على هامش معرض باريس جماعة الفن والحرية .. الانشقاق.. الحرب والسريالية بقلم : أمل نصر   “يموت أبناء الفيلة الصغيرة وحيدة“ تلك العبارة قالها جورج حنين مؤسس السريالية المصرية لزوجته

%d9%81%d9%86-%d9%88-%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d8%a9

على هامش معرض باريس

جماعة الفن والحرية .. الانشقاق.. الحرب والسريالية

بقلم :

أمل نصر

 

“يموت أبناء الفيلة الصغيرة وحيدة“ تلك العبارة قالها جورج حنين مؤسس السريالية المصرية لزوجته قبل ساعات قليلة من وفاته يشير بها لمصير أعضاء جماعة الفن والحرية الذين تفرقوا وترسمت نهاياتهم المختلفة ما بين الاغتراب عن الوطن أو عن النشاط الفني، أو التحول فى المسار .

لا يا سيدى لم تكونوا أفيالا صغيرة بل كنتم أيقونة للفن الجديد الذى لا يدين سوى بالحرية، روحكم المقاتلة قادرة على الدفع بقراءات جديدة وإعادة توجيه لتاريخ الفن قدم أحدها سام بردويل وتيل فيلرات القيمان على معرض “جماعة الفن والحرية .. الانشقاق، الحرب  والسريالية” الذى يستضيفه المركز الوطنى للفن والثقافة، جورج بومبيدو، باريس، فى الفترة بين 17نوفمبر 2016 و17 يناير 2017

المعرض نموذج جيد لإقتران الفن بالمعرفة فهو بحث فنى يواكبه بحث معرفى استغرق خمس سنوات لطرح رؤية تنظيمية جادة لتجربة السرياليين فى مصر مدعمة بما يبررها من وثائق ومنشورات وإرث أدبي، فما أسهل أن ننظم معرضا وفق تناسق ألوان اللوحات أو قياساتها أو حتى ترتيبها التاريخى ولكن الأصعب أن نضع صيغة منظمة نستند فيها لنتاجات تكشف فكر هذه الجماعة وخطها الصاعد الذى حرك الساكن فى مجتمع الفن المصري، لقد قدم المعرض رؤية تنظيمية تصلح للحوار وللمناقشة وتبتعد عن العشوائية والتلفيق . وربما يتفق هذا التناول المعرفى للمعرض أيضا مع مفاهيم جماعة الفن والحرية التى جمعت بين الفن والتنظير.

سعى منظمو المعرض لطرح رؤية تقييمية تضع السريالية المصرية فى مكانتها العادلة وسط سرياليات العالم حيث كانت شريكا فاعلا وليست تابعا أو بتعبير أندريه بريتون فى خطابه لجورج حنين المؤرخ: 18 أبريل 1936” يبدو لى أن الشيطان له جناحا هنا، والآخر فى مصر “ يقصد شيطان السريالية، وقد اشترك السيرياليون المصريون فى معرض السريالية الدولى عام 1947 بدعوة من أندريه بريتون وبالفعل قدمت السريالية المصرية تجربة فنية تتوازى مع السريالية الفرنسية وليست تابعة أو تالية لها زمنيا كما حدث فى اتجاهات فنية سبقتها.

إذا انتقلنا لمكان المعرض سيتضح لنا مفهوم العرض، إذ تشعر من الوهلة الأولى لدخولك قاعات العرض أنك أصبحت فى قلب الحركة التشكيلية المصرية فى نهايات العشرينات حيث تقع على اليمين صورة ضخمة لأعضاء جمعية محبى الفنون الجميلة عام 1927 ومعهم الملك فؤاد – محمود بك خليل – والأمير يوسف كمال مؤسس كلية الفنون الجميلة، ثم فى المواجهة لقطة جماعية معروضة بحجم كبير لأعضاء «جماعة الفن والحرية» أثناء معرضهم الثانى عام 1941 والذى أقيم بمصر فى عمارة «الايموبيليا» وفيها يظهر الفنان «انجلو دى ريز» يرتدى القفازات البيضاء ومعه كامل التلمسانى، جون موسكتلى، ألبير قصرى، جورج حنين، موريس فهمى، رمسيس يونان، راؤول كوريل، فؤاد كامل، وبينهم يوجد حامل رسم خال وكرسى خال أيضا .

والهدف من اللقطة كما يشير سام بردويل هو “ تقديم الدعوة للمشاهد للانضمام إليهم لمشاهدة معرضهم، فماذا يفيد الفن دون مشاهد”. هذا هو المبدأ الحداثى الأول الذى تطرحه السريالية من خلال صورتها الفوتوغرافية المُرَمزة وهو الإشارة إلى تحول دور المشاهد من متلق إلى مشارك فى العمل الفنى.

من البداية فى القاعة الأولى “الثورة الدائمة“ تستشعر أنك أمام فريقين فى مواجهة أو بالأحرى فكرين فى مواجهة، حتى على مستوى المطبوعات التى تم عرض نماذج منها للفريقين.

بينما نجد فى مواجهة القاعة عرضا لفيلم تسجيلى مهم للملك فاروق يحضر افتتاح فى جمعية محبى الفنون الجميلة، ويعرض الفيلم أيضا إزاحة الستار عن تمثال سعد زغلول للفنان محمود مختار بالإسكندرية.

ويتردد حاضرا فى القاعة الأولى بشجن خاص صوت الفنان أنور كامل وهو يتحدث باللغة العربية عن «جماعة الفن والحرية» ويقول ان السريالية محاولة لتغيير الواقع وأننا مؤمنون بالثورة الدائمة، لذلك اختار منظموا العرض عنوان القاعة الإستهلالية للمعرض ليكون باسم «الثورة الدائمة». هذا العرض الحى الذى يشغلك بصريا وذهنيا وأيضا وجدانيا بحضور صوت أحد مؤسسى السريالية يجعلك تنعزل عن الخارج لتتوحد بحالة فنية تبث فى المكان نبضها الحى صوتا وصورة وكلمة.

اعتمد مفهوم العرض على تقديم الموضوعات الاجتماعية  والفلسفية والثورية والنفسية التى طرحها فنانو السريالية، وكل قاعة تحمل عنوانا مستوحى من مفاهيم الجماعة أو مقولاتها الشهيرة، وجاء التقسيم كالتالى : الثورة الدائمة، صوت المدافع، الأجسام المقطعة، امرأة المدينة، الواقعية اللاموضوعية، جماعة الفن المعاصر،التصوير الفوتوغرافى والعبث بالقدسيات، الرسم الصحفى،علاقة الفن بالأدب .

قاعة العرض التالية لقاعة “ الثورة الدائمة “ تحمل عنوان «صوت المدافع» الذى كان شعار أول كتالوج لمعرض الفن الحر، كذلك ضم العرض لقطات من الصحف المصرية تظهر فيها حركات ثورية مثل جماعة «القمصان الزرقاء» . يضاف إلى ذلك تقديم فيلم لعرض عسكرى فى أحد شوارع القاهرة، بالإضافة إلى مجموعة من الوثائق المهمة للجماعة .. تتضمن هذه القاعة أعمال لإنجى أفلاطون ومايو وراتب صديق وإيمى نمر ورمسيس يونان وسمير رافع . اتسمت الأعمال بسمة تراجيديا واضحة الحضور .

ففى لوحة إنجى أفلاطون “فتاة ووحش” على سبيل المثال نجدها تقدم عناصرها ككومات من أشلاء منصهرة تشكلت من ألسنة اللهب ذات الألوان النحاسية وهى تتحرك فى فضاء سديمى تتحد فيه الأرض بالأفق بالسماء وقد تحرك فيه ما يشبه الصواعق أو الشهب التى تتحرك فى الفراغ فلا نستطيع أن نمسك بزمان أو مكان محدد وكأنها تضفى حضورا كونيا مبهما على مفردات عملها مع توفير أعلى درجة من التمزق والمبالغة فى تفعيل الأثر التراجيدى للعمل وتصدير إحساس بالخوف للمتلقى المشارك فى نفس المحنة : محنة الحرب.

وبانتقالنا للقاعة التالية نجد عنوانها : “ الأجسام المقطعة”. ولان الجسد هو المظهر المادى للروح وهو سطحها المرئى الذى يتلقى عذابات الوجود فقد جاء فى معظم أعمال السرياليين مقطعا مفككا تحت وطأة انتهاكات الحرب.

وأتوقف هنا تحديدا عند أحد أعمال حسن التلمسانى الذى اعتبره عملا سرياليا بحس ميتافيزيقى يصور امرأة مقطوعة الذراعين وقد استبدل برأسها وجه سيال اخضر مشوه الملامح يتكئ على ما يشبه الهراوة أو جذع الشجر القديم .

ثم ننتقل لقاعة عنوانها «امرأة المدينة» وهذا المسمى المقصود به فى كتابات السرياليين تحديدا : المرأة التى تمتهن البغاء . ويعود المسمى لإحدى قصائد جورج.وقد تبنى السرياليون موقفا متعاطفا مع تلك المرأة حيث ساهمت سنوات الحرب فى زيادة الفقر الذى أدى بقطاع من النساء الفقيرات إلى امتهان الدعارة فيما عرف بـدعارة الحروب . وفى هذا السياق كتب رمسيس يونان “ لو أننا نجحنا حقا فى محو هذا الفقر، لما بقيت بعد ذلك امرأة واحدة ترضى أن تبيع حبها لمن شاء .. نحن لا نرى فى البغاء إلا إفرازا قذرا لمجتمع مريض ملوث بالدماء “ (عن مقال لرمسيس يونان بعنوان: حول إلغاء البغاء، مجلة التطور، العدد الثانى 1940 كتاب السريالية فى مصر، سمير غريب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1968).

من هنا قدمت أعمال السرياليين جسد المرأة منتهكا مشوها خارجا عن الجماليات الكلاسيكية، رافضا أن يكون موضوعا للفرجة والاستمتاع بل موضوعا لإدانة المجتمع ومسائلته، المجتمع يفرغ وحشيته فى جسد الرجل والرجل يفرغ وحشيته فى جسد المرأة المؤجرة لتكتمل دائرة اللاإنسانية . ويبدو جسد المرأة فى أعمال رمسيس يونان المعروضة وقد تخلى عن مادته وعن جاذبية الأرض، مفرغا من عظامه ومن مفاصله ليصبح عجينة لينة سهلة التشكل، سيالا مطواعا ينسكب وينضغط ويتمدد كما يشاء الفنان . هكذا تبدو امرأة المدينة فى أعمال السرياليين: جسد أجوف مفرغ ممطوط، مزين بالمسامير، مثقوب الثديين، مقطع الأوصال.. هو جسد فى كابوس سريالى إذا جاز لنا التعبير.

فى حين تبدو نساء كامل التلمسانى شبيهات بالجثث المتحللة وقد دقت فى أكفها المسامير كأنهن وقعن توا من عامود الصَلب متعلقة بشجرة واهية لعلها تمنحها حياة أخرى . وفى هذا السياق نذكر مقاطع من نص لجورج حنين تحت عنوان “بورتريه كامل التلمساني”.

“تعرف كإنسان كيف تهتك أسرار العاهرات غير المباحة، وكيف تعيد إلى وجه النهار عيونهن الفاحشة المدفونة منذ زمن بعيد…تعرف كيف تجعل من هذه الغنائم المنتزعة من باطن اليأس بصائر طريق عظيم مسددة ضد أرواح الناس المهذبين”.

إن أعمال السرياليين وكتاباتهم تكشف بوضوح عن موقفهم من قضية المرأة كجزء من موقفهم المناهض لكل أشكال العنصرية التى أفرزها مجتمع يعانى من نواقص جسيمة .

ثم ننتقل لقاعة أخرى فى المعرض وهى قاعة “الواقعية اللاموضوعية“ ونستطيع تتبع ذلك المصطلح بقليل من العودة لكتابات السرياليين خاصة رمسيس يونان حيث نلمح مصادر تشكل ذلك المصطلح فالبرجوع إلى رمسيس يونان نجده يقول : هناك أخيرا طائفة من السرياليين تجد فى السرياليزم معنى قريبا من “ الرياليزم الذاتى “ أو مذهب الحقيقة النفسية .

وهنا يطرح يونان الطائفة التى وجد فيها الشكل المرجو لدى السرياليين المصريين فى طرحها لواقعية من نوع آخر وهى الواقعية النفسية التى تتخذ من الرموز لا الموضوعات وسائط لها.

من هنا لجأ السرياليون لخلق نمطهم السيريالى الخاص الذى يستمد رموزه من التراث المصرى ويعبر عن مسئوولية الفنان تجاه مجتمعه

ونستدل من أعمال المعرض على هذ المفهوم من خلال لوحة رمسيس يونان التى تمثل امرأة فى مشهد طبيعى اتخذ جسدها وضعية “نوت” إلهة السماء فى المعتقد المصرى القديم وقد اتكأت على ظلال واهية ويتعلق ببدنها أشلاء من نساء شُعث بينما تبدو ثلاث اشباح بعيدة تتجه للأفق ونوت هنا تبدو كأنها رمزا لمصر محاطة بوضع مأسوى.

ثم ينتقل المعرض لقاعة جماعة الفن المعاصر التى تضم نماذجا من أعمال الجماعة التى كانت تمثل فى جانب منها تخارجا من جماعة الفن والحرية بالإضافة إلى أن كثيرا من النقاد وصفوا أعمالهم على أنها أعمال سريالية نظرا لتقارب المشارب فى تجاوز الواقع واحترام فكرة المنابع النفسية . إلا أننا نستطيع أن نقول ان سريالية فنانى جماعة الفن المعاصر هى سريالية ذات جذر شعبى بينما جاءت سريالية جماعة الفن والحرية ذات حس إنسانى شامل .

إلا أن جماعة الفن والحرية لم تعتبر الفنانين الشبان المتأثرين بها خلفاء لها بل وتشككوا فى موهبتهم والأهم تشككوا فى توجهاتهم السياسية حيث اعتبروهم أبواقا للنظام الجديد كما نوه بذلك جورج حنين فى إحدى رسائله لرمسيس يونان، إلا أنه فى رأيى تشككا مبالغا فيه حيث واصل أعضاؤها الموهبين تجاربهم الفنية ومثلوا علامات فى تاريخ الفن المصرى ولاقى بعضهم مصير أعضاء جماعة الفن والحرية فتعرض عبد الهادى الجزار للسجن فى ظل النظام وتعرض سمير رافع للاغتراب.

ثم ينتقل العرض لقاعة التصوير الفوتوغرافى المعنونة : “العبث بالقدسيات»، وتضم صورا فوتوغرافية ذات ملمح سريالي، ويُذكر أن هناك مجموعة من الفوتوغرافيين خرجوا من عباءة جماعة الفن والحرية متأثرين بأفكارها وقد ضم المعرض الثانى والرابع للسرياليين قسما للتصوير الفوتوغرافى وهى بادرة مبكرة لإشراك الفوتوغرافيا فى المعارض الفنية المصرية بصفتها أعمالا فنية تؤدى دورا جماليا وتحمل بعدا نقديا متحررة عن وظيفتها الأولى فى نقل الواقع. وقد طرح هؤلاء المصورون منظورا نقديا شديد اللهجة لكل الثوابت ظهر فى مجموعة الأعمال المعروضة فنجد عملا لإيدا كار يصور رأس منحوتة مصرية قديمة وقد أحاطت بها دمية هزلية من القماش فى مفارقة ساخرة تومئ بمساءلة جريئة لهذا التراث العظيم.

ثم ينتقل بنا العرض لقاعة تختص بالرسم الصحفى وعلاقة الفن بالأدب، ويمكننا القول بأن الفن والأدب فى تجربة جماعة الفن والحرية هما مساران متوازيان فى تجربة واحدة، وجورج حنين منظر الجماعة كان أديبا وشاعرا وقصاصا وناقدا، وقد مارس أعضاؤها التصوير والكتابة معا سواء من خلال النصوص الأدبية أو النقدية أو الشعرية وأحيانا السياسية مشكلين بهم حالة وعى ثقافى مكتملة الأركان .

وربما كانت الرسوم الصحفية للسرياليين هى الوسيط الأكثر تداولا وانتشارا وكانت المجلات الفنية معبرا مهما لأفكارهم وفنهم، بداية من مشاركة جورج حنين فى تأسيس جريدة “دون كيشوت “. ثم مشاركة السرياليين فى مجلة “التطور” و”المجلة الجديدة“، ثم مشاركتهم فى مجلة “حصة الرمل“.

و لا نستطيع أن نصف الرسوم الصحفية للسرياليين بالوصف المعتاد للرسوم الصحفية فى كونها تثبت لحظة أو موقف ما يسرده النص الشعرى أو الأدبى لتحاكيه، بل هى عمل فنى تشكيلى مكثف مواز للنص يشترك معه فى فلسفته.

من هنا نرى رسوم كامل التلمسانى مصاحبة لديوان جورج حنين “ لامبررات الوجود”. ورسوم رمسيس يونان لغلاف كتاب “بشر نسيهم الله” لألبير قصيري، ورسوم فؤاد كامل لكتاب “ أوهام” لحورس شنودة . كذلك امتلكت جماعة الفن والحرية دارين للنشر نشرت أكثر من ثلاثين كتاب فى غضون عقدين من الزمن تأكيدا لأواصر الصلة بين النص والصورة وفتح دوائر أكبر للإبداع الفنى الحر.

هنا ينتهى طرح معرض جماعة الفن والحرية « الانشقاق، الحرب والسريالية» وبالرغم من هذا المرور السريع فى قاعات العرض إلا أن أعمال السرياليين استطاعت أن تخطفنا مؤقتا لقلب مغامرة لا تنسى فى تاريخ الفن . جميل أن نجد عرضا يجعلنا نعيد البحث والنظر فى تاريخنا الفنى ونعيد محاسبة أنفسنا لو أضعنا جهود من حاولوا أن يفتحوا أمامنا الطرق الوعرة بجسارة وجرأة . كانت تلك زيارة قصيرة لروح “جماعة الفن والحرية”، تلك الروح التى نحتاج الآن توثبها وقلقها النبيل . ولنراجع مقولة جورج حنين : هل حقا يموت أبناء الفيلة الصغيرة وحداء ؟