها

تشتهيتك البارحه

فقبلت ردن الرداء: هنا ساعداها،

هنا أبطها، يالكف الخيال

ومرفا ثغرى اذا جرفته رياح ابتهال»

«ديوان منزل الاقنان»

 

15577499_10154042007721135_171418845_n

ومن المرجح أن آخر قصيدة كتبها السياب فى المستشفى الاميرى بالكويت هى قصيده «ليلى – من ديوان شناشيل ابنه الجلى» و«إقبال» وهى دون تاريخ، وأبياتها تؤكد ليلى هى الممرضة اللبنانية التى كان يذكرها كثيرا اثناء اقامته بالمستشفى الكويتى خاصة، وقد أوصل له صديقه وراعيه فى شهوره الاخيرة الشاعر الكويتى الراحل «على السبتى 1935-2008» رسالة من ليلى وكذلك أخبارها التى كان السياب يتلهف على معرفتها لاعتقاده بأن حبه لليلى هو الذى شفاه فى بيروت وليست أدوية الدكتورة الألمانية التى كانت تعالجه، بل انه يكتب فى رسالته إلى أدونيس كيف ساقته زوجه كما يسوق الراعى الاغنام أمامه إلى سلم الطائرة ثم العراق: بعد أن اكتشفت وجود خصلة الشعر والخطابات وقذفت بهم إلى البحر وهو ما أشار اليه السياب فى قصيدة «رحل النهار» التى استهل بها ديوانه « منزل الاقنان» ومنها:

«خصلات شعرك لم يصنها سندباد من الدمار

شربت أجاج الماء حتى شاب اشقرها وغار

ورسائل الحب الكثار

مبتلة بالماء منطمس بها ألق الوعود»

وحتى أيوبياته لم تخل من شبقة الجنس المحموم فقد افتتح قصيدته «سفر أيوب» بحمد الإله واستجدائه ليمن عليه بالشفاء قائلا:

«لك الحمد مهما استطال البلاء

ومهما استبد الألم

لك الحمد ان الرزايا عطاء

وان المصيبات بعض الكرم.

الم تعطى انت هذا الظلام

واعطيتنى انت هذا السحر»…. الخ

ولكنه فى المقطع السادس من القصيدة تعاوده الحمى الجنسية، وهو رهين سرير المرض فى لندن « كانت الشهوة تتزين وتتراءى له عبر لهيب المدخنة، صور قانية، ينزمنها الشبق نزا فيقول:

«خيال الجسد العارى

يطل على محمولا على موج من النار

من المدفأة الحمراء، ذاك الرحم الضارى

لكل تقلب من موجها خفق من القلب

تدحرج إلى على الجنب.

تدحرج ثم صك اضالعى، وتثار أعراق

يميل على كيف اشاء، أعصره كما اهوى

ولا يقوى.

على رفضى، على تهديم عرش من لظى وار

اتوج فوقه الامال راعشة القوى شهوى»

هذا الشبق الجنسى فى نتاج السياب اثناء صراعه مع مرضه الغامض والقاتل كان رد فعل على انهيار الجسد الذكورى لان السياب لم لديه مايجذب النساء سوى قدرته الجنسية فلم يكن وسيما ولا غنيا ولا صاحب نفوذ فقد نشا فى ريف الجنوب العراقى حيث تغلب فيه الثقافة البدوية التى تعلى من شأن الرجولة وترى فى الضعف الجنسى اكثر ما يشين الرجال فهو كما وصفه الشاعر اللبنانى «انسى الحاج» جاهلى بدوى فولكلورى خرافى انكلوسكسونى على واقعى هجاء ورثاء مداح بكاء يسيل به الشعر سيل قريحة فارطة ويسيل معه الشعر حتى الموت».

 

15681893_10154042010886135_671849805_o

 

لذا فعندما فقد السياب قدرته الجنسية كان البديل هو الحلم او الوهم، وهى أحلام لا سقف لها، لذا نراه يمارس جنسا وحشيا لا حنان فيه تتكرر فيه الفاظ جارحة مثل: اعصر – أمزق…. الخ، هذه الاحلام الجنسية هى السمة الابرز فى دواوينه الثلاثة الاخيرة يأتى بعدها استحضار الطفولة وسنوات المراهقة فى جيكور، ثم ذكرى حبيبات الصبا وابرزهن «وفيقة» حبيبته المتوفاة التى تمثل مرتكزا مهما فى حياته وفى شعره وتعد أحد مفاتيح شخصيته.

نسوق فى النهاية تلك القصيدة التى كتبت مثل الايوبيات فى لندن والتى يقول عليها «ايليا الحاوى» فى كتابه بدر شاكر السياب شاعر الاناشيد والمراثى.

«انحدر الى التسمية العارية فى اللفظ الصريح والاحداث المباشر، والشهوة ناضحة، وما يشفع بهذه القصيدة وسواها هى نضارة الانفعال وحدته وحيويته وقدرته على ابداع الفاظه وصوره، وتمزيق النهد لايعقل ولا حقيقة له، وانما هو عديل الوهم الجنسى والشهوة المجنونة»

وقد عنون السياب هذه القصيدة بـ«وغدا سألقاها» وهى موجهة الى زوجته فى الغالب لانه لم يقم اية علاقة نسائية اثناء وجوده فى لندن، وهى ضمن ديوان شناشيل ابنة الجلبى:

وغدا سألقاها،

سأشدها شدا فتهمس بى

«رحماك» ثم تقول عيناها:

«مزق نهودى، ضم – أواها

ردفى.. واطو برعشة اللهب

ظهرى، كان جزيرة العرب

تسرى عليه بطيب رياها»

ويموج تحت يدى ويرتجف

بين التمنع والرضا ردفأ،

وتشب عند مفارق الشعر

نار تدغدغها: هو السعف

من قريتى رعشت لدى النهر

خوصاته، وتلين لا تدرى

أيان تنقذف

ويهيم ثغرى وهو منحطف

اعمى تلمس دربه، يقف

ويجس: نهداها

يترعشان، حوانب الظهر

تصطك، سوف تبل بالقطر

سأذوب فيها حين ألقاها»

 

15712961_10154042007806135_794861559_n