مقلد يُقدِّم ذاته قربانًا للغد   بقلم : أحمد عايد   تبدو الأمور الآن فى ساحة الشِّعر مربكةً إلى حدٍّ مرعبٍ، تجعل كاتبه يتحسَّس رأسَهُ، ويتخوَّف كثيرًا على مستقبل ما

%d9%85%d9%82%d9%84%d8%af

مقلد يُقدِّم ذاته قربانًا للغد

 

بقلم :

أحمد عايد

 

تبدو الأمور الآن فى ساحة الشِّعر مربكةً إلى حدٍّ مرعبٍ، تجعل كاتبه يتحسَّس رأسَهُ، ويتخوَّف كثيرًا على مستقبل ما يكتبه. ولا شكَّ أن هذا ليس قضيةً عابرةً، بل هو قضية تحتاج من الشعراء أنفسهم قبل النقَّاد أن يتوقَّفوا أمامها كثيرًا، ليعيدوا حساباتهم.

ولئن كانت الدعوة إلى تقبُّل مختلف الأشكال الشِّعرية حقًّا، فإنَّ الواقع يجعلنا نُفكِّر فيما وراء ذلك كله، فكيف يستطيع الشاعر أن يستفيد من كل الأشكال ليُقدِّم لنا قصيدةً حقيقيةً، تُثير الإعجاب، وتستطيع مواجهة الزمان، وتكون نقلةً حقيقيةً فى طريق القصيدة.

%d9%85%d9%82%d9%84%d8%af-77

القصيدة العمودية تنهار رغم ما يُدفع وما يُدشَّن لإحيائها، لولا قلة يستطيعون أن يحفظوا لها ماء وجهها فى بعض المحافل، والبقية مسوخ مُقلِّدة. وقصيدة التفعيلة تتراخى، وتُعيد إنتاج ذاتها مراتٍ ومراتٍ. أما قصيدة النثر؛ فما أكثر الهراء الذى تُقدِّمُهُ لنا، إلَّا تجارب قليلة تُثبت وجودها وتؤسس لذاتها منذ بدايتها.

فى الحقيقة سيكون ظلمًا منا أن نضع الشاعر فى شكلٍ وحيدٍ، أو أن نطلب منه أن ينتصر لشكلٍ واحدٍ؛ فالشِّعر جمالٌ مُتفَشٍّ فى الحياة، والجمال لا شكل له، ولا قاعدة له. الشَّاعر سيد كلمته، وهما يتناغمان معًا؛ ليخلقا لنا قصيدةً، هى هى وهما فى آنٍ واحدٍ.

أقول هذا وبين يديَّ ديوانٌ بديعٌ ممتعٌ، صدر مُؤخَّرًا للشاعر عبد الرحمن مقلد بعنوان «مساكين يعملون فى البحر» عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة إبداعات.

الديوان –وهو الثانى لمقلد- يتشكَّل من ثمانى عشرة قصيدة، كلها تنتمى للتفعيلة، تترواح بين بحور الكامل، والمتقارب، والمتدارك، وإن كانت الغلبة للمتقارب. ورغم هذا أفلح مقلد فى جعلنا نتشكَّك فى شكل هذه التجربة؛ هل هى تفعيلية أم نثرية؟ فالقصائد تُشعُّ بنثريةٍ مذهلةٍ، وسردياتٍ بديعةٍ، ولغةٍ تُجافى الطنطنة والتشعرن، وتبتعد عن ترهُّل النثر والسرد.

مقلد مُطَّلِعٌ جيدٌ جدًّا على تجربة قصيدة النثر، وقارئٌ جيدٌ للتجربة الشِّعرية العربية باختلاف مراحلها، كما أنه مُتابع لأهم الروايات العالمية. وهذا يُؤكِّد ما يُؤكِّدُهُ الشعراء الكبار من كون كل شاعر كبير قارئًا كبيرًا. وسيبدو هذا جليًّا فى التصدير الذى يضعه مقلد فى أوَّل ديوانه، فهو يقتبسُ من القرآن الكريم –وهذا واضح فى عنوان الديوان-، ومن ميراث الصوفية المتمثِّل فى أبى يزيد البسطامي، والشِّعر العالمى متمثِّلًا فى أبياتٍ من شِعر يانيس ريتسوس، والروايات العالمية مُتمثِّلة فى رواية اعترافات منتصف الليل لجورج ديهامل.

يبدو لنا الديوان نشيدًا طويلًا للاحتفاء بالخسارات والهزائم، ويتجلَّى هذا منذ القصيدة الأولى «يعملون فى البحر»، والتى تبدأ: “فى الحقيقة/ لم نكترثْ للملوك/ ولا للعبيد”. الاكتراث واللامبالاة من صفات معتادى الخسارات والهزائم. تتجلى فى هذه القصيدة بعض جذور مقلد؛ فهو ينتمى لدمياط، وفيها تشيع مهنة الصيد، والتعامل مع البحر. والقصيدة مونولوجٌ طويلٌ للاحتفاء بأهل بلدته وبساطتهم: “لا يجرحون بديتهم بالسؤال/ ولا يخمدون على الرمل فى الليل/ يكتشفون المآل/ الذى يرحلون إليه، ولا يرسمون مصائرهم عنوةً”. نشعر أنه هذا هو موقف مقلد كذلك من الكتابة، وهو ما تُؤكِّده خاتمة القصيدة: “وأما المجاز فألقوه/ هذا الهلامي/ للحوت../ لا وقتَ للأُبَّهاء الذى يفتن القلب/ أو يأخذ الرئتين بتنهيدةٍ، ويُداوى الجروح/ وهذا الغناء ليبقَ على الصخر، مُتَّكَأً للعواصف والهذيان الجميل/ أزيلوا من اللغة/ البض منها، وأبقوا الهزيل”، وهى دعوة للكتابة عن الإنسان وبساطته، والابتعاد عن الزخرفة، والاحتفال بالعادى واليومى والهامشي.

فى قصيدتَى «الدم» و«عدوَّان» يستلهم مقلد من حكاية هابيل وقابيل لغةً لا تُوحى بعصر كتابتها، لغة تجعل الأمور تلتبس علينا؛ فما يسرده من وقائع القتل واستلاب حق الآخر تنطبق على كل حوادث القتل والاعتداء التى احتفظ بها التاريخ أو أهملها. ولعل هذا راجعٌ إلى ذكاء مقلد، ويرجع كذلك لصبره وتمهله فى الكتابة، والعمل على القصيدة بعد كتابتها، فبين ديوانه الأول والثانى تقريبًا ست سنوات، لم يتوقَّف مقلد عن الكتابة فيها أبدًا، وكان يُطالعنا كل فترة بقصيدةٍ جديدةٍ. القصيدتان من أروع ما فى الديوان، وللمصادفة فقد حصل مقلد بهما على جائزة المكتب الثقافى المصرى بباريس- جائزة هلالى للشِّعر عام 2016 تحت عنوان “من أجل العيش المشترك “. وباريس التى سافر إليها مقلد وافتتن بجمالها ومتاحفها، هى تلك التى يكتب لها مقلد فى قصيدته التى يرثى فيها والده «نُوَّار يضيء ويختفي» مُتذكِّرًا ما حدث قديمًا فى بلدته: “قصَّ لى قصص البدائيين/ مِن سُكَّانها الفقراء/ أطلعنى على أحوالهم/ وبطولة الأيدي/ التى هزمت أساطيل الفرنسيين/ فى عرض البحيرة”. ما أعجب الحياة يا مقلد!

لا يُغفل مقلد فى ديوانه ما تمر به البلد من ظروفٍ سياسيةٍ، وإن كان موقفه السياسى ملتبسًا وغريبًا إلى الآن، تتجلى هذه النبرة فى قصائده: «الأناشيد» والتى ينتقد فيها فكرة أناشيد الانتصار وتمجيد بطولات الزعيم، و«خراب يملأ العين» والتى تتوجه بلهجةٍ شديدةٍ قاسية للساسة وتمرِّغ أنفوهم فى الوحل، و«الثورة» والتى تُقدِّم ملخَّصًا شِعريًّا للثورة وانتصاراتها وفواجعها، و«دم يُغطِّى الوادى الأخضر» التى يُهديها لمينا دنيال، والتى يقول فى آخرها: “ولكنى يا صاح/ وإن لم أكُ أعرفك ولا كنتُ/ قريبًا منك وأنت تودِّعنا/ ولم أكُ يومًا فى الصف الأول/ فى وجه القتلة/ تحملنى الرغبة كل مساءٍ/ أن أنظر فى صورتك/ لألمح هذا الودَّ، وأعشق ضحكتَكَ الصافية، وألعن قاتلك المتغطرس”. ويوجِّه مقلد للقتلة المتغطرسين ضربةً قاضيةً حين يقول: “سنمتلك اليسنمات وأعشاش غابٍ/ وأسماءنا الحركية/ ألعابنا الخشبية/ أسلحةً صدئاتٍ، تُدافع عن حقنا فى الحياة/ نؤلِّف حزبًا جديدًا تكون مقرَّاتُهُ/ دوراتِ المياه العمومية…/ اتبعونى لنبنى شيوعيَّةً للأحبَّة/ كهفًا لمومياتنا فى العراء/ ونرسم مجتمعًا للطيور الأليفة/ نبنى مساكنَ لم يألفوها…”.

تنصرف بعض قصائد الديوان للرثاء، لكن ليس بالصور التى اعتدناها لا فى القديم ولا فى الحديث، بل تؤسس لطريقةٍ ونهجٍ جديدٍ، تظهر فى قصائد: «نوَّار يضىء ويختفي» التى يرثى فيها والده، والقصيدة هى حكاية مقلد مع والده، و«أثر العابر» التى يوجِّهها مقلد إلى محمود درويش، وهى كتابة شِعرية لتاريخ شِعرية درويش، و«وصايا فاتن حمامة» التى كتبها مقلد إثر وفاتها، والقصيدة تمثل رؤية جيل مقلد لفاتن، وتنتهى بوصايا فاتن التى استقاها مقلد من أفلامها وأحاديثها، وتنتهي: “كونوا لباسًا لهنَّ/ وهنَّ لباسًا لكم/ واذكرونى كثيرًا”.

لا يخفى على كل مَن يعرف مقلد حبه الشديد للصديق الشاعر محمود سباق، ولن يفوت مقلد أن يكتب له قصيدةً بعنوان «طرق متربةٌ بالهواء»، وهى نشيد عن أسطورة سباق، التى يعرفها كل واحدٍ يعرفه شخصيًّا، ولكن مقلد يجعل من هذه السيرة الأسطورية نشيدًا بديعًا يصلح للتغنى بأمجاد سباق على مر الأزمان، وفيها يذكر فجائع الحياة التى تنال الجميع، وبالأخص تنال محمود سباق.

سيختم القصيدة التى تليها قائلًا: “الأصابعُ درَّبها الوقتُ/ كانت تخطُّ حكايات مَن سبقونا/ وتصنع تاريخنا الهش فوق الرمالْ/ الحياةُ تسيرُ على كلِّ حالْ”.

ينتهى الديوان بقصيدة «إلى الأجيال القادمة»، والتى يُهديها مقلد إلى ابنه مصطفى ورفاقه، وهى تُشبه بيانًا ختاميًّا للديوان، تُذكرنا هذه القصيدة بأمل دنقل، وفيها يقول مقلد: “وأنت على كتفيَّ/ تُحلِّقُ أبعد مني/ وتصعد للغد، تطلعُ بين رفاقك/ فى التوِّ من خندقٍ/ وتقود النضال وأبناءَ جيلك/ تهتفُ بالخبز للفقراء/ أُحبِّذُ أن تصعدوا يا رفاق صبيِّي/ جميعًا على جسدي/ وأن تنفذوا للبراح/ وأن تُحطِّموا السور والسجن”.