حصة الموسيقى خط الدفاع الأول ضد الإرهاب   بقلم : محمد صالح   في كتابه “صدام الحضارات” يلفت صامويل هانتنجتون الأنظار إلى أنه على العكس من انفصال الدنيوي والروحاني في

image

حصة الموسيقى خط الدفاع الأول ضد الإرهاب

 

بقلم :

محمد صالح

 

في كتابه “صدام الحضارات” يلفت صامويل هانتنجتون الأنظار إلى أنه على العكس من انفصال الدنيوي والروحاني في الغرب عبر التاريخ «أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله – إنجيل مرقس»، إلا أنه في بقية العالم فـــ “الله هو القيصر «الحاكم» في الإسلام، والقيصر هو الله في اليابان والصين، أمّا في الأرثوذكسية فالله هو الشريك الأصغر للقيصر”.

الحقيقة هي أننا لن نتمكن من الحياة في هذا الجزء من العالم بلا إله، ويبدو الحديث عن “زيادة عدد الملحدين” و”الانفلات الأخلاقي والعقائدي” ساذجا مجافيا للمنطق وغير ذى معنى، بل وبعيدا عن فهم طبيعة المجتمع المصري “المتدين بطبعه”، لكن ما نسعى إليه هو فصل الدين عن الدولة بشكل كامل وقاطع ونهائي بات، فهذا ما نراه الطريق الوحيد لدولة ديمقراطية حديثة، وظيفتها توفير الحد الأدنى لوسائل الحياة الآدمية لكل مواطنيها، والفصل في النزاعات التي قد تنشأ عن تقاطع دوائر المصالح بينهم، أو بينهم وبين مؤسساتها إلخ إلخ. وهي جميعا أمور  ذات طبيعة دنيوية بحتة لا علاقة لها بالدين من قريب أو بعيد، فالأسفلت ومترو الأنفاق والروافع والأوناش والأنفاق والجسور والمجاري والصحة أشياء لا تتغير ولا يجب أن تتغير بتغير الدين، فالمواطن.. أي مواطن على أرض مصر له الحق في حياة آدمية بصرف النظر عن ديانته، لذلك يصبح من غير المنطقي أن تنص الدولة المصرية في دستورها على نظام جمهوري ديمقراطي يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون في المادة الأولى من دستور ٢٠١٤، ثم تلي هذه المادة مباشرة مادة أخرى تجبّها وتتحدث عن مبادئ الشريعة الإسلامية بوصفها الـ «مصدر» الـ «رئيسي» للتشريع في الدولة التي يسكنها أقباط تزيد نسبتهم على ١٠٪ من السكان، ثم تأتي مستندات الدولة لتكمل الصورة وتقسم من خلال خانة للديانة الشعب المصري إلى فريقين: مسلم ومسيحي، ما يجعل الوهابية المتغلغلة في نخاع هذا المجتمع عبر أربعة عقود أو يزيد تستثمر تلك التفرقة “الرسمية” لتغذّي روافد ثقافة رفض الآخر، والنعرات الطائفية، ولترسّخ العداء بين الفريقين، فيأتي رد الفعل من الطرف الآخر مساويا في القوة مضادا في الاتجاه، فتغلق الكنيسة أبوابها على فريق لا يقل تطرفا عن الفريق الآخر، ولتصبح هناك مستشفيات قبطية وأخرى خيرية إسلامية، وملاجئ أيتام قبطية وأخرى خيرية إسلامية عوضا عن مستشفيات وملاجئ الدولة، وليصبح المواطن المصري البسيط مضطرا للجوء إلى طائفته قبل أن يلجأ إلى حكومته وإلى دولته.

47635

لقد تدهورت المدارس الحكومية لتفتح الطريق لطابور طويل من تجّار التعليم لحساب مدارس خاصة وأخرى تجريبية وثالثة لغات ورابعة دولية وخامسة بريطانية وفرنسية وألمانية، وأصبح ما يربط جميع المدارس وفقا لرقابة وزارة التربية والتعليم هو مادتي اللغة العربية والدين وامتحانات الثانوية العامة لمن يرغب في الدخول إلى الجامعة المصرية، وعلى نحو شكلي لحفظ ماء الوجه لا أكثر، أمّا ماذا يدرس أبناؤنا المصريون على اختلاف طبقاتهم وطوائفهم ومشاربهم، فعلم ذلك عند الله وحده، أو ربما عند رجال الأعمال أصحاب هذه المدارس على اختلاف مستوياتها ومصاريفها. تدهورت أيضا مستشفيات الحكومة لحساب جمعيات خيرية تتبع المساجد والكنائس كما أسلفنا، ومستشفيات خاصة تختلف باختلاف الطبقة الاجتماعية فأصبح لجوء المصري البسيط لمسجده وكنيسته حتميا بغرض العلاج المخفّض أو ربما المجاني. كما تدهور حال المواصلات العامة لصالح امبراطورية شركات النقل الخاصة التابعة للمحافظات، وامبراطورية الميكروباص، والتاكسي، ومافيا تجارة السيارات التي شجعت ملايين المصريين على الاقتراض من أجل امتلاك سيارات خاصة «ولو صغيرة» لتصبح شوارع القاهرة وسائر عواصم المحافظات والطرق السريعة على حد سواء مزدحمة وعاجزة عن تحمل ذلك الكم الرهيب من سيارات تحمل في أحيان كثيرة راكبا واحدا، لسبب بسيط وهو أن نسبة زيادة السيارات الخاصة أضعاف نسبة زيادة أتوبيسات النقل العام ووسائل النقل الجماعي.

إن الدستور عقد اجتماعي بين المواطنين القاطنين على قطعة من الأرض «الوطن» يفسر علاقتهم ببعضهم البعض، وبالدولة التي يجب أن يربط سكانها الدستور والجيش الوطني والمرافق العامة.. الأماكن التي يتعيّن أن تلتقي فيها جميع أطياف الشعب، فالدولة بالمفهوم الحديث يجب أن يلتقي أبناؤها في تعليم جامع يصهرهم جميعا «تماما كما يحدث في المؤسسات العسكرية ومراكز وهياكل التدريب الخاصة بالقوات المسلحة، وهو ما يجعل الجيش مؤسسة وطنية صلبة يجتمع حولها وفيها ومن أجلها كل المصريين بكل طوائفهم وخلفياتهم الاجتماعية والجغرافية بعرض البلاد وطولها»، ويجب أن يعالَج مواطنوها على اختلاف مستوياتهم وطبقاتهم في مستشفيات تجمعهم ولا تفرقهم، تتضمن الحد الأدنى المقبول والآدمي للرعاية الصحية، ويجب أن يلتقي مواطنوها في مواصلات عامة محترمة آدمية تجمع أستاذ الجامعة بالعامل، والفلاح بالمهندس، وحينما يلتقي المواطنون في التعليم والصحة والمواصلات إلى جانب مؤسسات الدولة الإدارية والجيش، تصبح حينها الدولة دولة، ويصبح الشعب شعبا، وتصبح الأرض وطنا.

من هذه الزاوية، نحن لم نعد شعبا واحدا، بل شعوبا متعددة وطوائف مختلفة تنضوي كل منها أولا تحت لواء الطائفتين الأساسيتين، ثم تحت تصنيفات طبقات أخرى اجتماعية وجغرافية واقتصادية ومؤسساتية ومن هنا أصبح البعض من أبناء شعبنا لا يعرف شيئا عن مواطنه في منطقة جغرافية أخرى، أو في طبقة اجتماعية أخرى، بل إن بعض المواطنين في مدينة واحدة لم تعد تربطهم أي ثقافة مشتركة، وهو أمر جد خطير. تزامن ذلك مع اختفاء الفن والثقافة والرياضة في مدارسنا «التي لم تعد مدارس ذات طبيعة واحدة ولا حتى متقاربة!»، فلم تعد هناك حصة للموسيقى، ولا حصة للرياضة، ولا فريقا للمسرح، ولا مجموعة للفن التشكيلي. السبب أن تلك الأشياء لم تكن مهمة طوال عقود مضت «ولا تزال ربما!»، فنشأت أجيال جافّة، بليدة الحركة، سقيمة الخيال، تعوّدت على القبح فتعوّد القبح عليها، واستمرأت القبح ليصبح القاعدة لا الاستثناء في شتى مناحي الحياة. لهذا السبب تحديدا ظهرت أنشطة أخرى طائفية ملأت فراغ الفنون والثقافة، أنشطة دينية تتدرج بين الاخوانية والسلفية والجهادية حتى وصلنا إلى جمعة قندهار الشهيرة «مليونية الإسلاميين في ٢٩ يوليو ٢٠١١ لتوجيه رسالة تأكيد إلى المجلس العسكري للقوات المسلحة “إسلامية الدولة المصرية”» التي أظهرت بتجلّ وجلال حقيقة ما أصبح عليه المجتمع المصري، والتغيّرات الهائلة التي بدأت في السبعينات، وأتت بثمارها الواقعية بعد ثورة يناير ٢٠١١.

4764

إن المآسي التي نطالعها حولنا في أنحاء الشرق الأوسط من ليبيا إلى العراق ومن اليمن إلى سوريا لم تبدأ بالربيع العربي، وإنما بدأت بانتشار التطرف والجهل والفقر والمرض بين قطاع واسع من الجماهير، وقل تحديدا بعد استثمار المستبدين لهذا الجهل كوسيلة لاستدامة السلطة واستغلالهم التطرف كفزاعة للمعارضين، وليست كل نظريات المؤامرة التي نسجتها خيالات “الزعماء” سوى تجسيد لخيال عنين، وتنويعة على عجز الحكام والسياسات عن استيعاب طاقات الشعوب وآمال الجماهير، فمن يعجز عن تصور المستقبل، ويعجز عن تخطي الماضي، هو من يتمسّك بالحاضر وبالعرش وبالسلطة ظنا منه أن شمس الغد لن تسطع أبدا وأن فجر الحرية لن يأت يوما. لذلك أريقت الدماء وأصبحت منطقة الشرق الأوسط سوقا نشطة لجميع أنواع السلاح حينما أتى فجر الحرية، وفاجأ الشعوب قبل حكامها، وهي شعوب في أغلبها فقيرة جاهلة انتهكتها هياكل التطرف وتجارات أوهام القرون الوسطى، كانت نتيجة الحرية فصائل وألوية وجبهات وتنظيمات، يحارب بعضها بعضا، ويحاربون في الوقت نفسه طواحين الهواء، ويقتلون الإنسان والشجر والوطن. لقد أصبح الشرق الأوسط منطقة موبوءة من العالم يحارب فيها الجميع ضد الجميع.

لم يأت ذلك كله من فراغ، وإنما أتى من خانات الديانة، وخانات القومية، وخانات العرق، وخانات النوع للتفرقة بين المسلم والمسيحي والسني والشيعي والإثناعشري واليزيدي والبهائي، وبين الأكراد والكلدانيين والعلويين والأقباط والعرب وبين النوبيين والحوثيين والسودانيين الشماليين والجنوبيين وبين الرجل والمرأة وبين الغني والفقير.. إلخ إلخ إلخ. كل ذلك أتى من عجز الدولة والدول عن التعامل مع مواطنيها لا تعاملا طائفيا، وإنما تعامل إداري إنسانD بين مواطن ودولة ينتمي إليها ترعى مصالحه ويحافظ هو على سيادتها وتكامل أراضيها واستقلالها.

إن ما نسعى إليه من دولة ديمقراطية حديثة كما ينص الدستور يبدأ حيث يأتي إلينا التلاميذ فنعلّمهم مواضع التشابه لا الاختلاف، ونعلّمهم مواطن التقارب لا التباعد، ونفتح لهم آفاق الصوت والصورة واللون والخط والكتلة وبراح الثقافة والمعرفة التي تجمع البشر لا المعلومات التي تضعهم في فرق وجماعات وطوائف، إن ما نسعى إليه من دولة ديمقراطية حديثة يبدأ من حصة الموسيقى، ومناهج الموسيقى، يبدأ من حصة التربية البدنية ومن مناهج التربية البدنية «والتربية البدنية هنا لا تعني كرة القدم وحدها، وإنما تعني التربية البدنية بمفهومها الشامل»، يبدأ من حصة الرسم، ومناهج الرسم ومخاطبة مشاعر الإنسان وقدرته على الإحساس بالألوان والخطوط الكتل، يبدأ من فريق المسرح الذي يكرّس عند النشء أصول العمل الجماعي، والإحساس بالإنجاز، ويوسّع المدارك والخيال عند التلاميذ. ثم بعد ذلك تأتي الثقافة ممثلة في الكتب والعروض المسرحية والحفلات الموسيقية ومعارض الفنون التشكيلية لتكمل ذلك الطريق.

ذلكم هو خط الدفاع الأول ضد الإرهاب، وخط الدفاع الأول ضد التطرف، ذلك هو حصن الأمان للأجيال الجديدة حتى لا تقع في براثن التطرف والإرهاب، فالمواطن الذي يدرك أن مصلحته هي مصلحة دولته وأن مصلحة أبنائه هي ذاتها مصلحة حكومته، هو المواطن الذي يدافع عن الدولة «مصدر مصلحته» قبل الأجهزة الأمنية، ويذود عن وطنه ضد الأعداء في الداخل والخارج، بعدما أدرك أن وحدة الأرض واللغة والثقافة والآمال هي ما يربط أبناء الشعب الواحد لا الطوائف والأعراق والقوميات، فهل يأتي ذلك اليوم الذي نعي فيه تلك الحقيقة؟