تسعون عاما على مولد الفنان الكبير سعد الجرجاوى   بقلم د. مجدى يوسف   تحل الذكرى التسعون لميلاد المصور والنحات المصرى الكبير سعد الجرجاوى ( 1926 – 2013) الذى رحل

1138-1

تسعون عاما على مولد الفنان الكبير سعد الجرجاوى

 

بقلم

د. مجدى يوسف

 

تحل الذكرى التسعون لميلاد المصور والنحات المصرى الكبير سعد الجرجاوى ( 1926 – 2013) الذى رحل فى المهجر فى مدينة «إنجولشتات» بجنوب ألمانيا عن عمر يناهز الستة والثمانين عاما مخلفا وراءه كما كبيرا من الأعمال الفنية التى يغص معظمها بعطر الوطن. كان سعد، كما وصف له نفسه فى خطاباته، يعيش فقط بجسده فى ألمانيا، وإن كان مسكونا بمصر التى ظل يعشقها حتى رحيله. وأترك له كلماته ليعبر بها عن هذا العشق فى خطاب له موجه إلى بتاريخ 13 نوفمبر 2006، أى قبل رحيله بقرابة السبعة أعوام: «… هأنا أرسل لك هذا الطرد ويحتوى على (صور فوتوغرافية – م. ى. – ل) 37 عملا من مرحلة حياتى الأخيرة التى هى الثالثة إذا اعتبرنا أن كل مرحلة تستمر لمدة 20 سنة. الأولى حتى الأربعين، والثانية حتى الستين، والثالثة والأخيرة حتى الثمانين.. (…) أرجو أن تكون قد وصلتك. اهتمامى بهذا الموضوع ينبع من إيمانى بأن الفنان المصرى الذى ولد فى مصر ودرس فى مصر، وكانت له أنشطة فنية لمدة عشر سنوات فى مصر منذ تخرجه فى عام 1951 حتى سافر إلى الخارج فى عام 1961 واستمرت إقامته فى الخارج حتى يومنا هذا. أقول إن هذا الفنان لا يجوز أن ينسى أو يهمل أو تهمل أعماله.. لأنه وإن ترك مصر وعاش فى الخارج بعيدا عنها فهو تركها بجسده فقط، ولكنه يعيش فى مصر- كل يوم وكل ساعة- نهارا فى أعماله وأفكاره وليلا فى أحلامه.. فهل يجوز أن تنسى مصر «الأم» هذا الابن؟ إنى أستخسر ترك أعمالى للخواجات بعد وفاتى (…) ومن حسن الحظ أنك أنت الشخص الوحيد الذى يهمه أن تظل مصر تذكرنى.. أشكرك سلفا وأنا طبعا مستعد لأن أقدم لك كل التسهيلات الممكنة إذا أحببت أن تكتب عنى بشكل جدى.. أرجو أن أسمع منك وأدعو الله أن يوفقك فى تنفيذ أفكارك التى هى أيضا تنبع من حبك لمصر..

أخوك

(إمضاء) سعد

وإذا كنت قد نشرت هذا الخطاب الموجه إلى من الفنان عقب رحيله فى 8 ابريل 2013 فإنى أعيد نشره هنا لأنه يضع «خريطة» لمراحل أعمال الفنان كما وضعها قبل رحيله. وإن كنت فى الحقيقة أرى أنه يمكن تحقيبها على نحو آخر. المرحلة الأولى تبدأ بالتحاقه بكلية الفنون الجميلة فى القاهرة فى عام 1946 عن تسعة عشر عاما، أما الثانية فبعد تخرجه مباشرة فى الكلية فى عام 1951، وخروجه للحياة العامة ليسجل بعين الفنان ما تجيش به نفسه من مناظر الطبيعة والحياة، ولا تغيب عنه بالمثل حسناوات الطبقة الثرية فى مجتمع تلك الحقبة فى مصر، فيغريهن بتصويرهن ليدفع أزواجهن بعدها أثمان لوحاتهن صاغرين حتى لا يحتفظ بها الفنان لنفسه..! لكن بعيدا عن هذه الحالة من التوتر بين الزوج الغيور على زوجه، والفنان السعيد بتصويره لها، نجد الطابع الأكاديمى غالبا على أعمال سعد الجرجاوى، وهو ما ينم عن تأثره البالغ بأساتذته فى كلية الفنون الجميلة الذين دان لهم بالحب والإكبار: بيكار، وأحمد صبرى وعز الدين حموده الذى كان يعشق لوحاته..

وبعد فترة دامت بعد تخرجه فى كلية الفنون الجميلة فى عام 1951 عمل فيها فى مجال التربية الفنية بوزارة المعارف المصرية، ثم رساما هندسيا بشركة «هوختيف» الألمانية فى أسوان، سافر إلى الكويت فى عام 1961 ليلتحق بمجلة «حماة الوطن» مخرجا فنيا لها ورساما لأغلفتها التى ذخرت بتصويره لطقوس الحياة البدوية التى كانت وما زالت طاغية آنذاك فى الكويت.

إلا أنه ما لبث أن شد الرحال إلى ألمانيا الاتحادية بعد أن جال فى ربوع أوروبا وأمريكا، ليستقر أخيرا فى ميونيخ بألمانيا منذ عام 1963، ويلتحق بمعهد جوته هناك لتعلم الألمانية، وبقسم العمارة فى الجامعة التكنولوجية فى تلك العاصمة البافارية. وكان فى تلك الأثناء كثير التردد على كاتب هذه السطور فى مدينة كولونيا حيث كنت أعد رسالة للدكتوراه فى علم النفس قبل أن أكلف فى عام1965 بتأسيس دراسات الثقافة العربية الحديثة فى قسم الدراسات الشرقية بالجامعة العريقة لتلك المدينة، وكانت ثقافتنا العربية المعاصرة حتى ذلك الوقت مجهولة هناك، بل وغير معترف بها فى الجامعات الألمانية التى كانت تتوقف الدراسات العربية فيها عند مقدمة ابن خلدون كـ«أحدث» أثر فكرى وثقافى عربى!

تزوج سعد فى عام 1970 بألمانية تدعى «روزيمارى» أو باسمها المختصر «روزى» حيث علمها الأناشيد والأغانى الشعبية المصرية وأنجب منها «منة الله» و«فطين» (لاحظ مدى تعلقه بمصر فى تسميتهما، وهما اللذان ولدا وعاشا كمواطنين ألمانيين، ولم يخطر بباله أن يختار لهما أسماء غربية على غرار ما يفعل الكثير من المهاجرين العرب عندما ينجبون ذرية لهم هناك!).

1138-1

وما لبث سعد أن التحق فى عام 1973 مدرسا للتربية الفنية بمدرسة ثانوية لتعليم الفتيات الألمانيات فى مدينة نورنبرج إلى أن أحيل للتقاعد وصار «متفرغا» تماما لفنه فى محترفه بالقرب من تلك المدينة فى ضاحية «فنكيلهايد». وهناك كان له لقاء أسبوعى فى كل أربعاء مع الجالية العربية فى نورنبرج التى كانت تذخر بالأطباء والمهندسين وسواهم من المهنيين. وفى أحد أعياد ميلاده احتفلت به الجالية العربية فى نورنبرج بأن فاجأته براقصة شرقية اعتلت المائدة لتقدم «نمرتها».. إلا أن زوجة سعد ما لبثت أن ورثت منزلا فى مدينة «إنجولشتات» فى جنوب ألمانيا، مما أدى به لأن ينتقل مع أسرته للسكن الجديد وكان قد تعدى الثمانين من العمر.

خصصت له زوجه الطابق الثانى من الدار ليكون مرسما رحبا له، حيث أنتج فيه مئات اللوحات المائية على وجه الخصوص. إلا أنه ما لبث بعد بضعة أعوام أن اضطر للخضوع لعملية قلب مفتوح ظل بعدها عليلا حتى توقف تماما عن الإنتاج الفنى على العكس من نشاطه الدائب من قبل، إلى أن وافته المنية فى أحد أيام شهر إبريل من عام 2013.

وما زالت أعمال سعد الجرجاوى قابعة حتى يومنا هذا فى مرسمه فى مدينة «إنجولشتات» بعيدا عن بلده مصر الذى عشقه وتمنى أن تكون لأعماله الفنية فيه حياة أخرى لدى أهله وناسه الذين أحبهم وصار يحلم بهم طوال مهجره..

فمتى يهتم متحف الفن الحديث فى القاهرة باقتناء ما تيسر من أعماله التصويرية والنحتية التى قام بها فى المهجر الألمانى لا سيما وأن له فى هذا المتحف بعض أعماله السابقة على هجرته فى عام 1961، كما أنه حل ضيف شرف على بينالى القاهرة التاسع فى 2003؟