“جلورى”.. عن الشرف عندما يصير مدعاة للسخرية بقلم: أحمد شوقي   “امنحوه جائزة عبيط الأمة!”.. هكذا صاح أحد عمال السكك الحديدية ساخرا، وهو يشاهد مع زملائه على شاشة التليفزيون خبر

glory-slava-locarno

“جلورى”.. عن الشرف عندما يصير مدعاة للسخرية

بقلم:

أحمد شوقي

 

“امنحوه جائزة عبيط الأمة!”.. هكذا صاح أحد عمال السكك الحديدية ساخرا، وهو يشاهد مع زملائه على شاشة التليفزيون خبر قيام زميلهم العامل زانكو بتسليم المبلغ المالى الضخم الذى عليه، أثناء عمله للسلطات، ونية وزارة المواصلات التى يعملون فيها تكريم زانكو وتقديم جائزة له. التعليق الساخر من العامل تعبير حاذق عن المعضلة الرئيسية فى الفيلم البلغارى “جلورى” للمخرجين كريستينا غروزيفا وبيتر فالشانوف الذى عُرض ضمن برنامج سينما العالم فى مهرجان دبى السينمائى الثالث عشر، معضلة أن الصواب لم يعد هو الخيار الأصوب.

ففى مجتمع مختل المعايير يصبح القابض على القيم موصوما بالغباء، وتصرفا شريفا كالذى أقدم عليه زانكو يُفترَض فى عالم مثالى أن ينال عليه تقديرا ماديا ومعنويا من السلطة والمحيطين به باعتباره مواطنا صالحا، لكن واقع الأمر أنه لا يجنى إلا المتاعب والتعاسة، بصورة تجعله حقا رمزا للبلاهة كما توقع زميله.

تستلم ملف العامل الشريف يوليا ستايكوفا مديرة العلاقات العامة فى وزارة المواصلات، فتقرر أن تجعل منه بطلا شعبيا تتفاخر به السلطة أمام عدسات المصورين، ثم يتم لفظه بمجرد انتهاء الحدث، ليغدو عاجزا حتى عن أبسط حقوقه بألا تصير حياته أسوأ بسبب اختياره للصواب. زانكو يفقد ساعة اليد العتيقة التى أهداها له والده والتى نشاهد ارتباطه الواضح بها من بداية الفيلم، ليمنحوه بدلا منها أخرى رقمية “تسير بسرعة” كما يصفها، وكأنه تدخل بالقوة لإفساد عالم رجل مسالم، كل ذنبه أنه أخطأ ولفت انتباه سلطة لا تريد أكثر من استخدام أمثاله فى تحسين صورتها.

زانكو هنا هو وجه آخر لنادزدا، بطلة فيلم غروزيفا وفالشانوف السابق “الدرس” «عرضه مهرجان دبى فى دورته الحادية عشرة والأقصر للسينما المصرية والأوروبية فى دورته الثالثة»، المعلمة التى وقفت فى وجه السارق داخل فصلها قبل أن تضعها الحاجة فى مأزق أخلاقى كبير. كلاهما زانكو ونادزدا إنسان شريف يكتشف أن العالم المحيط لا يحتمل من هم مثله، بل يدفع الجميع دفعا نحو الخطأ، بل إلى تجنب التطوع بفعل الخير كذلك. وفى هذا التشابه فى طبيعة البطلين يظهر دأب المخرجين الموهوبين فى تشريح مشكلات مجتمعهم المحلي، والتعبير بالسينما عن الهموم الأخلاقية لمواطنيهم، والهم الأخلاقى لدى الشرفاء كثيرا ما يفوق إيلامه الآلام المادية.

فى “غلوري” نلمس براعة صانعى الفيلم فى رسم سيناريو شخصيات من الطراز الأول. سيناريو يقوم بالأساس على تناقض هائل فى الشكل والمضمون بين بطلى الحكاية زانكو ويوليا. هو فقير ذو مظهر بائس متلعثم فى حديثه، يعيش فى الخفاء مكتفيا بعمله وتربية الأرانب، وهى ناجحة متحققة حاسمة واثقة من نفسها حتى فى الخطأ. هو يرى الآخرين بشرا يتوقع منهم معاملة طيبة وصراحة فى الحديث، وهى لا ترى إلا أدوات تستخدمها فى عملها، حتى عندما تجرب التلقيح المجهرى مع زوجها سعيا للإنجاب تفعل ذلك بطريقتها الآلية الخالية من أية مشاعر ترتبط منطقيا بحدث كهذا. ليشهد الفيلم مباراة تمثيلية بين ستيفان دينوليبوف ومارغيتا غوشيفا فى أداء دورى البطولة.

السيناريو يبرع أيضا فى استخدام الساعات كأداة حكى تحمل الكثير من المعاني، سواء فى صورتها المادية كالفارق بين ساعة زانكو القديمة والأخرى التى منحوها له، أو بالدلالة المعنوية للوقت الذى يحمل هو الآخر معنى مخالف لدى كل طرف من قطبى الحكاية. العامل المخلص لعمله والمقدس للوقت بمعناه الكلاسيكى كالتزام ودقة وكلمة يجب احترامها، وخبيرة العلاقات العامة التى ترى الوقت حاسما فقط عندما توجد فرصة تستغلها، ولا تضعه فى اعتبارها عندما تضيع أياما على آخرين ساقهم حظهم العاثر لطريقها.

الخيارات السابقة تبدو نظريا مدرسية الطابع، صالحة لصياغة فيلم قديم الطراز عن صراع بين شخصيتين ترمز كل منهما إلى نوع من الأفكار، تحركه أدوات حكى “موتيفات” تحمل هى الأخرى دلالات رمزية. المدهش فى “غلوري” أن هذه الخيارات تسفر عن عمل ممتع حقا، محبوك القصة والإيقاع، يمكن أن ننسبه بسهولة إلى واقعية شرق أوروبا الجديدة التى انطلقت من رومانيا لتصير بلغاريا أحد محطاتها الرئيسية، بأفلام يتم تصويرها بأقل قدر من التعقيدات وأكبر قدر من الصدق، اعتمادا على نصوص ذكية تجعل من الحوادث البسيطة حكايات ممتعة، ومن الحكايات أمثولات عن حياة منطقة كان أهلها يحلمون بالتخلص من مساوئ الحقبة الشيوعية، فجاءتهم الرأسمالية بما هو أسوأ.