مات جميل امبارح   بقلم : هبة حلمى     يستيقط بعد الشمس قليلا. يأخد “المقشة” ويذهب إلى التراس، يزيل آثار اليوم الفائت بعدما يكون قد أفرغ الطفايات من أعقاب

9994

مات جميل امبارح

 

بقلم :

هبة حلمى

 

 

يستيقط بعد الشمس قليلا. يأخد “المقشة” ويذهب إلى التراس، يزيل آثار اليوم الفائت بعدما يكون قد أفرغ الطفايات من أعقاب «السجاير» وتخلص من “كوبايات” سهرة أمس. فى المطبخ يغسلها ويعد الماء الساخن لشاى الصباح.

يفتت الخبز ويخلطه فوق التونة أو السردين الذى اشتراه من حمد الله ليعد إفطار قططه التى تطارده بالمواء. يضع الطبق على الأرض ويحرس القطط الصغيرة ليتأكد أنها ستأكل أولا قبل أن يهجم “الدكر” الشرس الذى ينافسهم على الطعام.

بالمخزن الجانبى يضع الأخشاب التى أرسلها له البحر، يرتبها بحسب الاشكال والاحجام، الشبه مستطيلة معا والشبه اسطوانية معا والقطع التى غزاها سوس البحر ونحت بها ثقوبا معا.

أما الجهنيمات العجوزة التى هرمت وهى تحفر طريقا ملتويا نحو الشمس، سيأخذ فرعا منها اليوم، يتأمله فيرى جسد امرأة يتمايل، يأخذ إزميله وينزع عنها ما هو زائد ليساعد امرأته على الرقص.

عندما يأخذه الشجن، تراه فجأة بدأ بمطلع أغنية “أنا هويت وانتهيت”، نصمت جميعا ونذهب مع صوته الأجش الحالم حيث يريدنا.

تراه يوزع السعادة بالجملة على المحيطين، يدخل المطبخ الصغير، المتقشف فى استعداداته يقول سنأكل فشة وكرشة الليلة. وقد يكون وجد حماما ذا حجم مناسب بسوق سليمان جوهر، “يسفقه” ويحشوه بنفس ذات الحماس الذى يضع به خطوطه على الورقة ليرسم حصانا جامحا أو سمكة تطوف فى الفضاء أو حبيبين استغنيا عن عالمنا ليأنسا معا فى وحدة تامة.

كنت أتحداه بقدرات أمى الفائقة على طهى اشهى حمام فى مصر، فيسخر من يقيني.

999888

عرفته وهو حول الخمسين، فى أول معرض له بأتيليه القاهرة، كنت طالبة مستجدة بالفنون الجميلة واستمرت هذه العلاقة حتى لحظته الأخيرة. علاقة اختلطا فيها كل المشاعر، البهجة والحماية والسعادة، و”النقار” والغضب والونس والأبوة، والصداقة وربما الحب لولا أنى جئت ثلاثين عاما متأخرة.

لم أعرف شخصا عابرا للاجيال مثله، هو صديق أصدقائه وأبناء وبنات أصدقائه وشباب الفنانين والمناضلين حتى العابرين لم يسلموا من سحره وسهولة نفاذه إلى القلوب.

ظل على حماسه لآخر وقت، يعمل ويبدع ويكافح لسرقة زمن الرسم من “دوشة” الحياة اليومية. ففى أوقات العجز والكرب كان جميل يقول لى “اشتغلى اشتغلي، ارمى نفسك فى الشغل”.

أواسى نفسى فأقول لها لقد عاش حياة جميلة، فعل ما أراده لنفسه، تحقق، استمتع بشدة ووزع البهجة على من حوله ووضع كل رقته على التوال والورق والخشب.

عرف جميل اليتم مبكرا جدا، وظل هذا الفقد يصاحبه دائما، يحكى عن أمه، كاتمة أسراره أنها كانت تسرب له النقود التى ادخرتها له خلسة، لقد أعانته على سلطة أبيه.

لم تكن حياته سهلة لكنه استطاع بجدارة أن يدير الدفة لصالحه، فإنه من هؤلاء الذين يعيشون الحياة كما يجب عليها أن تكون، إنه صانع الشربات من أى فسيخ حتى لو كان عفنا.

لا أحب الرثاء وأعرف أن جميل شفيق أقوى من الموت لكنى أحتاج هذا الرثاء كما أننى أنتظر لحظة الدفن لأتأكد بنفسى أن هذا الصباح يأتى دون جميل حيا يرزق على الأرض.

 

مع نجيب محفوظ

مع نجيب محفوظ

 

 

لقد ترك ثقبا أسود بالقلب، كالنجم العملاق عندما تأتى ساعته فيتمدد كبيرا ويلفظ كل نوره وطاقته بعيدا وينكمش.

عاش جميل شفيق الـ 188 يوما بالتحرير، يذهب فقط إلى بيته للاستحمام وتغيير ملابسه والعودة سريعا. هذا الثلاثاء وبعد انتهاء مليونية ما بعد خطاب مبارك، ترك التحرير فحدث هجوم البلطجية ونشوب معركة الجمل. على الهاتف كان يبكي، يؤنب نفسه على لحظة استرخاء.

هو طفل “معجون بمية عفاريت” كما كانت تقول جدته شفيقة، ومات طفلا معجون بمية عفاريت. مات وهو يرسم. لا أحد يتمنى أجمل من تلك النهاية، فحتى موته جاء يشبهه.

أحبك يا جميل، أحب عمرى الذى حفل بوجودك به. اذهب أينما شئت، ستكون لك حياة جديدة هنا وربما هناك، فالموت لا يمكنه أن يصاحبك أبدا.

 

81d897e8-831b-4b8b-bdf6-ae8d246576f5