“مترو حلب” الهوية بين الحرب والمنفى         بقلم : إبراهيم عادل زيد       فى روايتها الجديدة الصادرة مؤخرًا عن دار التنوير تقدّم الروائية السورية “مها

%d9%85%d8%aa%d8%b1%d9%88-%d8%ad%d9%84%d8%a8-%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d9%87%d8%a7-%d8%ad%d8%b3%d9%86

“مترو حلب” الهوية بين الحرب والمنفى

 

574632_ibrahimadelz_main_new

 

 

 

بقلم :

إبراهيم عادل زيد

 

 

 

فى روايتها الجديدة الصادرة مؤخرًا عن دار التنوير تقدّم الروائية السورية “مها حسن” تصورًا روائيًا ليس بعيدًا عن الواقع لحال السوريين بين شتات المنافى وبحثهم عن هويتهم داخل الوطن وخارجه، ذلك الوطن الذى مزقته الصراعات والحروب بعد ثورةٍ كان مفترضًا أن تزيح ظلمًا واستبدادًا دام لعقود، ليحل بدلا عنها الآن ذلك التناحر وتلك الحرب التى لم تعد تبقى أخضرًا ولا يابسًا، وأصبح حلم الجميع الفرار من براثن الموت الذى يلاحقهم، حتى هناك فى منافيهم البعيدة.

منذ البداية تبدو “مها” محتفيةً بالساردة “المرأة/الأم”، إذ تهدى الرواية لأمها التى تعدها “ينبوع السرد” بالنسبة لها، والتى رحلت بينما تكتب “مها” تلك الرواية، وتبدو الراوية والروائية مهتمّة طوال الوقت كما كانت فى روايتها السابقة “الراويات” بالمرأة راويةً وحيدةً وأصيلة فى الأحداث والمواقف، محركةً أساسية لكل مفاصل الرواية، بل ليبدو حضور الرجال معها “حتى وإن كان مهمًا أو منقذا” عابرًا وضعيفًا.

تحكى الرواية عن “سارة” التى تجد نفسها منفيّة رغمًا عنها فى “باريس”، بعد أن كانت قد جاءت فقط لتشاهد خالتها التى فوجئت بوجودها فى أواخر أيامها، وتبقى معها حتى وفاتها، ومع وفاة خالتها تكتشف أن تلك الخالة لم تكن إلا “أمها” أصلا، هربت إلى باريس بعد ولادتها بشهور سعيًا إلى الشهر والأضواء الفرنسية الباهرة.

(ربما عليَّ التوقف عن كل شيء، تأجيل الحياة، القطع مع العالم. فقط أمنح نفسى الوقت لإعادة ترتيب حياتى وفق هذا اليوم الذى قلب كل شيء. احتاج إلى الكثير من العزلة لأبدأ سيرة حياتى من جديد، بدءًا من اسم أمى الذى عرفته منذ يوم واحد، وانتهاءً بمحل الإقامة الذى لست متأكدةً منه بعد، من أنا وأين أنا وماذا أفعل هنا وما هو بلدى الحقيقى ومن هم أهلي؟ الكثير من الأسئلة العالقة تضطرب فى داخلى وتفقدنى وعيى بنفسى وبالعالم.. )

%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%aa%d8%b1%d9%88-%d8%ad%d9%84%d8%a8-%d9%85%d9%87%d8%a7-%d8%ad%d8%b3%d9%86

هكذا تضع “مها حسن” بطلتها أمام أزمة “هويّة” و”وجود” مضاعفة، فهاهى تواجه نفسها فى المنفى بأمٍ غير التى كانت تعرف أنها أمها، وفى أجواء الحرب تكتشف اختلافاتٍ جديدة عن كل ما ألفته وتعودت عليه من أيام صباها القديمة، التى أصبحت حلمًا بعيدًا تحاول استعادته بالانغماس بين أصدقاءٍ سوريين فى الغربة، ولكنها تكتشف غربة أخرى فى المنفى بين الأهل والأصدقاء، غربة اكتشاف هويات بينية جديدة، لم تعد “سوريا” واحدة بعد اليوم:

أصدقاؤها صارمون كمدققى اللغة، حين أقول الحرب فى سوريا تحذرنى هالا “أوعك تقولى حرب، هيدى ثورة، رفقاتى بيقوموا عليكي” على واحدنا الانتباه إلى كل كلمةٍ يقولها كى لا يتم تفسيرها وفق معاييرهم الثنائية الثابتة “معارض موال” “قتيل قاتل” .. لا يمكنك أن تكون طبيعيًا أو تلقائيًا معهم. لا يمكنك أن تفكّر أو تنتقد، كل انتقاد للثورة يعنى وضعك فى خانة الموالين، وتبدأ الاتهامات ..

لم تكتفِ “مها” بأن تضع بطلتها فى صدمة اكتشاف “خالتها” بعد كل هذا العمر ومحاولة التأقلم فى وضعها المفروض عليها فى المنفى، حتى تكتشف صدمة أخرى أن “خالتها” تلك ماهى إلا “أمها” التى تركتها وسافرت لتصنع مجدها كفنانة عالمية فى بلد الفن والسحر والجمال! وبين هذا وذاك تدور على الخلفية أحداث الدمار والحرب التى تعصف “بسوريا” وتدمر حلب وتقضى على كل أملٍ لها فى العودة.

%d9%85%d9%87%d8%a7-%d8%ad%d8%b3%d9%86

مها حسن

 

لا تستغرق “مها حسن” فى وصف الدمار الذى وصلت إليه “سوريا” بعد خمس سنوات من قيام الثورة فى 2011، ولكنها تنقلنا إلى تفاصيل حكايات أخرى لها علاقة بتلك “الحروب النفسية” الصغيرة داخل كل أسرة، وما قد تحويه بين أفرادها من أسرار قد تزلزل وتدمر النفوس والشخصيات بأكثر مما تفعله القنابل والحروب! بدءًا بحكاية بطلة الرواية نفسها “سارة” وما تتعرض له حياتها مرورًا بحكايات أخرى مثل «فريال» «أم سعدو” وعلاقتها بخالتها “هدهد” التى ترد فى الفصل الثانى من الرواية الذى تسميه (ما لا تعرفه سارة عن هدهد أو العيش فى حقيبة) وكذلك حكاية الخالة/الأم “أمينة” التى لم يكن لها أن تعرف تفاصيلها لولا أنها حرصت أن تسجل لها حكايتها بالكامل، تلك الحكاية التى تبدو بأحداثها وأبطالها شديدة الشبه بالأفلام الأجنبية لذلك المعجب المراهق “ماتيو” الفرنسى الذى كاد أن يودى بحياتها انتقامًا من أمه التى تتشابه حكايتها مع حكاية تلك الفنانة التى تركت ابنتها وجاءت “فرنسا” لتعيش حلمها!

تحضر “حلب” بقوّة ولكن عبر مذكرات الخالة حينًا والأم والعمة أحيانًا، كلهم يتحدثون عن استحالة الابتعاد عنها والانتقال إلى بلادٍ أخرى حتى لو كانت عربية، وتبرع الكاتبة فى وصف تلك الحالة بطريقة شجيّة مؤثرة، تقلّب على العربى فى كل بلدٍ مأساة ما يشعر به من مشاعر تجاه بلاده التى يود لو تركها وانتقل للعيش فى مكانٍ أكثر أمنًا واستقرارًا، ليجد نفسه مربوطًا إلى بلده الذى ولد ونشأ فيه بحبالٍ غير مرئية وأسبابٍ غير معروفة:

(كنت أشعر بالأمان فى حلب، رغم الحرب، هناك لديَّ بيتٌ يحتويني، حين كنت أدخل العمارة، ما إن أصعد الدرج حتى أشعر أن هذا المكان لي، هويتي، حتى درج البناية أنتمى له، أنتمى للشوارع للمحلات للباعة للفرن … هنا أنا غريبة، لا أعرف الشوارع ولا الناس .. أحس بالخوف والقلق، وحين أتخيّل أننى سألتحق بزوجى فى السويد أشعر بغصّة فى القلب، كأنى سأدخل قبرًا ضيقًا، أوروبا مكانٌ غريبٌ بالنسبة لامرأةٍ فى عمري، لم يعد لديها ما يكفى من الوقت لبدء حياةٍ جيديدة، حياتى هناك فى سوريا، كل يوم، وأنا أشرب قهوتى فى غرفتى التى لا تطل على أى مكان، أحلم بأن أعود لأجلس على شرفتي، حيث أثرثر لزرعاتي، لشجيرة الفل، وعلبة الريحان، … علاقاتى مع زرعات الشرفة طويلة، بعدد صباحات القهوة وأغانى صباح … لم أكن أسمع فيروز كما يفعل الجميع، كانت صباح غرامي، صوتها يمنحنى نشاط النهار .. أين أذهب بكل هذا الحمل إلى بلادٍ بعيدة وباردة، وصباحات قاسية!)

هكذا يبدو المنفى قاسيًا وصعبًا، يتحمله المغتربون على مضض، ويحلمون باليوم الذى يعودون فيه إلى أوطانهم، تدور البطلة “سارة” مشتتة بين باريس وحلب، بين أفكار أمها وخالتها، بين عالمين يبدوان متوازيين لا يتقاطعان، تحلم بأن تخرج من مترو باريس إلى حلب ولكن يبقى ذلك الحلم بعيدًا.

ورغم أن أحداث الرواية تدور كلها فى يومٍ واحد تقريبًا (تحدده الكاتبة ب 5 نوفمبر 2015 حتى صباح اليوم التالي) إلا أنها استطاعت عبر الانتقال بين حكايات الماضى وما يحدث فى الحاضر من نقل الصورة كاملةً، وتصوير حالة السوريين فى الشتات بمختلف مستوياتهم، بل وعكس رؤية للواقع الذى يعيشون فيه الآن وكأنهم فى انتظار الموت!

فى النهاية لا تترك “مها حسن” بطلتها فريسة لتلك الحالة من التشتت والوحدة والضياع، ولكنها تضع أمامها (وعبر شريط أخير تركته لها والدتها) نصيحتها الأخيرة بأن تواصل حياتها وتركز فى مستقبلها ولا تجعل ذلك الماضى وتلك الحكايات والحروب وسيلة لتكبيلها أو عرقلة مشوار حياتها، يتصادف مع ذلك رغبة زميلها الفرنسى “يان” فى الاستعانة بها فى رحلته لسوريا لأخد شهادات واقعية من الناس عن ما يحدث فى “حلب”، فيبدو فى النهاية أن ثمة طريقًا مفتوحًا مرة أخرى للعودة إلى هناك ربما تتحقق الأحلام!