“لبنى الريدي” الترجمة فى مسار صعب   بقلم: محمود قاسم   أخطأ الكثيرون ممن عدوا أسماء الراحلين فى العام الماضى من أهل الثقافة. ونسوا عن جهل واحدا من أهم الأسماء

%d9%84%d8%a8%d9%86%d9%89

“لبنى الريدي” الترجمة فى مسار صعب

 

بقلم:

محمود قاسم

 

أخطأ الكثيرون ممن عدوا أسماء الراحلين فى العام الماضى من أهل الثقافة. ونسوا عن جهل واحدا من أهم الأسماء التى ظهرت فى عالم الترجمة منذ ربع قرن تقريبا، إنه اسم السيدة لبنى الريدي، التى قدمت للمكتبة العربية مجموعة من الكتب الثقيلة المتنوعة التى تنتمى جميعها إلى الثقافة العالمية الحديثة بين النص الأدبى المهم، وأيضا الكتب العلمية، وفى الاقتصاد السياسي، وغيرها . وأظن أن العيب الرئيسى لدى المترجمة الراحلة أنها كانت تعمل من منازلهم. من منطق الهواة، وربما أن السبب أنها أرادت أن تشغل وقت فراغها، وأن تستفيد من إتقانها ثلاث لغات. ولكن اللافت للنظر أنها عملت بجدية شديدة، وظلت بعيدة عن المؤسسات الرسمية، وإن كانت مؤسسات عديدة قد انتبهت إليها ومنها دار العين، ودار ميريت بالإضافة إلى المركز القومى للترجمة، وهيئة الكتاب، ولعل هذا يفسر أن خبر رحيلها مر بشكل عابر. أهم ما فى السيدة الراحلة أنها تنتمى إلى أسرة الريدي، فأغلب أفراد الأسرة يعملون فى الصحافة والثقافة، كما أن الكثيرات تخرجن مثلها فى كلية العلوم، ومنهن ابنة أختها مها التى تسير فى مسار خالتها وتترجم كما الهواة، وجميع هؤلاء يتقنون أكثر من لغة، فأختها الأصغر أميمة الريدى ظلت تعمل فى قسم الإذاعات الموجهة لأوروبا بمبنى الاذاعة والتلفزيون لسنوات عديدة، وأختها الأكبر ماجدة الريدى تخصصت فى علم النفس الاكلينيكى وتدرب على يديها أجيال من الاخصائيين النفسيين، وكانت لها ترجمات مختلفة مثل مساهماتها فى موسوعة جامعة كل المعارف أو السيرة الذاتية لجولبيرى أفلاطون، أما زوجها نبيل عيد فقد عمل لسنوات طويلة فى وكالة أنباء الشرق الأوسط وكان احد أعمدتها، وقد توفاه الله فى أواخر ديسمبر أ ى بعد رحيل رفيقة عمره بفترة قصيرة.

فى بداية التسعينات تعرفت على السيدة لبنى الريدى عن طريق صديقى المفضل محسن كريم، وهو أيضا احد الذين ينتمون الى عائلة كبيرة مثقفة، فجده المناضل السكندرى محمد كريم، وعمه هو المهندس الدكتور عالم الأثريات سيد كريم، وقد ورث عنه عشق الأثار، وتاريخها، فى تلك الفترة لم تكن السيدة لبنى قد احترفت الترجمة بالمعنى الذى سارت عليه فيما بعد، وكنت أعمل سكرتيرا لتحرير روايات الهلال، وقدمتها الى مصطفى نبيل رئيس تحرير السلسلة الذى رأى أنها عنصر مفيد فى سياسة السلسلة فى تلك المرحلة، حيث كنا نحرص على ترجمة الروايات التى حصل مؤلفوها على الجوائز الكبرى فى العالم أو فى بلادهم، ومنها جوائز نوبل أو جونكور وغيرها، وطلبت منها ترجمة رواية “حقول الشرف” التى فازت فى الأسابيع نفسها من عام 1991 بجائزة جونكور للكاتب الشاب جان رووه. ولم يمر إلا وقت قصير وسلمتنا الرواية مترجمة تحت اسم ”ساحات الشرف”، وهى تسمية أكثر اتساعا من مفهومى لعنوانها، وسرعان ما وصلت الى القارئ.

لم تكن عملا سهلا. إنها أقرب الى رواية “ الصخب والعنف” للكاتب الأمريكى ويليام فوكنر. الفائز بجائزة نوبل عام 1949، فيها أكثر من صوت راوية، وهى رواية تجريبية. كان المفروض أن تحصل على جائزة مديسيس التجريبية. لكن اعضاء أكاديمية جونكور التقليديين منحوها شرف جائزتهم. وتدور أحداثها فى زمنين مختلفين بين العصر الحالى والحرب العالمية الأولي.

سرعان ما أرسلت المترجمة للبحث عن الرواية فى باريس وعكفت على العمل بدأب شديد . كشف عن سيدة قديرة فى مجالها، ولم تعترض على المكافأة التى كانت الدار تدفعها للمترجم، ولا على النسخ القليلة التى أخذتها، وكانت بالغة السعادة، ألم أقل انها ظلت تعمل بمنطق الهواة!.

15ba97df-2a74-4f2a-b5fc-8c9eb32a7f21-2

ومن الواضح أنها انشغلت بعد ذلك بترجمة عمل بالغ الضخامة صدر عام1995 بعنوان” أفول السلطة” تأليف ألفن توفلر عن الهيئة المصرية للكتاب، والجزء الثانى منه فى العام التالى بعنوان” تحول السلطة”، والكتاب يتضمن خلاصة لنظريات توفلر عن المستقبليات فى عصر تتوالى فيها الأحداث بسرعة مذهلة وقد لمس الكاتب جوهريات الفكر المعلوماتى الجديد وطرح نهجا فى استكشاف معالم ثورة المعلوماتية، حيث جمع ما بين صفات المراقب المدقق للانجازات العلمية والتقنية، وأيضا التحولات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عنها التى تتسم بأنها سريعة الحركة والتغير، كان نجاح الترجمة يعنى أن لبنى الريدى صارت نجمة فى عالم الترجمة، سواء فى اختياراتها أو فى اسلوبها، وفى عام 1998 اكتشفنا أن هناك رواية مجهولة من تأليف البير كامى صدرت للمرة الأولى فى باريس فطلبنا منها ترجمة الرواية، وسرعان ما تصرفت واحضرت الرواية التى صدرت بعنوان “الرجل الأول”، وتتابعت الأعمال الروائية المهمة والمعقدة التى ترجمتها فى السلسلة ومنها رواية “ الطوف الحجري” تأليف البرتغالى خوسيه ساراماجو عن الفرنسية عقب فوزه بجائزة نوبل، ونشرت الرواية عام 2000، ثم تكررت التجربة من جديد فى العام التالى مع رواية ضخمة الحجم بعنوان”جبل الروح” للصينى جاو زينج جيان الفائز بجائزة نوبل فى العام نفسه, بسبب ضخامة الرواية فإنها شاركت أختها أميمة الريدى فى الترجمة.

لا أستطيع اخفاء سعادتنا بهذا الانجاز فمن الصعب العثور على مترجم يقبل شروط دار الهلال، لكنها كانت تعمل من منطق الهواة، وتشعر أنها تشارك فى نشاط اجتماعى ملحوظ، معلنة بفخر شديد أنها مؤمنة بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وتحس أن الثقافة هى افضل السبل لتنمية المجتمعات.

وقد انشغلت بعد ذلك فى ترجمة الكتب العلمية، وكأنها تستكمل مشروعها الأول حين كانت تنشر مقالات علمية أثناء اقامتها فى قطر، فقد كانت تحرر صفحة علمية أسبوعية فى جريدة الراية، إبان الثمانينات، كما كانت تكتب المقال العلمى فى مجلة الدوحة أيام رئاسة تحرير رجاء النقاش، وعقب أن توليت رئاسة تحرير سلسلة كتب الهلال للأولاد والبنات ابتعدت شيئا فشيئا عن روايات الهلال، لكننى عندما عرفت أن كاتبا أفغانيا فاز بجائزة جونكور عام 2009 هوعتيق رحيمى عن روايته “حجر الصبر” اقترحت عليها أن تتقدم الى “سلسلة الجوائز” بالترجمة، فهى فرصة أفضل، ولا أعرف ما الذى اعاق نشر هذه الرواية حتى الآن رغم انتهائها من ترجمتها، ويبدو أن الأمر ترك أثره لديها رغم انشغالها بمرحلة جديدة من العمل فاتجهت الى مجال الاقتصاد السياسي، ومن بين الكتب والابحاث المهمة العلمية التى نشرتها هناك: ”21 بحثا فى مجال “موسوعة كل المعارف” الصادرة عن المركز الثقافى الفرنسى بالتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة عام 2005، وقد صدر الجزء الثانى فى العام التالي، وهو العام نفسه الذى صدر فيه كتاب” ضحايا العولمة” من تأليف جوزيف ستجيليتز عن دار ميريت, ثم صدر لها كتاب” الحياة السرية للشمس” تأليف جون جريبيين عام 2008 فى سلسلة الألف كتاب، وبدا مدى توقدها فى عملها من خلال اختياراتها، وغزارة الإنتاج، فهذا الكتاب العلمى عن الشمس يرى أن النجم صار أكثر قربا من الأرض، ما يجعل سطوعه شديدا ما يساعد على إخفاء المعالجات التى تتم فى أعماقه مولدا كميات ضخمة من الطاقة، والكتاب يصف ما يحدث داخل الشمس ويتحدث عن جسيمات تحت نووية تحيط بنا ولا نشعر بوجودها كما يكشف لنا أن الشمس تتنفس وترتجف.

فى عام 2009 نشرت كتاب “ نظرية الببغاء” تأليف دنيس جيدج. والملاحظ أن الكتب الابداعية كانت تترجمها عن الفرنسية أما الكتب العلمية والسياسية فكانت مترجمة عن الإنجليزية، وهى ظاهرة غير متكررة كثيرا بين المترجمين فى مصر الذين يترجمون عن لغتين بالكفاءة نفسها خاصة فى مجالات العلوم وفى عام 2012 صدرت لها ترجمات جديدة منها “المستقبل الأقصي” حول أهم الاتجاهات التى ستعيد تشكيل العالم فى العشرين عاما القادمة من تأليف جيمس كانتون، عن دار العين بالتعاون مع مركز البابطين للترجمة بالكويت، وكما ترى فإنه فى أفريقيا وآسيا والولايات المتحدة وأوروبا سيكون الأفراد الذين اكتسبوا قوة بامتلاكهم لأدوات الابتكار أكثر اعتمادا على النفس، وأكثر رخاء عن أى وقت فى تاريخ الحضارة، نحن أمام كتاب فى المستقبليات يرى أن اقتصاد الابتكار ثورة فى كيفية استخدام الأفراد للأفكار، والمعرفة، وإدارتهم للتجارة، وفى المستقبل القريب سيكون حصاد اقتصاد الابتكار قفزات كبيرة فى جودة الحياة والتقدم الاجتماعى و حتى فى الثروة الشخصية.

أما أحدث كتاب مترجم صدر قبل رحيل لبنى الريدى فهو”النظرية السياسية -مقدمة“ كتبه أندرو هيوود. وصادر عن المركز القومى للترجمة ويتحدث عن القضايا التقليدية السياسية وأيضا القضايا الجديدة المهمة مثل الهوية والاختلاف والعولمة والتعددية الثقافية، حيث ناقش كل فصل مجموعة من المصطلحات، ويدرس كيف استخدمها المفكرون المنتمون للنظريات السياسية المختلفة.

كما قلنا فى بداية المقال فإننا أمام طراز نادر من المترجمين سواء من حيث اللغات أو نوع الكتب وحجمها والالتزام بالنص وترجمة المصطلحات.

ما سر هذا التنوع فى هذه العناوين المهمة ؟

من الواضح أن الاجابة كانت عند المترجمة نفسها, فكما أشرنا فإنها كانت تعمل من منطق الهواية، وأنها فى الكثير من الأحيان كانت تقوم بعمل الترجمة ثم تبحث للكتاب عن ناشر، وكما رأينا فانها تعاملت مع الكثير من الناشرين فى القطاع الخاص، وأنها ايضا ذهبت الى المؤسسات وفى أحد هذه الكتب تم نشر اسمها رباعيا وهذا لا يحدث إلا لدى الهواة، كما أنها قامت بتقسيم أعمالها الى الاقسام السابق الاشارة اليها، وفى الكثير من الاحيان كانت الكتب تصدر بدون مقدمة، إلا مرتين حيث كتب المفكر محمد سيد أحمد تصدير لكتاب تحول السلطة لألفين توفلر عن هيئة الكتاب ثم مكتبة الأسرة، وكذلك كتب الدكتور جلال أمين مقدمة كتاب«ضحايا العولمة» عن دار ميريت، وفى رواية “جبل الروح“ كتبت مع اختها أميمة الريدى مقدمة قصيرة للرواية قامت فيها بسرد سيرة الكاتب وروايته.

وقد ذكر الدكتور أمين فى مقدمته أن الكتاب من أهم الكتب الاقتصادية التى صدرت خلال الأعوام العشرة الأخيرة على الأقل، صدرت الترجمة كما أشرنا عام 2006 وكتبت المقدمة فى يناير 2005، والغريب أن اسم الكتاب الأصلى لم ينشر باللغة الانجليزية فى الحشايا، ويرى أمين أن الكتاب سوف يحتل مركزا خاصا بين الكتب التى تتناول موضوع العولمة، هذا الموضوع الذى صار شاغلا للمفكرين والسياسيين والاقتصاديين فى تلك الآونة، فالكتاب يهم ويمس بعضا من شكل العلاقات الدولية الأكثر حيوية، وأشدها التصاقا بمصير هذه الدول، نحن الآن بعد اثنى عشر عاما من هذه الترجمة أقل حديثا عن العولمة التى أرقت المثقفين فى بلادنا، وكم خرج رجال الدين يعبرون عن خشيتهم من سيادة هذا المصطلح الجديد الذى يهدد هوية بعض الثقافات.

وقد أشار أمين أن الكتاب مكتوب باسلوب شائق، ويكاد يخلو من التعقيد، والمصطلحات المهمة التى يصعب على القارئ غير المتخصص فهمها، “ فلو كان على أن أختار بعض الكتب وأرشحها للترجمة الى العربية لما ترددت فى اختيار هذا الكتاب الممتاز ليكون فى مقدمتها، وأنا أؤكد على تلاميذى الذين يدرسون موضوع التنمية الاقتصادية ضرورة قراءة هذا الكتاب لذا سررت إذ علمت بقيام الاستاذة لبنى الريدى المترجمة القديرة، بترجمة هذا الكتاب الى العربية، ورحبت بأن أقوم بتقديمه بايجاز الى القارئ العربي”.

السؤال الذى يطرح نفسه، هل اختارت المترجمة الكتاب لتقديمه الى المتخصصين فى الاقتصاد، أم الى القارئ العادى المهتم بالموضوع، لذا جاء الكتاب سهل الاستيعاب أو انها كانت اختيارات أخرى بترجمة كتاب آخر مليئ بالمصطلحات التى تناسب القارئ المتخصص وحده، من ناحية أخرى فإن لبنى الريدى سارت على النهج الذى رسمته لنفسها مع دار الهلال بتقديم وترجمة أعمال نال أصحابها جائزة نوبل فى مجالاتهم، فالاقتصادى جوزيف ستيجلز هو اقتصادى شهير حصل على جائزة نوبل فى مجاله عام 2001، وقد قضى الجزء الأكبر من حياته المهنية استاذا وباحثا أكاديميا . وقد عمل فى أغلب جامعات أمريكا، ويقول المؤلف فى مقدمة كتابه انه كرس وقتا طويلا كأستاذ جامعى فى البحث والتفكير الدقيق حول المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التى اشتغل بها أثناء تلك السنوات وأعتقد أن من المهم تناول هذه المشكلات دون تحيز أو انفعال، وذلك بترك الأيديولوجيا جانبا وفحص الوقائع لتحديد أفضل قرار يتعين اتخاذه أثناء وجودى فى البيت الأبيض كعضو ثم رئيس لمجلس المستشارين الاقتصاديين ( وهى لجنة من ثلاثة من الخبراء يعينهم الرئيس لتقديم الاستشارات الاقتصادية للمؤسسة الأمريكية)، ثم فى البنك الدولي، وتأكدت أن القرارات تتخذ على أسس أيديولوجية وسياسية، وقد أساءت السلطة التنفيذ، كما أكد المؤلف فى مقدمته الطويلة أن كتابه يعتمد على تجربته وهو ليس غنيا بالحواشى والاستشهادات كما هو حرى بعمل بحثى جامعي، ولقد أردت أن أصف الأحداث التى كنت شاهدا عليها، وأروى ما سمعت ولا يتضمن هذا العمل اكتشافات مدوية، ولن يجد أحد البراهين الدامغة لمؤامرة كريهة يحيكها صندوق النقد الدولى وول ستريت لنهب كوكب الأرض.

ولا شك أن هذه الجملة الأخيرة كان يجب وصولها الى بعض خبرائنا الذين ساندوا القرض الذى حصلت عليه مصر فى الفترة الأخيرة، لكن المترجمين يقومون بعملهم والناشرين يصدرون الكتب والخبراء المتخصصين لا يقرأون.

ترى ماذا كان فى جعبة السيدة لبنى الريدى لتقديمه فى الفترة القادمة، وهل يمكن للسيدة أميمة الريدى أو السيدة مها قابيل ومنال قابيل أو دينا قابيل أن تستكملن المسيرة، وان يكلفهن المركز القومى للترجمة بهذا الامر فلا نشعر بافتقاد هذا النوع من الكتب التى كم نحن فى حاجة إليها.