المتحف من الركود إلى الفاعلية   بقلم : د.خالد عزب   فى كبريات مدن العالم متاحف ضخمة كالديناصورات لا يضاهيها فى مداخلها متاحف أخرى، لكن فى عالم المتاحف فى القرن

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d8%ad%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%b1%d9%8a

المتحف من الركود إلى الفاعلية

 

بقلم :

د.خالد عزب

 

فى كبريات مدن العالم متاحف ضخمة كالديناصورات لا يضاهيها فى مداخلها متاحف أخرى، لكن فى عالم المتاحف فى القرن الحادى والعشرين متاحف صغيرة متميزة عرضا وتفاعلا مع الجمهور، هنا يبقى المتحف فى هذا القرن لا ينتظر زواره بل يجذب زواره، لذا فإن دراسات الجدوى لإنشاء أى متحف ستكون معقدة، فالمتحف على بعده فى حفظ التراث وعرضه وكونه ذا بعد اقتصادي، له بعد متعلق بالمجتمع المحلى وهويته.

لذا زحفت إلى مفاهيم عمارة المتاحف، أبعاد جديدة كعلاقته «الطبيعية» بالمدينة «الرمزية» بعصره، مع التحول فى أن عمارة المتحف تمنح قيمة ثقافية مضافة إلى كل شيء مرتبط به، بمعنى أنه تحول من كونه أداة ثقافية ليكون رسالة، هنا تكون المتاحف الصغيرة الحيوية أكثر استجابة للمتغيرات من الديناصورات الكبيرة فى عالم المتاحف، لذا فإن المدن تبحث عن فكرة معمارية قوية لاجتذاب الزوار فى عالم وسائل الاتصال فيه تسيطر على تحركاتهم، ترى الصغار كالنحل الشغال يجهدون أنفسهم لكى يجتذبوا المزيد من الزوار، بينما الكبار كالديناصورات فى حاجة إلى مجهودات مضاعفة، فهل تتغلب مستقبلا المتاحف النوعية على المتاحف الكبيرة، لتتحول الأخيرة إلى هياكل فارغة ليس لديها ما تقدمه سوى سطحها الخارجي- هنا يبرز الجدل بين الفن والعمارة، فالأول حريص على الاحتفاظ بنجوميته، يريد فى أحيان كثيرة من الأخرى الإحجام عن التماس البرهنة على وجودها من خلال مطالبة صريحة بالشهرة، والمفروض فى العمارة أن تكون بدلا من ذلك مقولية ومتوارية وراء العرض المتحفي، كأنها غلاف يقدم بداخله الإبهار.

لكن هناك اتجاه يرى أن عمارة المتاحف صارت أكثر أهمية من ذى قبل فالديناصورات المعمارية “المتحف المصرى الكبير مثلا” تلقى فى كل أنحاء العالم اهتماما متزايدا، حتى بات الجمهور يطلب تذكارات مجسمة أو بطاقات بريدية لبناية المتحف لكونها صارت رمزا يجسد المدينة مثال ذلك متحف الفن الإسلامى فى الدوحة، إن التحولات فى وظائف المتاحف وتزايد أهمية مدخولاتها يدفع بعض المتاحف إلى احداث تغييرات فى بنيتها بصورة لا تمس البناية الأصلية وبذكاء حاد، على نحو ما حدث فى المتحف البريطانى والمتحف المصرى فى ميدان التحرير، وكذلك فى متحف اللوفر.

استغلال المتاحف على نطاق تجاري

ومع ذلك فإن متحف اللوفر من ناحية ثانية، هو أيضا مثال للاستغلال التجارى الضخم للمتاحف والذى نما فى العقود الأخيرة. ويجب مشاهدة مبنى مركز التسويق تحت الأرض، وكاروسلCarrousel اللوفر بأكلاته السريعة، ومحلات الهدايا التذكارية وغيرها المؤدية إلى محطات المترو، والتوسع فى مساحة ورشة المتحف، والمتاجرة فى الأعمال الفنية من خلال كل أنواع النماذج، حتى بصمة اسمه أو الهرم الزجاجى على الورق، والنسيج والخزف- يجب مشاهدة هذا كله بالمقابلة مع هذه الخلفية، لكل نتائج التطوير المدركة بسهولة تامة، والتى تعتبر المتحف- بصورة متزايدة- رصيدا ثمينا قابلا للتسويق.

وتعكس واقعة إجبار “الأمين الأول” للمتحف على إبعاده إلى المكانة الثانية بعد “مدير” اللوفر عام 1992، أى عن طريق خريج إحدى مدارس الإدارة العليا- تحولا بعيد الأثر فى إدارة المتحف إلى شركة للخدمات.

وكانت مقهى المتحف وورشته الخطوة الأولى، بل إنها كانت فكرة تنمية الرفاهية وتذكارات زيارة المتحف، التى أدت بالتدريج فى الستينات إلى استخدامات جديدة للمكان تتسم بالاستحياء وسمحت لمساحات صغيرة أن تعود إليها الحياة فى أركان بعيدة ومن ناحية أخرى تقاس اليوم نوعية المتحف. ويقاس نجاحه فى أحيان كثيرة بالمبيعات الإضافية والتوسعات والإمكانات التى كانت تعتبر من قبل وظائف ثانوية. ولنسأل بالتالي.. هل يكون مركز التسويق رمزا لمتحف المستقبل؟ ولم تعد اليوم جودة المجموعة الدائمة كافية لجذب جموع الجماهير إلى المتاحف. وكمركز للتسويق mall تعمل المتاحف على اجتذاب نطاق واسع من الزوار الذين يمكثون فترة طويلة قدر الإمكان، ويكون اهتمامهم بالأصالة أو بالفن نفسه، أقل من اهتمامهم بالمناسبات الإضافية لاستهلاك السلع والتفاعل.وهذا هو ما ينقص المتحف المصرية والعربية بقوة، لكن لكى يتحقق هذا لا بد من قانون للمتحف يتيح لمدير المتحف ممارسة سلطات نحاسبه عليها بعد منحه اياها, ويجب على المتحف اليوم، من أجل الاستغلال الفكرى والرمزى للمساحة الثقافية، أن يرشد جمهوره- الذى يندر أن يكون ملما بخلفية سمات كل ما تمت مشاهدته، بسبب افتقاره إلى المعرفة الثقافية اللازمة- تجاه الفن، من خلال سلسلة الخدمات الأخرى المتباينة. وفوق كل ذلك وفضلا عن المحاضرات التثقيفية التقليدية، توفر المتاحف على نحو متزايد حيزا لأكشاك الكتب وحفلات الموسيقى الشعبية، وعروض وسائل الاتصال المتعددة، والمناطق النموذجية التى يستغلها المشرفون للاستقبالات أو لأحداث ترويج المنتجات. ويؤدى مهندس العمارة صاحب المكانة، كما تؤدى عمارة الفنان الذى يأخذ بالألباب، القادران على إخفاء وحجب الحاجات المتضاربة، يؤديان على نحو متزايد دورا رئيسيا هنا. ويبدو أن النجاح يبرر مفاهيمها. والحقيقة أن زوار المتحف فى ألمانيا عقب سيل مشروعات المبنى الجديد ارتفع على سبيل المثال من 14 مليونا عام 1969 إلى 69 مليونا عام 1995إلى 80 مليونا ويزيد .

ولقد اتخذ المتحف منذ أمد طويل، تدابير لمواجهة هذه الأرقام المثيرة، منذ أصبح جزءا مكملا لدورة السوق. ورغم أن إدارة ميزانية السوق الحرة للنوع الذى تلاه متحف المتروبوليتان عند طرف سنترال بارك بنيويورك لا تزال تبدو إمكانية بعيدة بالنسبة لمتاحف أوروبية كثيرة، فإن النموذج الأمريكى هو الذى يحدد الطريق إلى تطورات المستقبل. ويتم جنى أكثر من 25 فى المائة من إجمالى دخله من بيع البطاقات وترويج السلع. وبغض النظر عن المحلات التى يملكها المتحف، فإن خدمة المستهلك تشمل ثمانية عشر منفذا للبيع فى الولايات المتحدة، وأربعة وعشرين أخرى على نطاق عالمي، ومستودعا تتم خدماته بالبريد.ومع تفتح المتاحف والثقافة على المجتمع على نطاق واسع، بدأ شيء ما مجسدا فى مركز بومبيدو بباريس، يمثل تساوى الفرص والتحول من مفهوم الفن البورجوازى المتفتح كلية إلى فكرة أرحب عن الثقافة- هذا الشيء حول بالتدريج إلى عامل من عوامل السوق، والى اليوم يحاول ربط القيمة القصوى للتسلية بالتمثيل الثقافي، والثقافة الجماهيرية، والثقافة الرفيعة للنخبة.

والمتحف العظيم اليوم- بوصفه جزءا جوهريا مكملا لشبكة الاقتصاد العالمي- له تأثيره على القيمة السوقية للمدينة، بالمقارنة بجودة مطاراتها، أو مراكز معارضها التجارية، أو مراكزها الرئيسية أو مراكز التسوق أو الأحياء الراقية. ويوجد الآن نطاق كامل للسيناريوهات التى لا تكون فيها الثقافة والاقتصاد فحسب ممزوجين على نحو واضح بالاستثمارات المالية للاقتصاد العالمي، بل وأيضا الخبرات الثقافية وأنماط استهلاك طبقة موردى الخدمات. وبناية المتحف بوصفها استثمارا نموذجيا أو عرضا ثقافيا عاما أو توسعا لمؤسسة قائمة، تكون فرصة لجذب الانتباه الدولى ووسائل الاتصال. وهذا ما يعزز بصورة ضخمة القيمة السوقية للمدينة وليست الظاهرة مقصورة فحسب على الأحياء المجاورة، ولكنها تمتد إلى المدينة بكاملها. ويوفر طوفان الأبنية المتحفية الجديدة فى العقود الأخيرة إثباتا كبيرا لهذه الحقيقة، ولابد أن يكون عدد المتاحف المبنية منذ بواكير الثمانينات أكبر يقينا من أية فترة أخرى، ويجسد المتحف اليوم أكثر من أى وقت مضى أسلوب حياة عصرنا المتمثل فى استخدام القوة، والأحداث المثيرة، والاستمتاع المطلق بالحياة ومع ذلك فهناك حدود واضحة لفردية المتاحف وتميزها. والحدود هى تلك التى تتعلق بالسوق الذى تغلب على الفن والعمارة اللذين يعتبران وكأنهما عاريين عن القيم بجدارة.

هذا كله يقودنا إلى فكرة أساسية لا بد منها فى عمارة المتاحف، أن المتحف لم يعد واجهة للعرض فحسب، بل هو امتداد لعبقرية الفن أو التراث المعروض به، وهو ما يعنى أن صالات العرض به يجب أن تسودها عاطفة من نوع ما، أخذا فى الاعتبار ما يتطلبه التناول الحساس للعمل المعروض ببعد بصرى كاشف له: أى العاطفة قبل الفكرة، هنا يظهر المتحف كمستودع للتراث لكن أيضا مستودع لبث المعرفة إلى العيون والقلوب، هنا تبدو المسافة بين القطعة المعروضة والإضاءة والزائر وحركته ديناميكية تؤدى مع سيناريو العرض الذى يروى قصة، فشلها أو نجاحها هو فشل أو نجاح المتحف فى أداء رسالته.