حوار : سيد محمود نقلا عن الحياة اللندنية / في 8 أبريل 2014   فاز الشاعر البحريني الكبير قاسم حداد بجائزة ابو القاسم الشابي التي عادت تونس لمنحها بعد توقف

8ccc

حوار : سيد محمود

نقلا عن الحياة اللندنية / في 8 أبريل 2014

 

فاز الشاعر البحريني الكبير قاسم حداد بجائزة ابو القاسم الشابي التي عادت تونس لمنحها بعد توقف

تنافس على الجائزة 111 عملا من 13 دولة عربية وفاز بها حداد (68 عاما) عن كتاب :”أيها الفحم يا سيدي” الصادر في 2015 عن دارمسعى للنشر والتوزيع. وهو تأويل سردي لسيرة ابتكرها الشاعر لحياة الفنان الهولندي فان جوخ
وهنا حوار اجريته معه قبيل نشر الكتاب ونشرته صحيفة الحياة اللندنية في حينها .

رئيس التحرير

 

عن دار «مسعى» في البحرين جاء كتاب «أيها الفحم، يا سيدي… دفاتر فنسنت فان غوغ» للشاعر البحريني قاسم حداد. والكتاب هو ثمرة منحة تفرغ إبداعي حصل عليها صاحب «ورشة الأمل» من «أكاديمية العزلة» في ألمانيا، ضمن برنامج «زمالة جان جاك روسو»، وهي منحة التفرغ المخصصة للأدباء من العالم، لإنجاز المشاريع الأدبية. وهذه المنحة ليست الأولى التي ينالها حداد في بلاد ريلكه التي يقيم فيها منذ حوالى خمس سنوات متنقلاً بين إقامات أدبية ومنح تفرغ قدمتها مؤسسات عدة، أبرزها «هانريش بول». وأكثر ما يلفت في الكتاب الذي اطلعت على مخطوطةٍ منه معدة للنشر، كونه يستلهم سيرة الرسام الهولندي فان غوغ ويعيد كتابتها في نصوص قصيرة لا يغيب عنها الشعر، وإن غلبت عليها نبرة سردية عرفها قراء صاحب «أيقظتني الساحرة» من قبل في مؤلفات مبكرة له أبرزها «ليس بهذا الشكل ولا بشكل آخر»، أو في «ما أجملك أيها الذئب». كما يتأكد فيها ولع الشاعر باللوحة التشكيلية وصناعتها. ومن يعرف كتابات حداد ويعرف قراءاته النقدية الفاتنة لأعمال صالح العزاز وضياء العزاوي ولبنى الأمين وإبراهيم بوسعد، يجد أنه كثيراً ما وقف على الحافة بين الشعر والنثر وبين المقاربة النقدية وفضاء التأمل.
هنا حوار معه حول كتابه الجديد، لم يغب عنه السؤال عن أسباب تمسكه بعزلته المختارة وعن الثورة التي تحتل مساحة كبيرة من النصوص التي كتبها بلسان فان غوغ.

8aa
> ماذا أضافت لك تجربة التفرغ في ألمانيا؟
– المزيد من اكتشاف الحياة والكتابة. ثمة حضارة مختلفة، الثقافة والحرية والحب فيها في مقدم شروط الحياة. كأنك تتنفس هواء غير مستعمل. يمكنك العثور كل صباح على سبب جديد للحياة، والعمل بحيوية العواطف الإيجابية. في هذه التجربة تيسر لي الشعور بإمكانية جديدة في الكتابة والحياة. ستحب العائلة والأصدقاء أكثر، وتشعر بمسؤولية هذا الحب أيضاً. والأهم أنك ستتعلم درساً في الحرية. الحرية والتشبث بها في مواجهة السلطات كافة. حريتك في أن تختلف مع العالم وتظل تتبادل الحب معه بصدق وبإخلاص. حريتك الفردية. نعم، الحرية الفردية التي لا تكترث بها منظومات المجتمع العربي، ولا تريد أن تفهمها. والأجمل في ألمانيا، أنك ستعيش فصول السنة كافة، من دون أن تنتظر ربيعاً تلفزيونياً، ففي الطبيعة الحرة شيء من جنة الحياة. وفي مثل سني، لن تكون هذه الإضافة قليلة الأهمية. نعم، لقد تعبتُ من كل شيء ما عدا الحب والحرية.
> وكيف تختلف تجربة العيش الطويل عن تجربة شرق – غرب التي تبادلت فيها الإقامة مع إيليا تريانوف، مؤلف «جامع الفراشات»؟
– تجربة «شرق/ غرب»، كانت زيارة قصيرة جداً، لكنها كانت شرارة الامتحان الأول لقدرتي على العيش خارج البيت. كان لتلك التجربة الفضل في الاتصال الفعال بالتجربة الألمانية. أنت لن تعرف الآخر (الناس والبلد) في عبور سياحي سريع. روحك وجسدك يحتاجان إلى بعض الوقت للتنفس الطبيعي في المكان الجديد المختلف. في تلك الإقامة القصيرة كتبت «لستَ ضيفاً على أحد» معبراً عن لحظات الاكتشاف الأول الفاتن. وبعد ذلك وجدت نفسي أمام الآفاق.
> كيف تتأمل العلاقة مع المدن الألمانية المختلفة التي عشت فيها؟
– كل مدينة تتميز بجمال ومزاج مختلفين. تعلمت كيف أطلق للطفل أن يتعرف إلى الحياة. بالعفوية والحرية المطلقتين صرت أُحسن إقامة علاقاتي مع الأمكنة الجديدة في كل مدينة. ويوماً بعد يوم صارت الكتابة تساعدني على فهم الأشياء وإعادة صياغة الوعي المتصل بشعرية الحياة، والاستمتاع بحساسيتي تجاه روزنامة العيش وفهارس المعرفة. كل يوم أجد مدينة أخرى في المكان نفسه. لعلي أكتشفُ أمكنة ومدناً أضعاف المدن التي أقمت فيها.
> كان الشاعر طرفة بن العبد موضوعاً لمنحتك الأولى في ألمانيا، وها أنت اليوم متورط مع سيرة فان غوغ، كيف جاء هذا الانتقال؟
– لا أعرف. لم أنتقل بينهما، انتقلت (لهما/ بهما). كلاهما كان من أحلامي المؤجلة منذ سنوات، «طرفة» منذ «محرق» ستينات القرن الماضي، و «فان غوغ» منذ ثمانينات القرن الماضي أيضاً. أصدقاء كثرٌ يعرفون ولعي بذلك. ولولا فرصة هذه المنح والتفرغ للكتابة في ألمانيا، لما تيسر لي إنجازهما وتحقيق أحلامي في كتابتهما قبل أن أموت. التجربتان كانتا مكنوزتين في خزانة الروح طوال السنوات. ولم أفعل سوى فتح كتاب الحب لكي ينطلقا. بينهما، زمنياً، حوالى 3 سنوات. كتبت «طرفة» في برلين عام 2008، وكتبت «فان غوغ» في شتوتغارت عام 2012. لا يختلفان في الدرجة، ولكن في النوع. أعني، أرجو أن يختلفا في هذا.
> منذ فترة طويلة وأنت تزاوج بين النثر والشعر، ربما منذ «ليس بهذا الشكل»، وصولاً إلى «ما أجملك أيها الذئب»، لكن الكتاب الجديد، فيه نبرة سردية أكثر ذهاباً إلى تأمل مسار كامل، ربما كانت تخصك أكثر ما تخص من تكتب عنه؟
– لا أعرف. أنت تعرف أن مسألة النثر والشعر لم تعد شاغلي منذ سنوات. إنني أرى إلى الكتابة، عميقاً، بوصفها شعراً. وأكتب بكوني شاعراً بالدرجة الأولى. وبهذه الحساسية أقرأ وأكتب وأعيش حياتي.
> وهل هي كتابة الرسم كما وصفتها وهل تعتبرها سيرة أخرى لفان غوغ، أم سيرة لقاسم مرتدياً أقنعة فان غوغ… كيف تجنبت خيار كتابة سيرة لفان غوغ واخترت أن تكتب سردية عنه وله؟
– بالنسبة لي، ليس سهلاً الإجابة عن هذه الأسئلة فعلاً. فحين أكتب لا تكون هذه المسائل ماثلة في شكل واضح وقصدي عندي. إنني أطلق لمخيلتي حرية ما تريد أن تقول بالشكل الذي تحب أن تقوله. كل التفاصيل الفنية (تقنياً)، تأتي لاحقاً، أو تتوضح في ما بعد. فهذه تحتاج درجة من الوعي الذهني لا تتوافر لحظة الكتابة. غالباً ما يساعدني القارئ والناقد وهما (يتفكران) في النص. وأكون ساعتها مكتشفاً معهما (ما حدث) لي. المتعة في تجربة الكتابة، أنك تكتشف، كلما أحسنت عملك، آفاقاً مختلفة وأنت تكتب. لقد كنت أعبر عن عشقي العميق لفان غوغ، في اللحظة التي أحاول التحديق في حياتي. هذه هي المسألة. لستُ كاتب سيرة، ولا روائياً، الشعر وعشق الرسم هما ما كانا يقودان خطواتي أثناء الكتابة.
> تزاوج نبرة السرد في كتابك رغبتك في إبداء وجهة نظر في عمل وتأمله؟
– جوهرياً، ليس في الأمر إبداء وجهة النظر. لكنها الاستجابة لما يستدعيه الموقف، هي التي ساعدتني على اكتشاف الجمال في تجربة «فان غوغ»، بل إنني اتصلت بعناصر وجوانب ما كنت سأعرفها لولا هذا الكتاب، ما ساعدني على سبر لحظات حياتي في شتى منعطفاتها حتى اللحظة الراهنة. الحق أنني لم أكن أكتب، كنت أقرأ.
> هل يطرح النص الجديد سجال المفاهيم كما عبرت في واحدة من فقراته؟
– ما دمنا في الحياة، فإن كل شيء ممكن. المفاهيم التي يجرى تداولها، هي صورة من حياتنا. ومن الحيوية تأمل هذه المفاهيم وفتح آفاق السجال حولها، من أجل وضعها في سياقها الحركي وإعادة قدرتها على التعبير عنا. الفن هو الصوت العميق الأصدق عنا في هذه الحياة، وإذا لم نفهم نحن الأسئلة الإنسانية التي تطرحها علينا تجارب إبداعية غنية مثل تجربة فان غوغ، فربما يفوتنا أن نتمتع بحقنا في الحياة والمستقبل. وليس من الحكمة النظر إلى التراث الإنساني كتحفة نباهي ونتزين بها فقط.
> هل يطرح نص «يا صديقي ويا أخي» مناجاة المنفى، وبمعنى آخر هل خيارك الآن هو المنفى، أم هو خيار فان غوغ؟
– لا أعرف. لا يكون المنفى خياراً إن لم تكن هناك أسباب لازمة. فان غوغ لم يكن يبحث عن منفى أو يختاره، ولم يكن يذهب إليه. لقد كان في (المنفى) منذ لحظته الأولى في الحياة، وكان في المنفى طوال الوقت. من جهة أخرى، المنفى ليس خياري الآن. قلتُ في نص أخير: (لا أذهب إلى المنفى، إنه هنا). من جهة أخرى، المنفى، كمصطلح ومعنى، من المفاهيم التي يتوجب إعادة النظر في تداولها كمطلقات مسلّم بمعانيها. نحن في عصر سيكون المكان، بالمعنى الجغرافي، ليس هو المكان نفسه الذي يذهب إليه الإنسان بعيداً من بيته. فوسائل الاتصال ووسائطه المذهلة تغير الآن المفهوم الفيزيائي للمكان. وفيما يخالج الإنسان شعورُ المنفى في بيته ووطنه، لا تعود إقامته في المكان البعيد شكلاً ناجزاً من أشكال المنفى. فكل تفاصيل الحياة اليومية يمكن متابعتها من أي بقعة في الكرة الأرضية.
> أليس هذا واقعاً يستدعي مراجعة ما يجري تداوله من مفاهيم؟ وبمعنى آخر، هل كان العيش في ألمانيا قراراً اختيارياً تجنباً لتلازم الوضع السياسي في البحرين قبل ثلاث سنوات؟
– طبعاً لا، كيف يمكن تجنب حياتك؟ لكن يمكن القول إن منح إقامات التفرغ للكتابة جاءت في وقتها، فربما عن كثب ترى أكثر وضوحاً، ثم إن البحرين وطنٌ لا يمكن تفاديه.
> لا يخلو النص الجديد من نبرة صوفية وأسئلة كبرى عن موقع الدين من الفن، ما هي خلفيات هذه الحالة في النص، وفي مؤلفات أخرى لك؟
– في شكلٍ واضح، لا أعرف. الواقع أنني أستجيب لكل ما يمسّ الشغاف في تجربتي في الحياة. والدين مثل الفن، ليس حالاً عارضاً في حياتنا. إنهما، كما أعتقد، جناحان يمكن الإنسان أن يحلق بهما بحرية فعالة، إن هو تمكن من التحرر من السلطات التي تعمل طوال التاريخ الإنساني على توظيفهما لمصالح تجهض أحلام البشر. الدين والفن لا يكونان عنصريّ حياة في الإنسانية، إلا إذا تيسر لنا التصرف بهما كشأنٍ شخصيّ خالص، وبحرية ذاتية مكتملة. من هذه الشرفة، ربما، ستلاحظ أنهما من هواجسي الملحة في السنوات والنصوص الأخيرة.

%d8%af%d9%81%d8%a7%d8%aa%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%ad%d9%85
> يبدو هذا النص هو أطول مؤلفاتك من حيث عدد الصفحات بعد «ورشة الأمل»، كيف قمت بالتحضير له، وكم استغرقت من الوقت لكتابته، لأنه نصٌ يتحرر من بطله ليعطي صورة بانورامية لحضارة كاملة ترى نفسها في اللوحة والموسيقى؟
– طول النص وحجمه ليس من بين الأمور التي ينبغي أن تُلفت. لقد كنتُ أستعد لهذا النص منذ أكثر من ثلاثين عاماً تقريباً. أقرأ وأجمع المصادر والمراجع. أضع نفسي في مهب الأعمال الفنية ومحتملاتها في التجارب الأخرى. كنت أذهب إلى أي مكان ونص لكي أعرف شيئاً عن فان غوغ في الحياة والتاريخ والعالم. وصار لديّ مكتبة كبيرة عن هذه التجربة، خصوصاً أنني كنت مأخوذاً بالرسائل الكثيرة التي كتبها «فنسنت» لأخيه وأصدقائه طوال الفترة التي كان ينجز فيها ذلك العدد الهائل من الأعمال الفنية. وسيندهش المرء إذا عرف أن هذا الفنان لم يعش أكثر من 37 عاماً فقط، بل إنه لم يبدأ الرسم في شكل جاد إلا بعد بلوغه الثلاثين من عمره. أي أنه سينجز كل هذه التجربة المترامية الأطراف في سبع سنوات فقط. هذه هي العبقرية الفعالة التي يقدمها لنا فان غوغ، من دون أن يكترث بنا. لذلك، صار علينا أن نكترث له ونحبه ونعشقه، كلما أمكننا ذلك.
حين جاء الوقت لكتابة النص، لم أكن أعرف كيف سأنجزه وبأي شكل. في شتاء كامل بين مدينة شتوتغارت و «بيت هاينريش بيل» في ريف ديورين القريبة من مدينة كولن، كنتُ (أقرأ/ أكتب) النص محاولاً التعبير الشخصي عن عشقي لفنسنت. أذكر، كل يوم، في الليل، عندما يبدأ الظلام باحتضان هضبة العزلة المطلة على مدينة شتوتغارت، والصمت العظيم يغمر فضاء المنطقة كاملة. يصبح المكان هو الأجمل على الإطلاق لكي يدخل الشاعر إلى الكتابة. أذكر، هذا ما كان يحدث لي كل يوم هناك. كانت النقائض على أشدها: الانفجارات العميقة في الروح، مقابل الصمت والظلام في درجة الصفر. كنت أصغي إلى الصمت فأسمعه. كان فنسنت يتولاني بكرمه الرحيم. تلك الأشهر النادرة، مختزلاً كل السنوات السابقة. كان عليّ أن أرى المشهد الشاسع لتجربة أوروبا في ذروة نهضتها الحديثة، بين القرنين التاسع عشر والعشرين، فيما أحملق محدقاً في حياتي في لحظتنا الراهنة. لقد كان هذا بالغ المتعة والغنى وتنوع المعرفة. كنت أقرأ روحي وأكتبها في ذلك السديم الخلاق.