«أوضاع محـرّمة» آلام السقوط من خارطة الوطن   بقلم : محمد السيد أبوماضى     بعد ثلاث روايات (بركان الصمت 2001، قبل المنحنى بقليل 2010، صحراء مضادة 2012) ومجموعة قصصية

62184470

«أوضاع محـرّمة»

آلام السقوط من خارطة الوطن

 

بقلم :

محمد السيد أبوماضى

 

 

بعد ثلاث روايات (بركان الصمت 2001، قبل المنحنى بقليل 2010، صحراء مضادة 2012) ومجموعة قصصية (أشياء لا تجلب البهجة 2011) تأتى المجموعة القصصية الثانية «أوضاع محرّمة» للقاص والروائى عبدالله السلايمة امتدادا لمشروعه الإبداعى عن سيناء، حيث يواصل رصده لواقع سيناء المعاش، فضلا عما تكشفه لنا هذه المجموعة عن وجهها الإيجابى الإبداعى.

***

كما فرض الإرهاب على جنودنا خوض معركتهم المصيرية ضده فى سيناء، فرضت على كاتبنا الذى يعيش فيها، أن يحمل قلمه كسلاح، يمثل افتتاحه لمجموعته «من يجرح كبرياء الصحراء، عليه أن يتحمل انتقامها» أولى طلقاته النارية التحذيرية، يوجهها إلى أولئك الذين أحالوا صحراء سيناء بفعل أطماعهم إلى ساحة حرب مفتوحة ومروعة، تهدد أمن الوطن ووجود أبنائه فى سيناء، أولئك الذين يشبهون الكاتب، كما جاء فى إهدائه: «إلى أولئك الذين يشبهوننى، وما زالوا مثلى يراقبون بقلوب مطفأة ما يحدث لصحرائهم».

واقع مؤلم لخصه الكاتب فى كلمة صدّر بها مجموعته، بدأها بواقعه ككاتب يعيش حصارا مضاعفا، لأن عليه ككاتب يعيش في مكان كسيناء، يعانى توترا سياسيا، وتغلب على أهله الثقافة العشائرية، أن يكون مع أو ضد كما يقول، فإن لم يكن مع، فهو ضد، وفى كلا الحالتين يتعرض للمأزق، بسبب حصاره نفسيا من كلا الجهتين، ومحاصرة كتاباته بسوء النية والتفسير، فإن لم يكن باتهامه بخرق قانون بداوته، فسوف يكون بالخروج على طاعة السلطة».

كما يلخص واقع سيناء الكارثى، بقوله: « سيناء، هذا المثلث الذى لم يزل قادرا على تحدى ومقاومة الموت، رغم كل محاولات الجهلة من الساسة والمتأسلمين إسقاطه من خارطة هندسة الوطن منذ آلاف السنين، وهو ما أدى في النهاية إلى أن تتحول سيناء إلى ساحة موت، يتربص بكل كائن يتحرك على أرضها، وصارت حياة أناسها مرهونة بولاء لا يستطيعون حتى فى خيالهم الجهر به».

***

فى بـنـاء فني سلس يعتمد الحكي، وإحساسا فنيا صادقا، مستخدما ضمير المتكلم، حاول الكاتب رصد هذا الواقع المعاش، وتقديمه لنا عبر مجموعته القصصية «أوضاع محرّمة» فى سبع عشرة قصة قصيرة، جاءت حافلة بالألم، وتخلو من المقدمة، والدخول مباشرة إلى قلب الحدث، بشكل يثير فضول القارئ، ويستدرجه لمعرفة ما ستؤول إليه نهايات القصص.

ألم يحرك الحدث ويربط بين شخوصه، ألم الشعور بالوحدة والاغتراب داخل الوطن، كما عاشه بطل قصة «ذاكرة حمراء» ابن الوادى الذى اختار سيناء مكانا لاستلام وظيفته الجديدة، لكنه سرعان ما شعر بالندم لاختياره هذا المكان: «ما إن تسلم خطاب تعيينه، وطار على جناحي فرحته، حتى وجد نفسه يحط مرغما، على ربوع قرية بعيدة، وكل ما يحيط بها من يباس وشحوب، يذكِّره بمدى ما يرتكب فى حق إنسانيته المهدرة، وبأن عليه أن يخدّر ذاكرته، كى يستطيع العيش، والمضي قدما.. وكما لو كان يلوم نفسه على تعجله، ابتسم هازئا، وهو يعيد تقييم وضعه وحياته، ويفكر بشيء من الندم، فيما إذا كان قد وُفق فى اختياره للمكان، من عدمه».

عبد الله السلايمة

عبد الله السلايمة

 

ألم الإحساس أن تعيش داخل وطنك كمنبوذ، وتركك تتعايش مع غضبك الكامن داخلك، فى إشارة واضحة إلى ما يعانيه أهل سيناء، ويؤكده الشيخ المسن فى حواره مع الراوى فى قصة «المنبوذون»: «ما الفائدة يا بنى من حياة، محكوم عليك أن تعيشها كمتهم، عليك السعي طوال الوقت لإثبات براءتك، من ذنب لم ترتكبه، أمام آخر، بدا فيما مضى، أنه لا يهتم لأمرك، وراح يتلذذ بإبقائك على قيد الحيرة والألم».

فضلا عما يعانونه من آلام بسبب حرمانهم من امتلاكهم لأرضهم والتعامل معهم «كلاجئين» كما جاء فى الحوار بين الأم وابنتها فى قصة» شر مطلق»:» ابتلعت الأم غصتها، ثم استأنفت، وهى تقبض على حفنة من التراب فى غضب: على هذه الأرض، التى يدّعون عدم أحقيتنا فى امتلاكها، ويصرّون على أن نعيش عليها كلاجئين».

وتتعدد الآلآم، مثل ألم التعامل معهم على الهوية، وشعورهم بأن البداوة صارت تهمة، كما فى قصة» علاقة ملتبسة»:» ولما سألته مستفسرا عن السبب، أجابني فى مرارة: ليس فقط بسبب، أن الانتماء للبداوة، أصبح الآن شبهة..!»

وألم التعامل معهم بعجرفة ونظرة دونية مقيتة، كما عبرت عنه قصة» على قيد التفاؤل»: «خداع، لم يفلح فى منع مخيلتي، من استحضار، كل ما مضى حول علاقتنا، ويتراءى لى كأنه كابوس ثقيل».

ثم ينتقل بنا الكاتب لرصد آلام بدوية خاصة، تكشف عن حقيقة الصراع الثقافي الدائر بين جيلين، داخل مجتمع البادية.

جيل قديم يدافع عن وجوده، من خلال محاولته بشراسة الحفاظ على ما توارثه من أعراف وتقاليد تمنحهم حق فرض ما يرونه يخدم مصالحهم، ويحفظ لهم وجودهم، وجيل متعلم مستنير يتمرد على هذا الموروث، تمثله بطلة قصة «فضاء ضيق» فى رفضها مصادرة جماعتها لحريتها وحقها فى اختيار شريك حياتها من خارج القبيلة، واصرارها الحصول عليه رغم تعرضها لمحاولة القتل. ويمثله أحد أبناء البدو من المتعلمين فى حالة مماثلة فى قصة «وصاية إجبارية» من أولئك الذين أجبرتهم حرب النكسة 1967 على الفرار إلى «القاهرة» ومن ثم العودة إلى سيناء بعد تحريرها، برفقة زوجته «القاهرية» وابنته الوحيدة، الذى وقفت جماعته ضد رغبتها فى الزواج بـ« غريب» ذلك المعلم الشاب القادم من إحدى محافظات الوادى: «كان يدرك مدى عمق قناعتهم،أن البداوة، تمثل القسم الأهم، والأنقى عرقا فى العالم، فيما تمثل بقية البشرية، القسم الآخر، والأقل شأنا منهم، ويسمونهم» بالفلاحين»، وتأكيدا لهذه القناعة، جاء رفضهم القاطع لـ«غريب» الذى تقدم لطلب يد ابنته».

هذه «الشوفينية» والعنصرية البغيضة فى آن، رفضهما الرجل بوقوفه إلى جوار ابنته، ما اعتبرته جماعته خرقا لقانون البادية، يفرض عليهم تلقين الرجل وابنته درسا قاسيا، فما كان منهم إلا أن رشحوا لها عريسا، فى عمر أبيها، وهو ما رفضته الابنة بدورها بهروبها، تاركة لهم الخزي، ولأبيها مواصلة خوض معركته المصيرية معهم وحيدا. معركة، جعلته يقرر فى النهاية، مغادرة عالمهم المصاب بعمى العنصرية، والعودة مرة أخرى إلى القاهرة.

ألم الجحود وماساة انطفاء العلاقات الأبوية كما نجد فى قصتى «سدرة المنتهى، والوديعة»، المنتزعتين من تراث بادية سيناء، والآم اجتماعية أخرى تحملها القصص «حلم ابتهال، بعث جديد، كفرس متوحشة، وارتعاشة مفاجئة».. وغيرها.

وفى وقفة فكرية يعبر السلايمة عن آلام الكاتب بشكل عام وعالم الكتابة، بسخرية تضفى على كتابته روعة وتميزا، كما فى قصتيه (سكتة قلمية، حفل توقيع) قبل أن يختتم مجموعته بهجائية إبداعية «ضربة استباقية» كأنه يلفت انتباهنا بدراميتها إلى أن ثمة ابداعا مميزا وحراكا ثقافيا فى ذلك المكان الحافل بالألم.

ألم بل آلام، استطاع عبدالله السلايمة نقلها لنا عبر مجموعته القصصية «أوضاع محرّمة» الصادرة مؤخرا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، لكننى فى النهاية لا أتفق معه فيما يشعر به من أسى وحسرة على إهدار عمره سعيًا وراء الكتابة/ الوهم، كما جاء على لسان الراوى/ السلايمة فى قصته «قشعريرة مفاجئة لرجل ميت» حيث يقول: « كان يقشعر، كلما سيطرت عليه فكرة، أنه عاش عمرا، أضاعه هدرا، بمحاولته انجاز بضعة كتب تافهة، لم يجنِ من وراءها غير المزيد من العناء، وخداع نفسه بأنه ما زال حيا».