“قمر العميان” وحشية المشاعر و الأعماق بقلم: د. وفاء كمالو       كانت «ميسون» أنثى أسطورية التكوين وحشية المشاعر والأعماق.. تجتاحها موجات الرغبة ويعذبها الحرمان.. ليلها طويل والجسد مشتعل

16804139091474663554

“قمر العميان” وحشية المشاعر و الأعماق

1253335039

بقلم:

د. وفاء كمالو

 

 

 

كانت «ميسون» أنثى أسطورية التكوين وحشية المشاعر والأعماق.. تجتاحها موجات الرغبة ويعذبها الحرمان.. ليلها طويل والجسد مشتعل بالنيران تبحث عن العشق وشهوة القبلات، رقصت عارية فى ضوء القمر، فتجاوزت حدود المستحيل، وتحالفت مع شياطين المجون لتفتح أبواب الموت والعنف والجنون. لم تكن «ميسون» امرأة عادية.. لكنها أميرة الأميرات ابنة ملك البلاد.. كان سقوطها مدويا ومخيفا تنازلت عن كبريائها وأصبحت عاهرة مثيرة، وشهد القبو السرى فى القصر تلك اللحظات الفارقة، حين اندفعت إلى «غسان» عامل الحظيرة، ورقدا معا فى النار التى ظلت مشتعلة فى قلب الأميرة وجسدها.

كان ملك البلاد قويا صارما عادلا ينعم شعبه بالاستقرار تمرد على القهر والتسلط ورفض الخضوع للتوازنات، ولم يكن دمية تحركها الأهواء، هو أب لثلاث أميرات «ميسون» و«رغد» و«شذا»، وولى العهد «على»، القصر يموج بالوعى والوزراء ينفذون السياسات، لكن سفير الدولة المجاورة كان يبحث عن ثغرة ليسقط الملك القوى وتقف دولته فى طابور الطاعة والولاء.

فى تلك الليلة الفارقة عرف السفير سر أسرار «ميسون»، دخل القبو السرى ورآها فى أحضان مُروّض الخيول، أدرك أنها فى قاع الحضيض وقرر أن يمتلك اللحظة الذهبية، حاصرها وهددها وطلب منها أن تقتل أباها الملك ليسقط عرشه لكنها رفضت بقوة ورفض أيضا عشيقها غسان، وفى هذا السياق تمتد الأحداث والتفاصيل، ويعلن أمين سر القصر أن الحاكم العادل قد مات.. مات بسموم العار، بعد أن رأت أذناه كل مشاهد الدعارة والسقوط وعبر ايقاعات الوهج يقرر السفير أن يمنح العرش لعامل الحظيرة ويزوجه بـ«ميسون» ابنة الملك والعاهرة المثيرة فيصبح «غسان» ملكا مطيعا ضعيفا غبيا، ودمية يسهل تحريكها فى أى اتجاه.. وفى هذا الإطار عرفت الأميرة «رغد» تفاصيل كل الأحداث فهربت من القصر إلى حى الحطابين ومعها أختها وأخوها، انحازت للشعب وتركت السلطة وأصبحوا ضوءا لامعا فى مستقبل المملكة المنهارة التى غاب عنها ضوء القمر والشمس وظل شعبها ساكنا راضخا للظلام.

هذه هى ملامح شخصيات مسرحية «قمر العميان» التى يقدمها مسرح الغد حاليا للمؤلف الكبير «على أبو سالم» صاحب التجربة الشعرية الجريئة المدهشة التى اشتبكت مع السياسة والمجتمع والإنسان، لترسم معنى السقوط أمام واقع شرس، استلب نبض الوجود ودفء الحياة وأعلن بصراحة عن موت الإنسان، وفى هذا الإطار جاءت الكتابة متفردة بخصوصيتها الشعرية الرشيقة التى حولت الواقع العشوائى المجنون إلى واقع فنى مغاير مسكون بهارمونية الجمال ووهج الثورة وبريق التمرد والرغبة فى امتلاك الذات.

لقد انطلق «على أبو سالم» من وعى رحب بقوة الاستبداد ومن يقين عارم برفض التسلط والغياب وكتب نصا شعريا أسطوريا تراثيا بليغا، يمتلك الذاكرة والجذور، كما انه يكشف عن ثقافة المؤلف وقراءاته العميقة للمسرح العالمى حيث الاحالات المدهشة إلى مسرحية «مس جوليا» لمؤلفها «سترندبرج» وكاليجولا لـ«ألبير كامى»، ويذكر أن عالم النص الدرامى جاء مكتمل الأبعاد، تبلورت ملامحه عبر صراع ملموس يدور عبر مستويات الرمز والواقع والخيال، ويتصاعد من خلال أحداث متدفقة وشخصيات واضحة المعالم، وتفاصيل شديدة الإثارة، ذابت معها الحدود الفاصلة بين السياسة والحب والجنس والقهر، وأصبحنا أمام إدانة قاسية لهولاء الذين بعثروا دفء الشمس وضوء القمر.

مخرج المسرحية هو الفنان الشاب «محمد سليم» الذى قدم عرضا مختلفا متميزا جاء مسكونا بالسحر والعنف وببراءة منسوج من الدهشة والحرارة حيث تحولت المفارقة الدرامية لـ«قمر العميان» إلى مواجهة جمالية تدين الردة والتغيب وتؤكد أن إرادة البشر هى القوة واليقين والهدف والمسار، وقد تميزت لغة الإخراج بملامح حداثية وتجريبية واضحة جمعت بين قسوة الواقع ومرارة الحقائق،  بين شراسة الرغبة وتناقضات المشاعر واندفاعات الخيال، ويذكر أن المخرج قد استخدم شاشة السينما بأسلوب شديد البلاغة اختصر كل علاقات الشخصيات الحاضرة والغائبة لنصبح أمام بانوراما رشيقة تكشف تفاصيل هذا العالم المثير المسكون بدعارة الروح والجسد، وتأتى اللحظات التالية على المسرح لتفتح مسارات الوعى والتساؤلات حول الصراع الضمنى الساخن بين السلطة المهترئة والشعب المسكون بالصمت والآهات.

تدور الأحداث فى إطار تشكيل سينوغرافى شديد البساطة غزير الدلالات، الضوء الباهت يعانق الليل ويشاغب الستائر السوداء والعنكبوت الذهبى الضخم، بينما تتحول القاعة الصغيرة عبر التشكيل المدهش إلى مجال واسع للتجربة المغايرة، حيث الجمهور يجلس على اليمين واليسار والتمثيل يدور على  منصتين متقابلتين، الأولى للقصر الملكى الأنيق والأخرى المقابلة لبيت شعبى فقير، الغناء الجميل يتضافر مع خطوط الحركة وألوان الملابس والمؤثرات الصوتية تبعث تيارات الخوف والعذاب، حيث الآهات والصرخات والعواصف والليل والأمواج.

كانت اللحظات الأولى فى غرفة نوم «ميسون» وزوجها الملك الجديد، كاشفة عن الأبعاد والعلاقات، مكان الأحداث وزمانها غائب تماما لكن العلامات الميتاثياترية تحمل الكثير من الاشتباكات، آهات الناس تؤرق «ميسون» بينما يراها زوجها أغنيات تبعث السكينة فى أعماق الملوك، ويظل الحوار الشعرى الراقى متضافرا مع موجات الضوء وحركة الحراس وتقاطعات الظلام التى تأخذنا إلى المنصة المقابلة لنتعرف على «رغد» وأختها الصغيرة «شذا» الوردة اليانعة التى تشرب الصمت رحيقا، وترى ضوء القمر والشمس.. وفى هذا السياق المتوتر نتعرف على الوزير الذى أدمن النعاس على صدور الحسناوات وأوامره بضرب الناس وسحق الشعب بأكمله، بينما الحكيم ينصح الملك بأن يأتى بالخبز للناس، ولا يروض أحلام البسطاء بعصاته كما كان يروض الخيول.

لم تتوقف «ميسون» ملكة البلاد عن علاقاتها الآثمة نراها فى نفس القبو السرى مع «حبرون» الشاعر والسفير وصانع المؤامرات خطوط الحركة ولغة الجسد ولون الفستان الأحمر يكشفون رغباتها الوحشية التى تكاد تدفعها إلى الجنون، لكنها تطلب من ذلك المنافق أن يخلص مملكتها من العذاب والآهات.

تأخذنا خطوط الحركة والضوء إلى «رغد» التى لا ترى إلا السواد منذ أربعين ليلة، فالبلد فى بلاء غاب عنها الضوء والنور، وهى تبحث عن القصاص وتزرع «شذا» فى قلوب الشعب والفقراء وتؤكد أن العرش يجب أن يعود لولى العهد «يحيى» ابن الملك «بدران»، وفى هذا السياق تأتى مواجهتها الحاسمة مع «حبرون» لتكشف عن طبيعته، حيث يؤكد أنه من البلاد التى تهب الملك لمن تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وأنهم لا يهبون الحياة إلا لمن أطاع، ولذلك فإن القمر سوف يظهر بعد خمسة أيام، ذلك القمر البللورى الزائف الذى لن يرى الناس ضوءه أبدا، وعبر ايقاعات التصاعد تحذر «رغد» اختها «ميسون» من زوجها «غسان» ومن عشيقها «حبرون» المؤرق دوما بالبحث عن «يحيى» ولى العهد ويمتد التوتر والصراع فيهددها وتهدده وتقرر أن تهجره لتكون امرأة لكل الرجال ما عدا هو.

يضىء «حبرون» القمر الزائف ويظل الشعب فى غيبوبته الكبرى وتمضى السنوات, الماء يكاد يرحل من بين الشطين، وقمر الله سيقتل فى موجات الزيف والملكة تنهار وتتهاوى تحت أقدام «حبرون»، تطلب منه دورا آخر فى هذا السيرك فيطعنها بالخنجر وتموت وهى تردد.. أحببتك يا من ليس لمثله مثل، وهكذا تتصاعد آهات الناس ويظل الصراع قائما والأميرة «رغد» تبحث عن ضوء القمر فينصحها «حبرون» الذى يمضى بأقماره المضيئة أن تكون دائما الحليف والعدو .. فالناس ما زالت دُمى.

شارك فى المسرحية النجمة الجميلة «وفاء الحكيم» صاحبة الحضور المتميز والأداء اللافت الرصين، والنجم الفنان «طارق شرف» الذى لعب أحد أجمل أدواره المسرحية، مع المتميزين «محمود الزيات، نوال سمير، نورهان أبو سريع، عصام مصطفى، محمد عبدالرحيم، منى شاكر، أحمد فوزى، منال ميخائيل، محمود زكريا، ملك محمود ونورهان نادر».

كان الديكور للفنان «صبحى عبدالجواد» والرؤية الموسيقية المدهشة للفنان «أحمد الحجار» أما الرؤية السينمائية فكانت لـ«طارق شرف» والأشعار لـ«على أبو سالم» وكانت الأزياء لـ«مايسة محمود».