الفنان «الجميل» شفيق وداعا فارس الجياد.. وملاحم الأبيض والأسود     صلاح بيصار   عن عمر يناهز 78 عاما رحل عن عالمنا الفنان جميل شفيق الذى وافته المنية بالأقصر فى

81d897e8-831b-4b8b-bdf6-ae8d246576f5

الفنان «الجميل» شفيق وداعا

فارس الجياد.. وملاحم الأبيض والأسود

 

 

صلاح بيصار

 

عن عمر يناهز 78 عاما رحل عن عالمنا الفنان جميل شفيق الذى وافته المنية بالأقصر فى حضوره للدورة التاسعة لملتقى الأقصر الدولى للتصوير.. رحل بعد رحلة من التوثب فى الإبداع تألقت بملاحم الرسم بالأبيض والأسود.. وما أشبهه بعازف الناى يشجى ويسعد ويطرب بتلك الغابة البسيطة المقطوعة من ساق فى قلب الطبيعة يتردد أصداؤها فى الزمن ودنيا الناس.. وقد حقق فناننا درجة كبيرة من السطوع إلى حد التوهج مع تلك الثنائية من الأبيض والأسود وما بينهما من تنو ع فى الدرجات تنساب بسن رفيع تشكل من واقع الحياة اليومية ورموزها من المرأة والسمكة والقط مع حصانه الذى جعل منه أسطورة فنه واقعا جديدا مسكونا بالرمز والحس السريالى الذى يتعانق وآفاق الكون ينتقل من الفيزيقى والطبيعى الى الميتافيزيقى الذى يفيض بالروح ومعنى القلق فى حياتنا المعاصرة.. ينقلنا خلاله إلى دنيا التساؤلات: من وإلى أين نبدأ وتتجه بنا الحياة.

طنطا ومولد البدوى

ينتمى الفنان جميل شفيق الى مدينة طنطا.. مدينة السيد البدوى «أبوفراج» صاحب الهامات والكرامات والاحتفال بمولده الذى تحتشد له الدنيا الشعبية يمتلئ بأنفاس البشر ممن يأتون اليه من كل مكان من اقاليم مصر.

وفتح عينيه من بعد مولده فى اغسطس من عام 1938على تلك المباهج الشعبية من السيرك بصور الخوارق والاسود ولاعبى الاكروبات والترابيز والاطباق التى تنساب فى الهواء مع الونش وشجيع السيما.. وفى الجانب الاخر موكب الخليفة والطرق الصوفية وحاملى البيارق والاعلام والشارات بشتى الالوان الصداحة.. لكن كان اشد ما يطربه وسط تلك الصور رقصات الحصان ولعبة التحطيب.. كان الحصان الذى يمتطيه الخليفة يخطو فى هدوء مجسدا لحظات الخشوع والابتهال بينما يرى فى الصورة الشعبية لرقصات الحصان مع الطبل البلدى ما جعله يستقر فى وجدانه بين الصورتين الصورة الهامسة والصورة الراقصة والذى سيكون محور اعماله فيما بعد.. وامتلأ شفيق بالطبيعة البكر من تلك الاشجار التى تقف فى فى تشابك من الحور والصفصاف والتوت على شاطئ الافرع الصغيرة للنيل.. هناك كان يجلس بالساعات عند ترعة الشيتى فى انتظار الذى يأتى ولا يأتى فى صيد العصارى وكانت السمكة التى ينتظرها بفارغ الصبر رمزا اخر من رموزه التى شكلت عالم الحلم والخيال مع الحصان فى لوحاته.. والتى تعد رمزا للتكاثر والتناسل والرزق الوفير وهى رمز شهير ذائع الصيت بين مفردات الفن الشعبى.

Image result for ‫جميل شفيق‬‎

الفنانون الثلاثة

فى مدرسة الاحمدى الثانوية كان على لقاء مع ثلاثة من الزملاء اصبحوا فيما بعد نجوما كبارا فى الفن وكانوا معا فى جماعة الرسم والتربية الفنية.. حجازى احد اعمدة المدرسة المصرية الحديثة للكاريكاتير مع جاهين.. والذى كان يبهره برسومه الغزيرة الموزعة على حوائط الفصول.. والمثال عبد الهادى الوشاحى استاذ الفنون الجميلة والفنان فؤاد تاج الدين الاستاذ بكلية الفنون الجميلة بالاسكندرية حاليا.. وكان متفوفا معهم فى الرسم وتشكيل المجسمات من عرائس النحت ولضعفه فى الرياضيات كان يهرب من الدروس الى حجرة التربية الفنية.. ويظل يرسم بلا توقف حتى ينتهى اليوم الدراسى.. وكان ان التحق بالفنون الجميلة عام 1957قسم التصوير.. كان ينتمى الى دفعة من اقوى دفعات الكلية والتى كانت تضم معه :صانع الكتب محيى الدين اللباد والناقد الفنان عز الدين نجيب ونهى برادة مصممة ديكور المسرح واسماعيل دياب رسام اغلفة الكتب والناقد والفنان مكرم حنين ود. عبد الغفار شديد الاستاذ بالكلية.. ودرس على ثلاثة من الاساتذة الكبار : بيكار وعز الدين حمودة وعبد العزيز درويش.

999888

رسام المجلة الزراعية

الصدفة وحدها قادته الى العمل بالرسم الصحفى بالصحافة وهو ما زال طالبا بالفنون الجميلة.. ففى عام 1958 اسس محمد صبيح المجلة الزراعية عن دار التعاون بهدف تنمية ثقافة الفكر الزراعى وتطوير السياسة الزراعية وحققت المجلة منذ صدورها نجاحا كبيرا من جمهور القراء بمادتها العلمية المتخصصة فى صور جذابة خاصة وقد شارك فى تأكيد شخصيتها الفنية نخبة من الفنانين الكبار امثال عبد السلام الشريف وحسن فؤاد وزهدى وبهجت عثمان وكان معهم استاذه ممدوح عمار الذى رشح فى بعثة دراسية الى الصين فأناب تلميذه جميل للعمل رساما بالمجلة بدلا منه.. واستمر بعد تخرجه بها وكانت فرصة للتعرف على اقاليم مصر التى تتنوع مع وحدة شخصيتها فسافر فى ارجائها فى كل اتجاه من الواحات الى سيناء والى النوبة.. «ومن وحى تلك الرحلات كانت لوحته «عرس صحراوى» التى شارك بها فى بينالى الاسكندرية بعد ذلك بخمسة عشر عاما».. وقد جعلته المجلة الزراعية اكثر قربا من الناس واكثر وعيا بميولهم واهوائهم فيما يتعلق بالثقافة والصحافة.. وتنوعت تجاربه فى الرسم الصحفى بالمجلات الثقافية مثل مجلة المجلة التى كان يحيى حقى رئيس تحريرها ومجلة الفنون الشعبية للدكتور عبد الحميد يونس والتى كان يقوم بالاخراج الفنى لها رائد الاخراج الصحفى عبد السلام الشريف.. وقبل ان يلتحق للعمل بالمنظمة العربية للعلوم والثقافة عام 1979.. كانت له رسوم بصحيفة الاهرام ويكلى.. ولقد اتاح له العمل بالمنظمة فى زيارة الدول العربية مع دوره فى الارتقاء بالثقافة البصرية من خلال مجموعة الكتب التى رسمها لمحو الامية عن طريق الصورة المرسومة.. وهى صور تعليمية لكن تتميز بحس تعبيرى يرتقى بإحساس البشر.

وفى عام 1984 بعد ان ترك المنظمة العربية للعلوم والثقافة تفرغ للفن واحتشد بكل طاقاته التعبيرية من اجل تلك الشلالات من الاضواء والظلال والتى اختزل فيها الزمن ووصل فيها الى درجة رفيعة من الاداء مع اختلاف العالم.. من عالم الصحافة والكتاب.. ورسالته التعليمية ذات القاعدة الجماهيرية الكبيرة الى عالم اللوحة.. تحديدا لوحة الرسم التى انسابت فيها ريشته بطلاقة تعبيرية من دنيا الرمز والروح السريالية الى تعبيرية جديدة.. حتى قال له المثال ادم حنين: «من خلال رسومك بالابيض والاسود ادهشنى انك عثرت بداخلك على هذا النور فى نفسك التى لم ينجح أن يفسدها هذا الزمن الصعب وتلك الظروف المتراكمة التى عشناها.. ولم يكن يخرج هذا الشعور بالنور وكان شيئا مستحيلا إلا بالتواضع والأمانة وليس من الغريب أنك لجأت إلى الأبيض والأسود ولم يهزك اللون ولكن كان النورهو الذى يهمك».

وهنا اندفع بكل طاقته بتعبير استاذنا مختار العطار بلغة الشكل والخط والملمس والظلال والأضواء والايقاع والتكوين والرموز والاشارات بأسلوب يمزج فى لطف بين الواقعية والشاعرية الرومانسية فى تكوينات غامضة ولكنها مثيرة وجذابة ومقروءة.

Image result for ‫جميل شفيق‬‎

.. وعالمه

اذا كان فن الرسم يعد احد التعبيرات البصرية الاساسية لتشكيل صورة ذات بعدين.. وهو ابداع على السطح التصويرى يجسد من خلال الخطوط والمساحات بالقلم او الفرشاة ايحاء مرئيا ويمتد من الرسوم والدراسات السريعة المسكونة بالانفعال اللحظى الى اللوحات المكتملة التى تحفل بثراء التشكيل.. فلا شك ان اعمال الفنان جميل شفيق تمثل ايقاعا فريدا فى فن الرسم وقد اكد من خلال تنوع الدرجات اللونية ان الاقتصاد اللونى يعد بمثابة فلسفة فى التعبير وان اللون الواحد مع تنوع التنغيم من درجات السلم الموسيقى البصرى قادر على ان ينافس بطابعه الدرامى الاخاذ شتى الدرجات اللونية الباردة والساخنة.. من الالوان الطيفية الهامسة الى الالوان الصاخبة الجهيرة.. وان يوازى فى قيمته التعبيرية اعمق اللوحات الملونة وقد يتجاوزها.

ومن خلال تنوع المفردات.. مفردات الفنان جميل شفيق والتى اصبحت علامات ايقونية على عمق فنه مثل الحصان والمرأة والرجل والسمكة والطيور والاشجار مع الموجات التى تختلط علينا ما بين الكثبان وموجات الماء.. جاء عالمه ممتدا بلا انتهاء مشبعا بالرمز والغموض احيانا وفى احيان اخرى يتعانق مع الاحلام وما فوق الواقع بروح سريالية تغوص فى اعمق اعماق الانسان وتحلق مع الاشياء فى افاق جديدة وغريبة.. وفى بعض الاحيان يبدو عالما بسيطا وفى احيان اخرى عالم من التركيب والتعقيد يخفق بالاسطورة المستمدة من واقع الحياة.

فى احدى اللوحات يمتد الحصان بعرض اللوحة ممشوقا يكاد يطير من فرط الخفة والرشاقة بين جموع من النساء اشبه بحاملات القرابين وفى مقدمة اللوحة يتوحد رجل وامراة بلا تفاصيل وبينهما سمكة فى سكون تام وتكرارية من مشهد ثنائى.. انها صورة لحال الانسان.. انسان الزمن المعاصر الحائر بين السفر والرحيل وثقل اللحظة التى يتوحد فيها ادم وحواء قابضين على سمكة..

تتكرر فى لوحة ثانية ما بين الضآلة والضخامة حيث يتصدر المشهد سمكة ضخمة يحملها خمسة شخوص وتتناثر الاسماك واقفة فى الفضاء على جذور اشجار ناتئة وفى المقدمة امرأة تحتضن سمكة اخرى.. وهى صورة يتعانق فيها الممكن بالمستحيل تخرج فيها الاسماك من الماء تنبض بالحياة خارج محيطها وسكنها الماء.. وفى مشهد تطل حواء خارجة من هدير الماء محفوفة بالاسماك والجياد.. محفوفة بالتوالد والاخصاب.

وتتنوع الابعاد والمسافات العرضية فى لوحة الجياد التى تتحاور وتتحدث وتهمس فى ثنائيات عديدة وثلاثيات ويبدو القمر بهيئة بدر معلق فى الافق.. مع تنوع وثراء الدرجات اللونية.. وفى مشهد بسيط وعميق يطل من لوحة اخرى عازف الناى مع امرأة مسكونة بالحركة والحيوية.. تعلن بايحاءات الجسد رقصة للحياة التى لا تتوقف بل تستمر فى الدوران.

وعناصر الفنان شفيق هنا تبدو ذات شخصية واضحة المعالم تبوح بأسرارها كل عنصر حالة وكل حالة زمن وايقاع.. ولعلنا فى اعماله ندرك سر الطيور المكبلة داخل اقفاص فى حضرة امرأة جالسة فى فضاء اللوحة تعلن عن معنى انسان العصر المكبل فى الوجود.

وحصان جميل شفيق يبدو اشبه بحصان الحكايات هادئا ممشوقا منمقا ناشرا عرفه من فرط الخفة والرشاقة يبدو طاغيا فى حضوره مجسدا ايقاعا سرياليا كما فى لوحة مع رجل وامراة عاريين.. الرجل يعزف على العود والمرأة تحتضن قطا.

مجسمات طرح البحر

فى رحلته مع الابداع لم يكتف جميل شفيق بأعماله فى فن الرسم بين دراما الابيض والاسود وتجليات واشراقات عناصره الايقونية.. بل انتقل الى حالة اخرى تنتمى لفن النحت من خلال توليفات لمجسمات نحتية من وحى ما يلفظ البحر من نفايات خشبية لمخلفات من حطام المراكب الغارقة وبقايا معارك البشر من القراصنة على مر السنين تحولت على يديه وبلمسته الى اسطورة جديدة تؤكد معنى الفن.. وقد قاده لهذا الاتجاه تعايشه مع البحر بكل صوره «طوال اقامته بالساحل الشمالى» حين يفيض ويغضب ويهدأ ويثور بما فيه.. يفرغه على الشاطئ محملا باسرار الناس الذين رحلوا عبر ازمنة سحيقة. ومن خلال توليفاته مع الاضافة والاختزال حافظ على جوهر منحوتاته فجعلها نابضة ناطقة بشخصيتها بلا مسوح لونية محتفظة باسرارها مع تعاقب الاحقاب والحضارات.. وما اجمل شخصية حواء وقد اكسبها روح المرأة المصرية التى تتواصل شخصيتها فى التاريخ.

**

بين المسطح والمجسم.. وبين لوحة الرسم والتشكيل النحتى وبين البدايات فى الفن الصحفى من الرسوم والتصميم كانت رحلة فناننا جميل شفيق.. رحلة مفعمة باللمسة العميقة.. تحية الى اعماله وسلام عليه راحلا الى دنيا الله مع نهاية 2016.