“فخرى لبيب” مناضل من طراز نادر   بقلم : طلعت رضوان   أعتقد أنّ كتاب فخرى لبيب فى كتابه «الشيوعيون وعبدالناصر- الصادرعن شركة الأمل عام1990» غاية فى الأهمية بمراعاة 1

%d9%81%d8%ae%d8%b1%d9%89-%d9%84%d8%a8%d9%8a%d8%a8-590x371

“فخرى لبيب” مناضل من طراز نادر

 

بقلم :

طلعت رضوان

 

أعتقد أنّ كتاب فخرى لبيب فى كتابه «الشيوعيون وعبدالناصر- الصادرعن شركة الأمل عام1990» غاية فى الأهمية بمراعاة 1 – أنه وثــّـق كتابه بالمراجع وبشهادات المعتقلين 2 – أنه مدح نظام يوليو1952واعتبره «حزب عسكرى وطنى» وأنّ الاعتقالات تمتْ ««فى ظل حكم وطنى»» وأنّ ما حدث فى يوليو52كان ««ثورة»» و«عبدالناصر هو القائد الوطنى البورجوازى»» «ج2 – ص11، 201، 318، 516» لذلك فإنّ شهادته لا يمكن التشكيك فيها أو الطعن عليها.

نقل لبيب شهادة بعض الشيوعيين أثناء الحقيق معهم، حيث لفت نظرهم أنّ «مجموعة من ضباط المباحث، كانت تستعد للسفر إلى أمريكا لتلقى دراسات فى تخصصاتهم، فى الوقت الذى كانت فيه الدولة تُـعلن موقفـًـا مُـعاديـًـا للاستعمار، وعلى رأسه أمريكا. ولقد كشف سمير ناجى «المُـحقق» هذا الأمر دون قصد منه حيث كان يتحدث مع زملائه الضباط حول هذه المسألة، وأشاد بعظمة أمريكا والدراسات التى سيتلقونها هناك» وأنّ القيود الحديدية فى معاصم المعتقلين ««كانت صناعة أمريكية» «ج1 – ص234، 367» وأنّ التعذيب ««كان أشد وأنكى وبصورة لم يسبق لها أنْ حدثتْ فى مصرأيام أحلك عصورها زمن الاستعمار» و«تضخم عدد الشيوعيات المعتقلات، كما لم يحدث فى تاريخ مصر، حتى فى أحلك عهودها اظلامًـا» و«عندما جاء الحزب العسكرى إلى السلطة، أصبح اقتحامه للمنازل فى هجمات الليل والفجر، كالهجمات العسكرية البربرية. واستباح المريضة والحامل، استباح ما لم يجرؤالاستعمار على استباحته، زمن أنْ كان الحكم للعدوالأجنبى، وليس للوطنى المصرى» «ج1 – ص339، 351، 439» وأنّ التعذيب «بلغ آفاقــًـا تجاوزتْ ما وصلتْ إليه المعتقلات النازية» و«عندما عاد سعيد خيال من الأوردى حافى القدمين، غير قادر على المشى من كثرة الضرب، خـُـيل إلىّ صورة من صور معتقلات النازى» «ج2 – ص213، 233»

 

وبعد شهريْن من اعتقال الرفيقات الشيوعيات أعلن عبدالناصر فى تصريحه المشهور للصحفى الهندى «كارينجيا» أنه «ليس فى مصر معتقلين أو معتقلات» فرحتْ الشيوعيات بالخبر، فطالبنَ من مدير المعتقل بالافراج عنهنّ، فكانت بداية المذبحة حيث أطلق مدير المعتقل السجينات الجنائيات لضرب الشيوعيات، بينما عندما أعلن مصطفى النحاس أنه لا توجد معتقلات، خرج الجميع إلى الشارع فى نفس اليوم «التفاصيل- ج1- من ص460- 468» ولذلك قالت الشيوعيات فى محضرالنيابة أنّ «عبدالناصر يـُـشبه سالازار» حدث هذا أثناء اضراب الرفيقات عن الطعام وكان مطلبهنّ «الافراج أوالموت»» «ج1 – من 499 – 519»

لم يكتف نظام يوليو بالتعذيب وإنما فرض على المعتقلين الهتاف بحياة عبدالناصرلتصفيتهم فكريـًـا، ولذلك قال المعتقلون «كيف يهتف الإنسان بحياة سجانه؟» وقالوا «نحن نهتف لمصر فقط» حيث كان الهتاف يشمل أغنية «يا جمال يامثال الوطنية» وعندما تبيـّـن لمدير المعتقل إصرار المعتقلين على رفض الهتاف، أمر بمضاعفة الضرب بكل الأدوات: من شوم وسلك..إلخ ولم يكتف بذلك وإنما أراد التنكيل بالعامل «نجاتى عبدالمجيد» الذى كان يشجع زملاءه على رفض الهتاف، فأمر مديرالمعتقل بوضعه فى «البكابورت» الذى يوضع فيه البراز، وأحضروا جثة كلب وجعلوه يحتضنها. وظلّ هكذا لمدة ثلاثة أيام بلياليهم. وهذا الموقف أبرز أصالة الشخصية المصرية، حيث انّ الشاويش المسئول عن تنفيذ الأمركان يأتى فى الليل ومعه قطعة قماش ويمسح فم نجاتى وجبهته ويـُـطعمه ويسقيه، بالتنسيق مع العسكرى حارس الحفرة «ج2- من ص73- 133».

وبسبب دفاع عبدالناصر عن القومية العربية، تم توريط مصر فوصل الأمر لدرجة وجود قوات عسكرية مصرية فى العراق، أثناء الصراع بين الأحزاب العراقية عام1958وإرسال قوات عسكرية مصرية إلى سوريا بعد الحشود التركية على سوريا «ج1- ص52، 60»

وفى شهادة د. فؤاد مرسى قال «انه منذ عام1954- 56 «وجدنا سلطة يوليو تدخل فى مفاوضات مع الاستعمار الإنجليزى، وغزل مع الاستعمار الأمريكى» «ج1 – ص72» ولذلك تغيـّـر قانون الاستثمار، حيث كانت نسبة الأجنبى قبل حكم ضباط يوليو49% ونسبة الحكومة المصرية51% فجاء ضباط يوليو52 وعكسوا الوضع فأصبح للمستثمر الأجنبى51%والحكومة المصرية49%«ج1 -ص38،ج2 – ص170» وقد تلازم هذا الانحياز لصالح رأس المال الأجنبى، مع ظاهرة قمع العمال مثلما حدث فى مذبحة عمال كفر الدوار، ووفق شهادة لبيب فإنّ الدولة الناصرية وصلتْ إلى حد محاصرة المصانع بقوات البوليس وقوات الجيش، وأحيانــًـا أرسلتْ دبابات لمحاصرة بعض المصانع» «ج1 – ص94» ولكى يستتب الأمر لسلطة يوليو «شنّ الحزب العسكرى الحاكم حملة عنيفة ضد القوى الديمقراطية، واخضاعها لقيادته بمعرفة «الاتحاد القومى» وكان الشق الثانى من الخطة هوالاستيلاء على المراكز الرئيسية- الحسّـاسة والمؤثرة- فأصبح عبدالناصر، رئيسًـا لمجلس التخطيط الأعلى، يتولى تحديد الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، وإقرار خطة التنمية. وعبداللطيف البغدادى رئيسًـا للجنة التخطيط القومى، وحسن إبراهيم رئيسًـا  للمؤسسة الاقتصادية، واللواء أنورالشريف رئيسًا لإدارة التعبئة، التى تطوّرتْ فأصبحتْ الجهاز المركزى للتعبئة والاحصاء، وكانت لها لجان فى مختلف الوزارات يمثلها عسكريون، يتدخلون فى كل المشروعات. كما وضع الحزب العسكرى رجاله من الضباط فى الوزارات للتحكم فى الأوضاع الاقتصادية، بل عيـّـنهم- أيضـًـا- سفراء فى وزارة الخارجية ومحافظين فى كل محافظات مصر. كما أخضع السلطة التشريعية والتنفيذية لسلطته المنفردة. وتعمـّـد إخضاع السلطة القضائية للسلطة التنفيذية ليـُـكمل سيطرته. ومورس التحقيق العسكرى على المدنيين، واستخدم السجن الحربى لإقامتهم. وقد رأس الضباط كل الصحف التى أصدرتها الحكومة «ج1 – ص35».

15698352_10209705946583714_6645955192756604707_n

وبعد عام 1956رفع النظام شعار «انتهتْ المعركة مع الاستعمار، لتبدأ مع اليسار» وفى شهادة د. فؤاد مرسى قال «شعار معركة انتهاء المعركة مع الاستعمار، وبدايتها مع اليسار، دبـّـرته أمريكا، ومن هنا جاءت زيارة «راونترى» نائب وزيرالخارجية الأمريكية إلى مصر، وهى زيارة ذات دلالة خاصة،لأنها بـُـنيتْ على أساس مناقشة عبدالناصر، والنظام المصرى فى طبيعة «الثورة» المصرية ومستقبلها ودورها فى المنطقة العربية. وقد تناولتْ الزيارة نقطتين الأولى «كما قال الوزير الأمريكى» «تهنئتكم على نجاحكم فى المعركة الوطنية ضد الاستعمار وقد انتهتْ المعركة مع الاستعمار، وبدأتْ المعركة الداخلية بين الطبقات، وعليكم أنْ تنتبهوا لهذا، لأنّ هذه المعركة الطبقية هى التى يمكن للشيوعيين أنْ يضربوكم فيها. والنقطة الثانية: هى دور النظام المصرى داخل المنطقة العربية. وهنا كان التركيز على الخطر الشيوعى متمثلا فى أوضاع سوريا والعراق. وأنّ دورالنظام المصرى يمكن أنْ يكون دورًا مانعـًـا للمد الشيوعى فى الدول العربية» هذه هى النظرية التى وضعها نائب وزير الخارجية الأمريكية، وهى التى جاءتْ على لسان عبدالناصرفى خطاب بورسعيد يوم23 ديسمبر 1958وللتحضير لهذا الخطاب تمّ القيام بحملة إعلامية- منظمة ودقيقة- كانت من أبرع الحملات التى تمتْ، فإلى جانب الحملة المُوجـّـهة ضد النظام العراقى وإلى دورالشيوعيين هناك، تمّ التركيز على فكرة أساسية، هى دور الشيوعيين المصريين، وتصدّتْ لهذه الحملة- دفاعـًـا عنها وتأصيلا لها- أقلام: يوسف إدريس، أحمد بهاء الدين ومحمد عودة وغيرهم، ثم جاء هيكل- بعد الخطبة- ليـُـترجمها بأسلوبه» «ج1 – ص51، 52» نصيحة نائب وزير الخارجية الأمريكية، وخطاب عبدالناصر فى بورسعيد عن انتهاء المعركة مع الاستعمار، وبدايتها مع اليسار ترجمها محمد حسنين هيكل بأسلوبه الخاص حيث كتب فى «صراحته» أنه ««يتوجـّـب على الشيوعيين أنْ يضعوا على أفواههم أقفالامن حديد وإلاّ…» «ج1 – ص112» ولذلك أصدر الشيوعيون كتابـًـا للرد على هيكل بعنوان «صراحة أم شعوذة؟» «ص121» وفى دفاعه السياسى أمام المحكمة قال د. فؤاد مرسى: «إننى أتهم عبدالناصر بأنه قام بانقلاب على السياسة الوطنية التى أقرّتها القوى الوطنية السنوات 1956، 57، 58. وأنه بدأ ضرب هذه القوى الوطنية فى العراق وسوريا ومصر، بتأثير أعداء العرب ومصر من الأمريكيين «ج1 – ص313، 314» ولأنّ ضباط المباحث حصلوا على دورات تدريبية فى التعذيب فى أمريكا، لذلك عندما زار عبدالناصرالجزائر كان فى رفقته أحمد صالح داود رئيس مكتب مكافحة الشيوعية «ج1 – ص490»

كاد فخرى لبيب أنْ يموت من شدة التعذيب، وخرج من المعتقل وهو مصاب بعدة أمراض، كان أقساها إصابته فى عموده الفقرى، ولذلك كان يعتمد على العكاز فى مشيه. وعندما انضمّ إلى حزب التجمع «اليسارى» تأثر بأفكارالناصريين، وهذا التأثيرظهرفى كتابه حيث كتب أنّ نظام يوليو«حلقة من حلقات الثورة الوطنية» «ج1 – ص32» ورغم ذلك «فالقول الحق أنه رغم وطنية هذه الطبقة فإنها بقيادة حزبها العسكرى كان محكومًـا عليها بانتهاج سياسة دكتاتورية» «ج1 – ص42» ثم عاد فكتب أنها «بورجوازية وطنية معادية للاستعمار» «ج1 – ص68» ولكنه جمع بين تأثره بالناصرية، وأمانته فى نقل شهادات من عاش معهم من المعتقلين، حيث نقل شهادة محمود عزمى الذى حـُـكم عليه بالسجن عشر سنوات، تأديبـًـا وانتقامًـا من والده النائب السابق الذى تصدى لضابط المباحث عندما اقتحم منزله وسبه وسبّ عبدالناصر، وقال لهؤلاء المقتحمين: هل فقدتْ مصر مثقفيها حتى يحكمنا مجموعة من العسكر» «ج 1 – ص431» ولذلك أعتقد أنّ كتاب لبيب أحد الكتب المهمة التى أرّخت للعلاقة بين الشيوعيين وحقبة الناصرية.