قبل أيّام أصدرت الهيئة العامة للكتاب طبعة ثانية من كتاب “الصناعات الإبداعية”، تحرير جون هارتلي، ترجمة بدر الرفاعي، وهو كتاب صدر من قبل عن سلسلة عالم المعرفة بالكويت وآثار نقاشات

ppp

قبل أيّام أصدرت الهيئة العامة للكتاب طبعة ثانية من كتاب “الصناعات الإبداعية”، تحرير جون هارتلي، ترجمة بدر الرفاعي، وهو كتاب صدر من قبل عن سلسلة عالم المعرفة بالكويت وآثار نقاشات مهمة عن الصناعات الإبداعية باعتبارها جزءا من عمليات الاستثمار الثقافى واليوم تركز منظمة مثل اليونسكو المعنية بالثقافة والتربية والعلوم جل اهتمامها على هذا الموضوع حتى أنها كرست مؤتمرها الأخير لدراسته.

والقاهرة تنشر جزءا من الفصل الثامن نظرا لنا يثيره من قضايا محفزة ، ورؤى يمكن أن تمثل رافدا جديدا للعاملين فى الحقل الثقافى

 

 الاستثمار الثقافى والصناعات الإبداعية

شارلز ليدبيتر وكيت أوكلي

 

Image may contain: 1 person

ترجمة : بدر الرفاعي

 

أهمية المستثمرين الثقافيين

الوظائف والنمو

تكتسب الصناعات الثقافية أهمية متزايدة بالنسبة لجيل جديد من فرص العمل والنمو الاقتصادي. 1 وحتى مع افتراض أدنى نسب النمو فى هذه الصناعات، والتى تتراوح بين 4-5%، أى ضعف النمو فى الاقتصاد ككل، فإن بإمكانها استخدام 1.5 مليون وتوليد عوائد تقدر بـ80 بليون استرليني، أى ما يوازى 6% من إجمالى الناتج المحلي، مع نهاية العقد القادم. وهذه التقديرات الواردة بتقرير قوة طوارئ الصناعات الإبداعية تتفق مع ما توصلنا إليه. فالصناعات الثقافية تستخدم ما بين 2-8% من قوة العمل فى معظم المدن البريطانية، وترتفع النسبة إلى حوالى 10% فى لندن. وإذا ما أخذنا مانشستر، على سبيل المثال، فإن التحليل المفصل الذى قام به معهد مانشستر للثقافة الشعبية 2 توصل إلى أن 6% من قوة العمل فى المدينة تعمل بالصناعات الثقافية، أى أكثر من نسبتها فى قطاع التشييد، بينما تقارب نسبتها فى قطاعى النقل والاتصالات الراسخين. ويقدم المستقلون حوالى ثلثى إنتاج القطاعات سريعة النمو من الاقتصاد الثقافي.

النمو الاقتصادى المحلى

يمكن للصناعات الثقافية أن توفر فرصا محلية للعمل الدائم، أقل تأثرا بتقلبات الاقتصاد العالمي، من وظائف مكاتب ومصانع فروع الشركات الكبرى متعددة الجنسيات، على سبيل المثال.

والصناعات الثقافية كثيفة بالبشر لا بالمال. ويثير هذا بعض القلق البيئى الذى يحيط بالتطورات الصناعية الكبيرة. ويميل المستثمرون الثقافيون داخل مدينة أو منطقة إلى الارتباط الشديد ببعضهم البعض. فهم يتاجرون فيما بينهم: حاجة الفرق الموسيقية للفيديو يجعل صناع الفيديو يستعينون بمصممى الأعمال الجرافيكية. وهذا المستوى العالى من التجارة الداخلية فى إطار الصناعات الثقافية يعنى أن إنفاق 100 استرلينى إضافية على إنتاج هذه الصناعات من شأنه إضافة المزيد من الوظائف المحلية أكثر من المائة جنيه التى تنفق على السلع القابلة للتبادل.

ويعد المستثمرون الثقافيون، الذين يعملون غالبا فى إطار شبكات تعاون داخل المدن، مثالا جيدا لاقتصاديات التقارب. فهم يزدهرون بفضل سهولة التوصل إلى سر الصنعة المحلية والضمنية طراز، طلة، صوت الذى لا يمكن الحصول عليه عالميا. وهكذا، توضح الصناعات الثقافية القائمة على سر صنعة والمهارات المحلية كيف يمكن للمدن التكيف مع السوق العالمي، الذى يبيع فيه المنتجون الثقافيون لأسواق أوسع كثيرا، اعتمادا على قاعدة محلية متميزة، يمكن حمايتها.

No automatic alt text available.

عمل من طراز جديد

يمثل المستقلون رؤية لمستقبل العمل بتقنيات جديدة، تستجيب للشباب على وجه الخصوص، ويمكن أن تؤثر فى تطور صناعات الخدمات الأخرى التى تشهد نمو الاستخدام الذاتى والمشروعات الصغيرة.

وفى الثمانينات من القرن الماضي، شاع القول بأن التكنولوجيا الجديدة تصوغ مستقبلا يعمل فيه المال دون عمال: تبشر المصانع الخالية من العمال، والمكاتب الخالية من الورق بـ “نهاية العمل”. ويمثل المستقلون رؤية مختلفة تماما لمستقبل العمل: عمال يرغبون فى العمل دون رأس مال. 3

وقد خرج مستقلو التسعينات من القرن الماضى من تقارب ثلاثة عوامل:

التكنولوجيا. فهذا أول جيل ينشأ مع الكمبيوتر ويعرف كيف يجنى ثمار قوة الحوسبة والاتصالات الحديثة. وفى عقود أسبق، أفادت قوة الكمبيوتر المتزايدة المنظمات الكبيرة بالأساس. ويشعر المستقلون بأن التكنولوجيا الجديدة تمكنهم، لا تهددهم.

القيم. أشرف على تربية المستقلين آباء كانوا فى سنى مراهقتهم خلال عقدى الخمسينات والستينات من القرن، وأصبحوا هم أنفسهم مراهقين على عهد مسز تاتشر. إنهم معادون للمؤسسة، ولكل ما هو تقليدي، ويجلّون الفردية بقوة: يقدرون الحرية، والاستقلال، والاختيار. وهذه القيم تؤهلهم لانتهاج سبيل الاستخدام والإدارة الذاتيين،بروح الاستكشاف والإشباع الذاتيين.

الاقتصاديات. دخل المستقلون قوة العمل فى أواخر ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، فى وقت كان يتعرض فيه الدعم العام للفنون للضغوط، وينكمش فيه عدد كبير من المنظمات التجارية الكبيرة. وأصبحت الوظائف فى الشركات الكبيرة أكثر عرضة للتهديد ولا يركن إليها: أصبح الاستخدام الذاتى والإدارة الذاتية خيارا أكثر واقعية.

وقد اجتمعت هذه العناصر الثلاثة التكنولوجيا، والقيم، والاقتصاديات لتجعل من الاستخدام والإدارة الذاتيين اختيارا طبيعيا للشباب فى هذه الصناعات. فالمخاطر التى يمكن أن تكون أثنت آباءهم لا تخيفهم. وقيمهم تحثهم على التصدى لإدارة العمل.وانخفاض أسعار التكنولوجيا جعل من الاستخدام الذاتى إمكانية حقيقية. وجعلت أزمة التوظيف فى المنظمات الكبيرة منه خيارا أكثر جاذبية.

إن العيش مستقلا ليس ضربا من النيرفانا، ولا هو بالضرورة وصفة لجمع المال. إنه يتيح الاختيار، والاستقلال الذاتي، والإشباع، لكنه ينطوى أيضا على الشك الدائم، وعدم الشعور بالأمان، والتغير. وكثير من الشباب يرون الاستقلال الذاتى أكثر جاذبية، إذا قورن بعدم الأمان، من العمل فى منظمة كبيرة غير شخصية. وللمستقلين طريقتهم لتقديم الوظيفة كتقييم portfolio للمشروعات والصلات والمهارات، التى تتزايد أهميتها فى قطاعات اقتصادية أخرى.

نموذج للإنتاج الإبداعى

يقدم المستقلون نموذجا للإنتاج على قدر عال من التعاونية والإبداعية، يوضح الصورة التى يمكن أن تنظم على أساسها الصناعات الأخرى فى المستقبل. وتقوم هذه الأعمال على التطبيقات التجارية للإبداع. وهذا يوحى بالكثير الذى يمكن أن تعلمه لشركاتنا الصناعية، من سلع التجزئة والمستهلك إلى البرمجية والبيوتكنولوجي، والتى يتزايد فيها دور الابتكار فى حفز المنافسة. وتنطوى الطريقة التى ينظم بها المستثمرون الإبداعيون إبداعهم على دروس تفيد الأعمال الأخرى. فالمستقلون يتحلون بقيم فردية، لكن ممارساتها تتم بأعلى قدر من التعاون. وشبكاتهم التعاونية تعد درسا أمام القطاعات الأخرى، بتقديمها لأشكال أكثر تشبيكا من التنظيم، مع عمل الناس من بيوتهم أو كـ “مراسلين إلكترونيين” يعملون لحساب أنفسهم. والصناعات الإبداعية موئل للقفزات الوظيفية المتكررة. والشراكات، والفرق والزُمَر تتشكل وتتحسن. وفى الطريق، يتحقق الانتشار للأفكار والمهارات. ويعنى عمل المشروع الذى تسوده روح الفريق أن على الناس أن يتعلموا كيف يثقون فى بعضهم بسرعة. وسيكون على الصناعات الأخرى، حيث تسود الشركات الكبيرة، أن تتعلم هذه المهارات التى تبدو لصيقة بالمستقلين.

مستقبل المدن

من المنتظر أن تلعب الصناعات الإبداعية والمستثمرون الإبداعيون دورا حاسما فى إنعاش المدن التى أصابها التدهور الاقتصادى والاضطراب خلال العقود الماضية. فالثقافة ليست مجرد مصدر للوظائف والدخل، بل وكذلك للإحساس بالثقة والانتماء. والمدن التى تستثمر بنجاح فى تجديد الثقافة تفعل هذا لا لمجرد تحقيق نمو اقتصادى بل وكذلك لخلق إحساس متجدد بالكبرياء والعزم المدني.

والمدن الحديثة لا تساوى شيئا إذا لم تكن إبداعية. فهى مراكز لأكبر جمهور من مستهلكى الثقافة وأكثرهم تنوعا، وهي، بالإضافة إلى هذا، مأوى لأكثر التجمعات الثقافية إنتاجية. وتجتذب المدن القادمين الجدد والغرباء؛ وهى أماكن يختلط فيها الناس والأفكار ويمتزجون. إنها الأماكن التى تنشأ فيها المعارف والأفكار وتُختبر، وتُكيف وتنتشر، ويتقاسمها الناس. 4 وسيلعب المباشرون الثقافيون الدور الرئيسى فى تجديد مدننا الأكبر.

أولا، غالبا ما يضع المباشرون الثقافيون أيديهم على المكاتب والمعامل والتجهيزات التى خلفتها الصناعات الأقدم الموجودة فى المدينة. والتوظيف فى الصناعات الثقافية متروبوليتانى بالأساس: حوالى 65% من الإنتاج الأصلى فى الصناعات الثقافية يتم فى المدن. 5 وتزدهر هذه الصناعات فى وسط هو نفسه إبداعى ويتسم بالحيوية. وهكذا، وبالرغم من أن الصناعات الثقافية لا تشمل بيعا بالتجزئة ولا مطاعم أو فنادق أو حانات أو مقاه، فهى قادرة فى الغالب على توفير الوظائف فى هذه القطاعات.

وثانيا، يتزايد تحول المدن التى كانت تصنف يوما باعتبارها صناعية تجارية، أكثر فأكثر، نحو الرياضة والثقافة كمصدر للكبرياء المدني. وتتزايد أهمية الثقافة فى “تصنيف” نفسها فى جذب الطلاب، والاستثمارات الداخلية، والسائحين. ومن أبرز الأمثلة الراهنة على هذه الاستراتيجية تحول سمعة بيلباو الدولية بعد إقامة فرانك جيهرى لمتحف جوجنهايم. وستكون المباشرة الثقافية على المستوى المدنى حاسمة فى غرس إحساس متجدد بالهدف، خاصة فى المدن التى أُفرغت بسبب الافتقاد إلى فرص العمل والتدهور الاقتصادي. لكن لكى تتحقق الفعالية لطريقة دعم الطلب تلك فى “إعادة تصنيف” مدينة فى صورة ثقافية جديدة يجب أن تقابلها استثمارات فى إنتاج أصيل وإبداع استثماري.

التماسك الاجتماعى

ويمكن للمستثمرين الثقافيين أن يلعبوا دورا حاسما فى تعزيز التماسك الاجتماعى والشعور بالانتماء. ويعود هذا إلى أن الفن، والثقافة، والرياضة توفر ملتقيات لأشخاص يعيشون فى مجتمع يزداد تباينا وانقساما وظلما. وكانت تلك الملتقيات يوفرها فيما مضى العمل أو الدين أو النقابات.

ويلعب الفن والثقافة دورا أساسيا فى بعض من أهم أمثلة الإدارة الاجتماعية المؤثرة، مثل مشروع Bromley-by-Bow فى إيست إند بلندن. وأتاحت الثقافة بؤرة مركزية للجدل حول ما إذا كانت الهوية الاسكوتلندية فى طريقها إلى التحلل، على سبيل المثال، من خلال افتتاح المتحف القزمى الاسكوتلندى باسكوتلندا. ويجرى استهلاك الثقافة علنا وبصورة مشتركة، وهى تساعد فى تقديم فيض من الخبرات واللغات والصور المشتركة. فكثير من موسيقى البوب، والأزياء، واللغة، والطرز المصاحبة لها، على سبيل المثال، لا يمكن تصورها دون تأثير الموسيقى السوداء التى خرجت منها. ولربما كان تأثير السود على الثقافة السائدة فى بريطانيا من خلال موسيقى البوب أكبر من أى وسيلة أخرى.

على أن نمو الصناعات الثقافية يفرض كذلك بعض التحديات المهمة على صعيد التماسك الاجتماعي. فالخريجون يشكلون نسبة أكبر فى القطاعات النامية الأسرع والأكثر شبابا، عنها فى أجزاء الاقتصاد الأخرى. وعدد المستثمرين الثقافيين من الأقليات العرقية قليل نسبيا. وهناك أيضا انقسام إقليمى معلن فى توزيع الوظائف فى هذه الصناعات: تحظى لندن بنصيب من الوظائف فى هذه الصناعات أكبر كثيرا من نصيبها فى غيرها من الصناعات.

وهكذا، وبالرغم من الدور الحاسم للاستهلاك الثقافى فى التماسك الاجتماعي، فإن هذه الصناعات الثقافية أقل شمولا اجتماعيا للتوظيف مقارنة بغيرها من الصناعات.

الخاتمة.. إمكانيات غير مدركة

يكشف ظهور المستثمرين الثقافيين عن الفشل الذريع للسياسة العامة. وهذا مثال كلاسيكى على كيف تفوق التغيرات السريعة التى تطرأ على المجتمع على التقنية، والقيم، وعادات المستهلك، وتنظيم العمل فى كثير من الأحيان قدرة السياسة العامة على التعلم والتكيف والاستجابة. وتتخلف السياسة العامة عن المواكبة للعديد من الأسباب:

* تركز السياسة التقليدية للفنون والثقافة على تقديم المنح للمؤسسات المدعومة فى مجال الفنون البصرية والأدائية. ولا تعرف الكيانات الفنية التقليدية “العامة” سوى القليل نسبيا عن المستثمرين التجاريين والثقافيين، الذين يتشككون غالبا فى الدعم العام. فهم يريدون أن يثبتوا أقدامهم فى السوق التجاري.

* عادة ما يفرق صنع السياسة على مستوى الحكومة المحلية والقومية بين إدارتى “الثقافة” و”التنمية الاقتصادية”، ولكل منهما أجندته المختلفة.

* اعتاد واضعو السياسة فى وكالات التنمية الوكالة الويلزية للتنمية ووكالة التنمية الاسكوتلندية، على سبيل المثال التعامل مع المشروعات الاستثمارية الداخلية الكبيرة التى توفر مئات فرص العمل. فهم تعوزهم المعرفة، والوقت، والأدوات اللازمة لإقامة تجمع من مئات المشروعات المستقلة الصغيرة.

* يحتاج المستثمرون الثقافيون فى الغالب إلى تنمية مزيج من المهارات الإبداعية والاستثمارية فى مراحل مختلفة من حياتهم العملية. وعادة ما تكون المؤسسات التعليمية مرنة للغاية بحيث توفر هذه المهارات عندما يحتاجها هؤلاء المستثمرون. ومن الممكن تعلم مهارات الاستثمار الثقافي، إدارة فرقة موسيقية على سبيل المثال، لكن هذا يكون دائما من خلال التجربة والمقارنة أكثر من الدراسة.

* الاستشارات الاستثمارية والتمويل، عن طريق روابط قطاع الأعمال أو البنوك على سبيل المثال، معدة بحيث تفى باحتياجات الأعمال السائدة. ويقر المستثمرون الثقافيون بحاجتهم للاستشارات الاستثمارية لكنهم يريدونها من خلال أقرانهم، لا عن طريق “رجال يرتدون البذلات”، لا يعرفون الكثير عن هذه الصناعات الجديدة.

* غالبا لا يتاح التمويل فى الوقت وبالقدر الذى يتطلع إليه هؤلاء المستثمرون. وعادة ما يحتاجون فى البداية، وهم يطورون أفكارهم، إلى مبالغ ضئيلة للغاية: عدة آلاف من الجنيهات لشراء بعض أجهزة الكمبيوتر. وغالبا ما يجدون صعوبة فى تدبير هذا المبلغ الضئيل. وفيما بعد، عندما يتطلعون لتقديم إنتاجهم الخاص، يحتاجون إلى نوع من المال المغامر. وعلى الرغم من سهولة تدبير رأس المال المغامر، فإن كثيرا من هذه المشروعات تجد صعوبة فى أن ترى النور.

وهذا العجز فى قدرة السياسة العامة هو جزء من “الوسط المفقود” المؤسسات والسياسات التى يجب أن تقوم بين هذه المشروعات الصغيرة وبين الشركات الدولية التى تغذيها فى الغالب. وجزئيا فقط نتيجة لهذا العجز، يدير كثيرون من المستثمرين الثقافيين شركات هشة، محدودة النمو، سقف الدخول أمامها منخفض، ورصيدها من الموهبة والمهارات كبير. ومشروعاتهم عادة محدودة من حيث رأس المال، وتفتقد إلى مهارات الإدارة والقوة التفاوضية للتعامل مع الناشرين والموزعين على المستوى القومى والعالمي. وبالنتيجة، لم تصل كثير من هذه المشروعات إلى كامل نموها المتوقع.

[ … ]

ويميل المستثمرون الثقافيون إلى الاستقلال لأنه يسمح لهم بالعمل بالطريقة التى يريدون، والتى يجدون صعوبة فى تبريرها فى المنظمات الأكبر. وهذا النوع من العمل أساسى فى طريقة توصلهم إلى إبداعهم وتطبيقه لتحقيق غايات تجارية. والمستقلون متحفزون للغاية ويتمتعون بأخلاقيات عمل قوية، بالرغم من التزامهم بيوم العمل أو الأسبوع التقليدي. وهم يقبلون بالحكم على عملهم عند العرض، وبالتنافس مع أقرانهم.والناس عادة لا تتحسن حالتهم إلا مع عرضهم الأخير. وهم يعملون فى بيئة شديدة التنافسية، يمكن أن تتغير فى إطارها الأزياء والتقنيات بسرعة فائقة. وتقوم طريقتها فى العمل على مكونات أربعة:

* تلغى الخط الفاصل بين الاستهلاك والإنتاج. الإبداع ومضة نادرة من التألق تحدث ثورة فى صناعة أو فرعا من فروع المعرفة. والإبداع يكون عادة تطورا إضافيا يعدل ويكيف ما كان قائما. وهذا يعنى أن على المنتج الإبداعى أن يتعلم من فيض من المنتجات التكميلية والمتنافسة، والذى لا بد وأن يقدم أفكارا لمشروعاتها. والإبداع فى هذه الصناعات هو عملية مستمرة من الاستعارة والخلط. فان تكون منتجا إبداعيا يسهم فى أن تكون مستهلكا شرها.

* تلغى الخط الفاصل بين العمل واللا عمل. حيث إن الاستهلاك وأوقات الفراغ تعد مُدخلات لعمل منتجات ثقافية، فمن الطبيعى أن تكون حصص العمل هذه أوقات الفراغ، والاستجمام، والترفيه مهمة كحصص عمل أمام خرج الكمبيوتر. فكلاهما يساهم فى توزيع المنتج الإبداعي. وكثير من هؤلاء المستقلين يقولون إن أفضل الأفكار تأتيهم عندما لا يكونون فى العمل. والتوصل إلى هذا “الوقت الميت” وتبريره حاسم بالنسبة لأى مشروع إبداعي. وهذا ينطوى على دروس مفيدة للمشروعات الأكبر التى تتباهى بالتشدد فى جداول عمل التنفيذيين التى لا تترك مجالا للتفكير فى أفكار إبداعية جديدة ووضعها موضع التنفيذ.

* تجمع بين القيم الفردية والعمل الجماعي. للمنتجين الإبداعيين عموما قواعد أساسية تحدد، على سبيل المثال، من هو المصمم، أو المخرج، أو مشغل الكاميرا، أو محرك الصور. وهذه المهارات هى إسهامهم الأساسى فى العملية الإبداعية. لكنهم يقرون بأن مهارتهم الخاصة لا قيمة لها إلا إذا استطاعت الامتزاج بمهارات الآخرين: مصممو الإنتاج، الممثلون، الموسيقيون. وعلى الرغم من وجود الكثيرين من كبار المؤدين، فإن عمل الفريق الجماعى هو القاعدة عند المستقلين. فهم يتوقعون العمل كفرق؛ وهم يتعاونون فى سبيل المنافسة.

* أعضاء فى تجمع إبداعى أكبر. يمكن للتجمعات الإبداعية تقديم الأفكار، والصلات، والمهارات التكميلية، ومواقع ومنافذ فى السوق. وهى تباشر عملية منافسة شديدة إلى جانب تشجيع التعاون والمشاركة. وهذه التجمعات الإبداعية تتشكل بصورة دائمة فى المدن، وغالبا حول المراكز: الجامعات، ومراكز الفنون، وأماكن العمل أو الإذاعات المدارة.