“السينما فى الجامعة” متى تدخل الدراسات السينمائية إلى البرامج الدراسية الجامعية؟ بقلم : د.سلمى مبارك       ما الدراسات السينمائية؟ وما الفرق بينها وبين دراسة السينما كصناعة وفن؟ لماذا

%d8%b3%d9%8a%d9%86%d9%85%d8%a7

“السينما فى الجامعة”

متى تدخل الدراسات السينمائية إلى البرامج الدراسية الجامعية؟

%d8%b3%d9%84%d9%85%d9%89-%d9%85%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%83

بقلم :

د.سلمى مبارك

 

 

 

ما الدراسات السينمائية؟ وما الفرق بينها وبين دراسة السينما كصناعة وفن؟ لماذا توجد أهمية لتأسيس أقسام للدراسات السينمائية فى الجامعات المصرية؟ كيف ومتى بدأت تلك البرامج فى الدخول إلى الجامعة فى دول العالم المختلفة؟ كيف يمكننا أن نستلهم هذه التجارب لتطوير دراسة السينما فى مصر وتطوير الدراسات البينية عموما؟

تبدوالدعوة لادخال السينما فى البرامج الدراسية بالجامعة هى أقرب للثورة. فوجود الصورة المتحركة فى المجال الأكاديمى هو سبب كاف لإثارة الهواجس لارتباط السينما فى الخيال الجمعى بـ“التسلية”. بالرغم من ذلك فان الاهتمام بالدراسات السينمائية يزداد يوما بعد يوم فى الأوساط الأكاديمية حيث تتعدد البرامج الدراسية المخصصة لها فى الغرب والشرق. تقول مى التلمسانى : “حسمت الجامعات الغربية ومنها الجامعات الكندية التى درست بها أو عملت فيها فى العشرين سنة الماضية، قضية التمييز مؤسسيا بين ما يسمى بقسم الدراسات السينمائية (Film Studies) وما يطلق عليه استسهالا، قسم السينما (Cinema).” فاذا كانت الأولى معنية بإعداد وتأهيل كوادر فنية متخصصة فى مجال صناعة السينما بأقسامها من سيناريو واخراج ومونتاج … الخ. فإن الثانية قد نشأت – تضيف التلمسانى – “كمبحث فكرى يستمد من النقد الأدبى والفلسفة وعلم النفس مصادره المعرفية الأولى منذ عشرينات القرن العشرين.”

cairo-university1

ما أشكال دراسة السينما فى التعليم العالى بمصر ؟

بدأت أول محاولة لتدريس السينما فى 1924 عندما أسس محمود خليل راشد أول معهد عربى للدراسة بالمراسلة ونشر فى 1925 كتابا تعليميا بعنوان “فجر السينما” استخدمه للتدريس من خلال هذا المعهد. أما الدراسة بأكاديمة الفنون فبدأت 1957، فكانت أول مؤسسة رسمية توفر تعليما لفنون السينما فى الشرق الأوسط ودول القارة الافريقية. إلى جانب معهد السنيما وهو المعنى بتكوين الكوادر الفنية لصناعة السينما، ولدت مؤسسات خاصة تمنح شهادات عليا فى دراستها مثل الجامعة الفرنسية بمصر والجامعة الأمريكية بالقاهرة، بالإضافة لـ “أكاديمية فنون وتكنولوجيا السينما” والمعروفة باسم ”أكاديمية رأفت الميهي” وكذلك “المدرسة العربية للسينما والتليفزيون”، التابعة لصندوق التنمية الثقافية.

عن مفهوم الدراسات السينمائية

هذا العدد من المؤسسات المتنوعة تشترك جميعها فى نفس الأهداف وهى تدور فى مجملها حول التكوين الفنى لصناع الفن السابع. لكن يظل مفهوم الدراسات السينمائية شبه غائب عن مؤسساتنا الدراسية ومعه الأهداف المغايرة لتلك الدراسات والنتائج التى تتحقق من وجودها.

تسعى برامج الدراسات السينمائية عادة الى تكوين الطالب فى مجال نظريات السينما وجمالياتها وتاريخها، كذلك تكوينه نقديا من حيث القدرة على مقاربة الفيلم من مداخل متنوعة مثل تحليل النص ومداخل الفلسفة وعلوم الاجتماع والأرشفة والدراسات الثقافية .. بالإضافة إلى دراسة علاقة السينما بالأدب والفنون الأخرى. كذلك تقدم دراسة للسينما من منظور الاقتصاد وعلوم الادارة .. وكثيرا ما تستكمل هذه الدراسات بمقررات عملية تخصص لتعليم أصول كتابة السيناريو. ويستطيع الطالب الذى يتخرج من تلك البرامج أن يعمل فى مهن متنوعة مرتبطة بالصناعات الثقافية كالبرمجة السينمائية كذلك فى مهن الكتابة السينمائية والنقدية والبحث السينمائى بالاضافة لمهن التعليم والتثقيف السينمائى.

البدايات

بدأت أقسام الدراسات السينمائية التى تعرف اليوم فى أوروبا بهذا الاسم والتى أنتجت جيلين على الأقل من الأكاديميين المتخصصين فى العمل منذ النصف الثانى من الستينات. دخلت السينما الجامعة فى فرنسا بعد ثورة 1968 التى خلخلت نظام التعليم وفتحت مساحات جديدة لدراسة الفنون داخل الجامعة بعد أن كان مكانها الوحيد هو المعاهد الفنية وكليات الفنون الجميلة. تأسست هذه البرامج الدراسية فى خضم بزوغ ما أطلق عليه حركة “النقد الجديد” وهو مجموع التوجهات المجددة للنقد الأدبى التى اقتحمت الحقل الأكاديمى وارتبطت على وجه الخصوص باسم رولان بارت. امتدت تلك الموجات المجددة إلى النقد السينمائى من خلال سطوة البنيوية والسميولوجيا فى السبعينات. أما فى ألمانيا فارتبطت حركات التجديد فى الدراسات السينمائية بالنقد الأيديولوجى وتقاليد مدرسة فرانكفورت.

هذه البدايات لم تكن لتصبح بمثل هذه القوة إلا لقيامها على تاريخ سابق بدأ منذ العشرينات فى أوروبا سعى إلى ربط السينما بالثقافة من خلال المشاهدة والتذوق والتعلم. بدأ الأمر مع تيارات التربية الشعبية وهى تيارات كانت تسعى لتعزيز التعليم خارج الهياكل التقليدية للتعليم المؤسسى بهدف تحسين النظام الاجتماعي، وقد اضطلعت فيها السينما بأدوار مهمة. لم تكن مصر بعيدة عن تلك الرؤى التنويرية حيث كانت المدارس تنظم رحلات لتلاميذها يذهبون فيها إلى قاعات السينما يشاهدون الأفلام ويكتبون عنها. هذا ما يحكيه لنا عباس محمود العقاد عن طفولته فى مدينة أسوان وعن تأثير السينما على وعيه المبكر. وفى مذكراته يحكى لنا أيضا محمد كريم عن ولعه بالسينما وكيف أنه كان يذهب لتأجير الأفلام وينظم عروضا مجانية فى حديقة منزل عائلته الثرية، للخدم والبوابين والمكوجية، بل وكان يمنحهم الهدايا لتشجيعهم على حضور تلك العروض.

أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد بذل العديد من المثقفين من المؤمنين بدور السينما فى تربية الوعى جهودا فى تعليمها. كان الطريق الأول لذلك هو تنظيم العروض والمشاهدة والنقاش، فنشأت فى تلك الفترة حركة نوادى السينما التى شكلت أداة تعليمية غير مباشرة لأجيال من المغرمين بهذا الفن. ففى كل من فرنسا وألمانيا على سبيل المثال تنامت المبادرات لخلق شبكات ثقافية تلتف حول الفن السابع. تم ذلك فى الأوساط البرجوازية للنخب الفنية الفرنسية وكان الهدف هو تربية جمهور العامة على ثقافة الفيلم وجمالياته. أما فى ألمانيا فقد انخرطت القوى السياسية القريبة من الحزب الشيوعى فى تنظيم عروض سينمائية كان هدفها التربية السياسية ومناهضة الأفكار الرجعية.

فى تلك السنوات لم تكن مصر ببعيدة عن حركة التفاعل بين السينما والثقافة. فنشأت ندوة سينمائية كان ينظمها الأب زهران. هكذا حكى عنها يحيى حقى :” كبر علينا أن يعرض الأب زهران ندوة سينمائية ناجحة للخواجات والمتمصرين نندس بينهم كالأيتام الدلاديل .. فقلنا لماذا لا تكون لنا ندوة شعبية والكلام فيها بالعربى وزيتنا فى دقيقنا؟ .. وأقمنا أول ندوة فى حدائق قصر عابدين واخترنا لها فيلم “عطيل” الذى فازت به روسيا بجائزة مهرجان كان.” تطورت ندوة الفيلم المختار التى أسسها يحيى حقى وتحولت لندوة جمعية الفيلم : “هأنذا تسعى بى القدم أحيانا الى بيت لا يختلف عن بيوت كبار الأعيان فى مطلع القرن .. لست أدرى من يسكن الآن هذا القصر العتيق. وأيا كان فنحن مدينون له بالشكر على كرمه وحسن ضيافته، فقد تنازل عن حجرة صغيرة فى الحوش لجمعية الفيلم التى تضم نخبة من هواة السينما تجتمع بها مساء كل أحد لتشهد فيلما له ذكر ومقام فى تاريخ السينما على شاشة صغيرة كأنها منديل محلاوى، وبآلة عرض عوراء .. ثم يضاء المصباح الفرد وتندلق فى العتمة مناقشات لذيذة ويخرج الجميع فى غاية السعادة. ليس هنا فخفخة أو طنطنة، ليس هنا ادعاء أو تعال، بل عشق وخشوع وبساطة، كأننا فى معبد” كانت تلك الندوات من منظور يحيى حقى كاتب تلك السطور هى أشبه بمدرسة لتكوين الثقافة والشخصية.

شهادة أخرى تأتينا من أحمد أمين عن الجامعة الشعبية التى أقامها فى سنوات الأربعينات: “نشأت عندى فكرة لا أدرى من أين نبتت، فقد لاحظت خطأ وزارة المعارف فى قصرها جهودها على التعليم داخل جدران المدرسة، مع أن فى عنقها تثقيف الشعب بأجمعه فى المدارس وغير المدارس بالصور المختلفة، وخطأ آخر وقعت فيه وهو فهمها أن نشر الثقافة لا يكون إلا بواسطة تعليم القراءة والكتابة، مع أنه يمكن نشر الثقافة بواسطة السمع، وبواسطة عرض للأشرطة السينمائية على الناس ونحو ذلك من وسائل دون القراءة والكتابة؛ وقد كنت قرأت نتفا عن تعليم الكبار فى الممالك الأجنبية، فعكفت أنا وشابان ممن يعملون معى فى الإدارة الثقافية على قراءة الكتب التى تصف النظم التى اتبعت فى هذا السبيل، فنحن نجتمع كل يوم عصرا .. نقرأ ونترجم وندرس ونبحث .. ونضع تقريرا مفصلا عن هذه الفكرة التى سميناها بمؤسسة “الثقافة الشعبية” والتى سميت فيما بعد بالجامعة الشعبية .. وبعد أن اقتصرت الفكرة أول أمرها على القاهرة عممت فى سائر الأقاليم تقريبا، وأصبح موظفو السينما ينتقلون إلى العمال والفلاحين فى القرى وإلى المصانع، يعرضون الأفلام الثقافية، ومعهم بعض المحاضرين، وترى فيها الموظف الكبير والعامل الصغير يدرسان جنبا إلى جنب فنا جديدا”

أما الطريق الثانى الذى شاع لربط السينما بالثقافة والتعليم فى الخمسينات فكان الدراسة. لم تكن الدراسة النظامية للسينما متاحة لا فى المدارس ولا فى الجامعات فى هذه الفترة. لذا بدأ الأمر بالمحاولات المستمرة للمؤمنين بالسينما كأداة للتثقيف. عمل هؤلاء على تنظيم المحاضرات والتى تحولت فى بعض الدول إلى مقررات دراسية بدأت تدخل على استحياء لقاعات الدرس فى المراكز الثقافية والمعاهد. فى فرنسا تأسس معهد الفيلمولوجيا عام 1948، وارتبط اسم رولان بارت بالمجلة الصادرة عن هذا المعهد عندما كان ينشر كتاباته الأولى فى السميولوجيا بها. وفى 1957 أدخلت كلية الآداب بجامعة لوفان ببلجيكا مقررا عن السينما موجه لطلاب العلوم السياسية والاجتماعية. فكان الطالب يتعرف على التقنيات السينمائية وجماليات الفيلم وعلاقة السينما بالفنون الأخرى كذلك على أساليب استخدام السينما فى التربية. وإذا انتقلنا لدول أمريكا اللاتينية نجد أنه تم فى المكسيك تأسيس “معهد الثقافة السينمائية” عام 1957 واتجهت فيه الدراسة باتجاهين : اتجاه مرتبط بالمهن السنيمائية، واتجاه له أهداف تربوية معنى بتكوين المشاهد خاصة المشاهد المرشح لأن يكون معلما يستخدم السينما فى العملية التربوية. كذلك الأمر فى البرازيل التى أدخلت دراسة السينما منذ 1959 عندما أنشئت مدرسة عليا للسينما بجامعة Minas Gerais انقسمت فيها الدراسة إلى قسم معنى بتخريج صناع السينما وقسم ثان هدفه تخريج نقاد ومعلمين.

أما فى مصر وفى نفس تلك الفترة فقد بدأ الأمر بفصل للتذوق الفنى الذى تحول فيما بعد الى المعهد العالى للنقد الفنى بأقسامه والتى تضم قسما للسينما. يقول ثروت عكاشة : “منذ عام 1961 راودتنى فكرة الارتفاع بمستوى التذوق الفنى لهواة الفنون .. وكنت أدرك أيضا أن نقطة الضعف فى مشروع قصور الثقافة .. ليست هى المال .. بل غيبة رواد الثقافة القادرين على تبسيطها وتقريبها من قلوب الجماهير.. لذا أخذت تشغلنى فكرة اقامة “معهد للتذوق الفنى”.. وفى السادس من يوليو1962 أصدرت قرارا بإنشاء فصل “للتذوق الفنى” يلحق بالمعهد العالى للفنون المسرحية، تقدم له لفرط دهشتى ألف وعشرون طالبا من خريجى الجامعات..”

الدراسات السينمائية والدراسات الإنسانية

يتفق العديد من مؤرخى تدريس السينما أن برامج الدراسات السينمائية التى نشأت فى الجامعات الغربية من بعد 1968 كان لها روافدا ثلاثة : حركات التربية الشعبية، حركة نوادى السينما، بالاضافة لجهود الرواد فى التنظير للسينما وتنظيم الدروس السينمائية خارج أطر المؤسسات التعليمية التقليدية. إعتبر دخول السينما إلى الجامعة هو لحظة تتويج لما يسميه المؤرخ السينمائى ميشيل مارى “ المسيرة الطويلة” والتى كان نتاجها ميلاد الجيل الأول من الباحثين السينمائيين الأكاديميين. كان لانتقال دراسة السينما من المعاهد الفنية إلى الجامعة وبالذات كليات الآداب والعلوم الانسانية عظيم الأثر فى خلق حالة من الاحتكاك الفكرى الخلاق بين السينما والإنسانيات. فدراسة السينما بكليات الآداب – تقول مى التلمسانى – قد فتحت المجال لفهم السينما من منظور شامل يستقى مصادره من نظرية الأدب والفلسفة وعلوم الاجتماع والانسانيات عامة، بالإضافة .. لترسيخ قاعدة مؤسسية للنشر الأكاديمى التى أثرت الدراسات السينمائية فى أوروبا وأمريكا.

وقد تمخض هذا التفاعل بين دراسة السينما والعلوم الانسانية عن وضع العديد من النظريات التى أثرت أطراف تلك العلاقات. فأنتج النقد الأدبى الجيل الأول من الباحثين السينمائيين الذين استلهموا ميراث جيرار جينيت فى وضع نظريات السرد السينمائي. واستفادت درسات الصورة من كتابات فلاسفة التفكير البصرى أمثال ميرلوبونتى، فظهر جيل من الباحثين السينمائيين الذين درسوا ميكانيزمات التفكير البصرى فى مجال إدراك الصورة السينمائية. كما حدثت حالة من التلاقح الفكرى الثرى بين الدراسات التاريخية ودراسة السينما والتى ظهرت فى كتابات مارك فيرو على سبيل المثال. ومن الاتجاهات المعاصرة نجد الدراسات البينية التى تولدت من التقاء علم النفس المعرفى والسينما فاهتم الباحثون الأمريكيون على وجه الخصوص بدراسة عملية المشاهدة السينمائية من تلك الزاوية. وكذلك نجد أن السينما أصبحت مادة خصبة فى مجال الدراسات الثقافية ودراسات الجنوسة. كذلك نمت العلاقة بين الدراسات السينمائية والاقتصاد وعلوم الادارة فتأسس فى السنوات الأخيرة علم اقتصاديات السينما. وجدير بالذكر أن كل تلك العلوم بنظرياتها ومناهجها ومفاهيمها وأدواتها التحليلية لم تتعامل مع السينما كمحتوى فقط انما ككيان فنى متكامل لا يمكن فهم دلالاته سوى بإدراك وفهم أشكاله الفنية. وقد استفادت كل هذه العلوم وغيرها من التفاعل النظرى مع السينما فى تجديد مناهجها وتطوير أدواتها البحثية.

لم تكن كل هذه الآفاق لتفتح لولا دخول السينما الى الجامعة وتجولها بين تلك الحقول المعرفية.

%d8%b3%d9%8a%d9%86%d9%85%d8%a7

أين هى الجامعة المصرية من ذلك؟

لقد رأينا كيف واكبت علاقة السينما بالثقافة فى مصر حركة تطورها بالعديد من بلدان العالم منذ العشرينات. وتكفينا شهادة يحيى حقى الذى أثمرت ندوته السينمائية فى الخمسينات عن تكوين أول جيل من نقاد السينما المصريين من مؤسسى جمعية الفيلم والتى أصدرت فيما بعد نشرتها الشهيرة، حيث كتب عنها حقى أنها كانت “تضارع أرقى النشرات السينمائية فى أوروبا”. انحسر شيئا فشيئا هذا الفوران الثقافى وتحولت الكتابات النقدية السينمائية – إلا فيما ندر- لمتابعات صحفية للأفلام وأخبار الفنانين. ظلت دراسة السينما حبيسة المعاهد الفنية، تكتفى بتخريج أعداد قليلة من العاملين فى الحقل السينمائى وقلة من الباحثين الجادين وبالتالى انفصلت تلك الدراسة عن الروافد النظرية الغنية التى كان من الممكن أن تثرى حقل الدراسات السينمائية فكريا. وفيما عدا جهود عدد محدود من الباحثين ببعض الكليات بالجامعات المصرية الذين يدرسون السينما من خلال المنظور البينى مما يضع تخصصاتهم فى حالة تماس مع الفن السابع، سواء فى الأدب أو الفلسفة أو السياسة أو غيرها، أو هؤلاء الذين يستخدمون الأفلام فى محاضراتهم لإيصال المادة العلمية لطلابهم، أو أولئك المهتمون بنشر الثقافة السينمائية من خلال تنظيم العروض ونوادى السينما.. تظل دراسة وثقافة السينما غائبة عن الجامعة ومعها يغيب مجال بحثى خصب وضخم كان من الممكن أن يخلق ديناميكية علمية جديدة ويجذب أجيالا من الدارسين والباحثين الشباب.

من هذه النقطة يجب علينا التوقف والتفكير. إن عظمة التراث السينمائى المصرى والتاريخ الثرى للثقافة السينمائية فى مصر يفرض علينا استكمال الطريق الذى انقطع. وما من سبيل لذلك سوى توجيه الدعوة للأكاديميين وللمجالس العلمية الجامعية بضرورة فتح باب دراسة السينما فى الجامعة، سواء من خلال تشجيع الباحثين على تسجيل الرسائل فى المجالات البينية التى يدرسون فيها السينما جنبا الى جنب مع تخصصاتهم، أو من خلال ادخالها كمقررات فى البرامج الدراسية، أو من خلال إنشاء أقسام مستقلة للدراسات السينمائية فى كليات الآداب، وهى المرشحة لاستقبال هذا المجال كما حدث فى تجارب دول العالم المختلفة. إن الجامعة هى الباب الوحيد لتطوير العلوم والفنون، وتاريخ السينما فى مصر هو جزء من التراث الحضارى المصرى والعالمى، ولن يتسنى لنا الحفاظ على هذا المكون الثقافى وتطويره الا بتكوين باحثين لديهم المعارف والمناهج العلمية الحديثة التى تمكنهم من دراسته.

هذا هو ما يتوجب علينا اليوم القيام به وهو ما يجب أن تفتح له الجامعة أبوابها.