«المُدرّسة».. درس فى صناعة الفيلم السياسى   بقلم : أحمد شوقى   نظريا، تُشكَل شخصيات وأخلاقيات الأطفال عبر مزيج مما يتلقونه من تربية وتعليم فى المنزل والمدرسة، فإن عجزت إحدى

prague-czech-republic-film-studies-studying-abroad-students-fun-246

«المُدرّسة».. درس فى صناعة الفيلم السياسى

 

بقلم :

أحمد شوقى

 

نظريا، تُشكَل شخصيات وأخلاقيات الأطفال عبر مزيج مما يتلقونه من تربية وتعليم فى المنزل والمدرسة، فإن عجزت إحدى المؤسستين عن القيام بدورها يفترض أن تحل الأخرى محلها حتى لا يكون النشء ضحية لعجز الكبار. لكن ماذا يحدث لو كان الطرفان مدانين؟ لو كان النظام الاجتماعى بأكمله يدعم تشويه نفوس الصغار ويدفعهم دفعا للخطأ؟

من هذا السؤال ينطلق فيلم «المدرّسة» للمخرج التشيكى يان هريبيك، والذى عرض ضمن برنامج سينما العالم فى مهرجان دبى السينمائى الدولى الثالث عشر، راويا حكاية الرفيقة درازيخوفا، مدرّسة اللغة والتاريخ فى إحدى الضواحى السلوفاكية، ورئيسة لجنة الحزب الشيوعى المحلية، والتى تستغل سلطتها المزدوجة فى الحزب والمدرسة لتُسخّر الطلبة وعائلاتهم فى خدمتها، فمن لا يقدم لها ما تريده يُعاقب بتحويل حياة طفلة المدرسية جحيما، ومن يستجيب للابتزاز يضمن ابنه أو ابنته الحصول مبكرا على أسئلة الاختبار.

فى ظروف سويّة يستحيل لعنصر كهذه المعلمة أن يستمر طويلا، فلا أحد يمكنه أن يبتز الجميع ويضمن سلامته. لكن فى تشيكوسلوفاكيا الشيوعية ومع سلطة الرفيقة درازيخوفا الحزبية، تظهر المداهنة والخوف والمحاباة والتملق والظلم قيما يُفطر عليها الصغار، عندما يجدون تصرفات كل من يفترض فيهم أن يكونوا قدوة تأتى أبعد ما تكون عن الصواب.

على هذا المستوى يمكن أن نصف «المدرّسة» بأنه عمل وجيه على المستوى القيمى فى تشريحه لعيوب نظام اجتماعى وسياسى قادر على إحداث هذا الإفساد الممنهج. لكن هذه وحدها ليست أسبابا كافيا لخلق فيلم سينمائى جيد، فالأهم فى حالتنا هو كيفية صياغة هذه الأفكار فى بناء درامى مبهر فى إحكامه، صاغه المؤلف بيتر يارخوفسكى والمخرج يان هريبيك بحيث يمضى الفيلم بثقة وتكامل بين المضمون والشكل.

الشكل هنا هو التقاطع بين مستوين زمنيين: الأول هو الحاضر الدرامى وفيه اجتماع صاخب لآباء تلاميذ المدرّسة المتهمة بهدف تحريك شكوى ضدها، والثانى هو الماضى الذى يتحرك الفيلم فيه بحرية لعرض تاريخ علاقة كل شخصية بالرفيقة درازيخوفا، وكيف تعامل كل أب أو أم مع طلبات المدرّسة الابتزازية.

اجتماع الآباء وطابعة المسرحى (وحدة المكان والزمان) يذكرنا بمداولة المحلفين الأشهر فى تاريخ السينما بفيلم سيدنى لوميت «12 رجل غاضب – 1957»، لا سيما فى الكشف التدريجى للحقيقة عبر الحوار، والتغيّر الذى يطرأ على مواقف الشخصيات من موضوع الجدل بناءً على ما يولّده الحديث من مشاحنات وإزاحة للستار عن حقائق مسكوت عنها. مع فارق مؤلم هو أن المحلفين فى فيلم لوميت كانوا أصحاب قرار يتجادلون للحسم، بينما الآباء فى فيلم هريبيك هم فى النهاية عديمى الحيلة، خاضعين لنظام قام فى الأغلب بتشويههم كما يشهدون تشويه أبنائهم، فصار منهم من يرى الخطأ بعينيه ثم ينكره خوفا من تبعات مواجهته.

أما الماضى فكلمة السر فيه بخلاف النسج المحكم للمواقف الدرامية هو أداء البطلة سوزانا ماوريرى الذى استحقت عليه جائزة أحسن ممثلة من مهرجان كارلوفى فاري، بتجسيدها لتناقضات شخصية المدرّسة صاحبة النفوذ، والتى يمكن اعتبارها هى الأخرى نموذجا مثاليا للتشوه النفسى والاجتماعي؛ فهى ترتكب جريمة واضحة الأركان وتسيء بتعمد لأطفال لا يستحقون ما تفعله بهم، لكنها فى الوقت ذاته تؤمن أن ما تقوم به هو حقها الذى لا يتضمن أى خطأ، بل أحيانا نكاد نلمس يقينها بأنها ضحية يظلمها هؤلاء الآباء!

السيناريو يمزج تصرفات هذه الشخصية الثرية بالتناقضات، مع المواجهة بين الآباء والكاشفة لتباينهم بين نفسية البطل الراغب فى المواجهة حماية لابنته، والانتحارى الذى يشارك لأنه لا يملك بديلا، والحذر الذى ينتظر الاحتماء بالآخرين قبل أن يقرر، وصولا إلى الملكيين أكثر من الملكة، المتطوعين بالهجوم وتكذيب اتهامات هم أول من يعلم بصحتها حمايةً لأنفسهم ولمكتسبات رخيصة ضمنوها لأولادهم. لينتج عن كل هذا لوحة بانورامية لما يمكن أن يحويه مجتمع مُفسد من صور للعلاقة بالفساد، دون أن ينحرف الفيلم ولو لحظة خارج مسار حكايته أو يتحول لخطاب سياسى حول عيوب الشمولية وتأثير مصادر القوى.

لهذا يمكننا أن نعتبر «المدرّسة» نموذجا مثاليا للفيلم السياسى كما يجب أن يكون، فمن ناحية هو يمتلك وجهة نظر سياسية واجتماعية حاذقة، لا تكتفى بالإعلان عن موقف بل تقوم بتشريح الوضع وتحليل عناصره، ومن ناحية أخرى يقوم بذلك بشكل سينمائى بحت عبر حكاية شيقة فى صورتها المجردة، مروية فى سيناريو محكم ومُقدمة بإخراج وأداء تمثيلى يكملان متعة المشاهدة.