تجربة مسرح «الأماكن المفتوحة» والخروج من نمطية الإنتاج التقليدي فى مسرح «الثقافة الجماهيرية»   بقلم : أحمد عبد الرازق أبو العلا فى أول سطر من كتاب «المساحة الفارغة» لمؤلفه المخرج

%d9%85%d8%b3%d8%b1%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9

تجربة مسرح «الأماكن المفتوحة» والخروج من نمطية الإنتاج التقليدي

فى مسرح «الثقافة الجماهيرية»

 

بقلم :

أحمد عبد الرازق أبو العلا

فى أول سطر من كتاب «المساحة الفارغة» لمؤلفه المخرج الإنجليزى الشهير «بيتر بروك» يقول: «أستطيع أن أتخذ أية مساحة فارغة وأدعوها خشبة مسرح عارية، فإذا سار إنسان عبر هذه المساحة الفارغة، فى حين يرقبه إنسان آخر، فإن هذا كل ما هو ضرورى كى يتحقق فعل من أفعال المسرح» «المساحة الفارغة » هل المسرح ضرورى فى عالمنا ؟ – بيتر بوك – ترجمة : فاروق عبد القادر – كتاب الهلال – 1986 – صفحة 19» .

وبروك بهذه العبارة، يؤكد على أن المسرح ليس بالضرورة – لكى يكون مسرحا – أن يكون له شباك تذاكر، وصالة، ومقاعد مثبته، وأضواء لقاعدة الخشبة، وتغيير المشاهد، والاستراحات والموسيقى، وكأن المسرح – من حيث تعريفه نفسه – هو هذه الأشياء كلها، ولا يكاد يزيد عليها شيئا.. والمسرح الذى يخرج عن هذه الأطر التقليدية، يسميه بيتر بروك «المسرح الخشن» بمعنى أنه قادر على التواصل مع الناس، والتعبير عنهم بنكهته الحادة المختلطة مع عرقهم وضجيجهم ورائحتهم.. المسرح الذى ليس فى المسرح، المسرح على مركبات وناقلات ومنصات، والجمهور يقف، يشرب، يجلس حول الموائد، يشارك، يجيب عن الأسئلة، المسرح فى الحجرات الخلفية، وحجرات أعلى السلالم، ومخازن الحبوب والحظائر..

وأود أن أذكر فى – هذا السياق- المخرج الراحل «عبد الستار الخضري» الذى كان مؤمنا بأن المسرح لا بد أن يخرج من الُعلب المغلقة، ليغامر فى أطر جديدة تجعله حيا متجددا، حين قدم عرضه «مكان مع الخنازير» لمؤلفه «أفول فوجارد» بعيدا عن خشبة مسرح السامر- كان العرض من إنتاج فرقة السامر المسرحية التى اعتادت تقديم عروضها فوق خشبته برغم مسمى السامر !! – مكتفيا ببير السلم «البدروم الواسع» الذى كان موجودا على شمالك حين تدخل من باب المسرح القديم قبل هدمه، ليوحى لك بأن العرض يتم داخل زريبة خنازير بالفعل.. حيث جهز المكان ليعطى هذا الإحساس الواقعى.

تلك الرؤى الثائرة على المسرح التقليدي، تنحاز للتجريب فى عنصر المكان المسرحى بما يحقق التلاحم بين العرض والجمهور..

وفى السياق نفسه أذكر لكم أن احدى الفرق الانجليزية التى قدمت تجاربها المسرحية فى الأماكن المفتوحة، كتبت فى تقريرها العبارات التالية: «إن الفارق الجوهرى بين العرض الذى يصمم من أجل مكان معين، وبين العروض المتجولة، يكمن فى أن المقومات الطبيعية للمكان تتحكم فى شكل القصة، أو السرد، سواء من ناحية المحتوى، أو من ناحية البناء الشكلى، وأن مكان العرض يستنفر الأفكار، ويشكلها، فالعروض يتم تشكيلها وتوفيقها لتتواءم مع المكان الذى ستعرض فيه، ولذلك يمكن القول بأنه فى العروض التى تصمم لأجل أماكن معينة، تتغير العلاقة بين المسرح والواقع، وربما يكون بينهما تجاور واضح، لكن هذا التجاور يكون خطيرا فى بعض الأحيان». «أنظر كتاب «الفضاء المسرحي» – مركز اللغات والترجمة – أكاديمية الفنون – تحرير: حسين البدرى – الحسين على يحيى – د.محمد سيد – مراجعة د.محمد عنانى – مطبوعات المهرجان الدولى للمسرح التجريبى – الدورة الثامنة – 1996». وتتمثل تلك الخطورة التى يشير إليها التقرير دون أن يحددها – فى اعتقادي- أن تلك العروض التى تُقدم فى أماكن مفتوحة، بعيدا عن خشبة المسرح التقليدية،  سيكون جمهورها المتلقى، فى حالة مزاجية مختلفة، تتطلب من فريق العمل، اختيار المكان الملائم، واختيار النص الملائم، لطبيعة المكان المختار، وطبيعة الجمهور المختلف، ولكن أن تقدم عرضا بنفس المواصفات التقليدية، وتقول سأقدمه فى مكان مفتوح، فإن هذا العرض سيفقد مصداقيته، ويفقد – بالتالى – تأثيره.

لقد شاهدت عرضا  خلال عام 2010 لفرقة فى محافظة الجيزة، قدمه المخرج فى مكان يشبه البدروم، مكان فارغ بين عمارتين، داخل مركز شباب إمبابة، العمارة الأولى لمدرسة مجاورة، والعمارة الثانية هى مركز الشباب نفسه، قدم نصا أجنبيا تقليديا يمكن أن يقدم داخل مسرح تقليدى، لأن الضرورة التى دفعته لتقديم عرضه على هذا النحو، ليست هى الضرورة الفنية، بقدر ما جاءت نتيجة للظروف التى حالت دون توفير مكان، يستطيع فيه تقديم عرضه المسرحى، دافعه الوحيد هو: الرغبة فى تقديم عرض مسرحى لم يشاهده إلا أقارب الممثلين وأعضاء لجنة التحكيم، وحين تجلس فى المكان المحصور بين مبنيين، ينتابك الخوف، من أن يسقط فوق رأسك أى شيء ربما يفضى إلى الموت، وقد ذهبت لترفه عن نفسك، فلا تجد أمامك إلا أن تقرأ الشهادة، قبل مشاهدة العرض المسرحى، فهل هذه هى العلاقة التى ينبغى أن تكون بين العرض والجمهور، علاقة خوف من المجهول؟؟

المسرح المفتوح على حد تعبير الناقد الانجليزى «bim mason» لا بد أن يكون على وعى كاف بكل الآليات التى يعمل من خلالها، ذلك لأن المرء، لا يستطيع أن يخفى الكثير عندما يقوم بالأداء المسرحى، خارج حدود المسرح التقليدى، وعلى المسرح المفتوح أيضا، ألا يعتمد على المشاهد والصور المسرحية والإضاءة، لأن كل ذلك يجب أن يكون متحركا، بالإضافة إلى صعوبة الاستماع للنص المسرحى فى الهواء الطلق، يعنى أن التركيز سيكون على الخيال المرئى، والمهارات الجسدية والارتجال أكثر منه على الكلمة المكتوبة، وعليه فبدون تلك الترتيبات المكانية المحددة فى المسرح المغلق، تكون هناك إمكانية لحدوث كل أنواع التواصل بين الممثلين والجماهير، فالمسرح المفتوح يستطيع أن يخلق مسرحا دافئا» «انظر كتاب «مسرح الشارع والمسارح المفتوحة» – مطبوعات التجريبى الدورة التاسعة – تأليف : بيم ميسون وترجمة : حسين البدرى ومراجعة د.محمد عنانى – صفحة 13».

ونود التأكيد على أن مسرح المكان المفتوح، يعد وسيلة من تلك الوسائل، المنحازة لتفعيل التواصل المطلوب، فضلا عن أنها تقدم فضاء جديدا يضاف إلى فضاءات المسرح الأخرى، له خصائص ثقافية واجتماعية مغايرة تماما عن خصائص الفضاءات التقليدية، المحكومة بحوائط، وأطر هندسية، وتفاصيل معمارية كثيرة .

لقد كان المخرج الراحل «بهائى الميرغني» منحازا لهذا الفضاء المغاير، وتبناه، وقدمه فى الفترة التى رأس فيها مسرح الثقافة الجماهيرية الكاتب المسرحى «محمد أبو العلا السلاموني»، الذى انحاز للفكرة، وتبنى مشروعها، وكلف «الميرغني»بتنفيذها ومتابعتها .

استعان الميرغنى بعدد من النقاد المنحازين للفكرة أيضا  فتابعوا المشروعات التى تقدم بها المخرجون فى عام 1998 بعد نجاح تجربة بعضهم فى عام 1997وهو العام الأول للتجربة . وفى العام التالى تم إنتاج أربعة عشر عرضا مسرحيا بمشاركة ثلاث عشرة فرقة بيت ثقافة، بالإضافة إلى فرقة قصر واحدة، وتمت متابعة تجاربهم قبل موعد إقامة المهرجان بشهرين، بمساعدة النقاد المنحازين للتجربة، وانتهت المرحلة الأولى بتصعيد ست تجارب، حصلت على تقدير الجودة الفنية، وتأهلت للمشاركة فى المهرجان الثانى فى أغسطس من عام 1998.. ومن خلال متابعة تلك التجارب فى مواقعها، صدرت ورقة – أراها على جانب كبير من الأهمية – تحدد الأسس والمقومات التى قامت عليها تجربة «المكان المفتوح» وقعها كل من : «مهدى الحسينى  وبهائى الميرغنى  وحازم شحاته».

سأتعرض هنا لأهم النقاط التى أشارت إليها وأكدت عليها فيما يتعلق بتلك التجربة.

حددت الورقة الفلسفة والأسس الفنية التى تقوم عليها تجربة مسرح «المكان المفتوح» اعتمادا على المشاهدة الحية للعروض فى المواقع، فضلا عن مناقشة كافة المعنيين بتنفيذ العناصر الفنية، وتركيزها على توضيح مقومات العرض فيما يتعلق بالموضوع المختار، وطريقة إخراجه، وتوظيف سينوجرافيا المكان فيه، وأشارت – أيضا – إلى ما يتعلق بعنصر التمثيل وطبيعته فى المكان المفتوح، وعنصر الموسيقى، وكيفية التعامل مع الجمهور، وفى نقطة أخيرة وهامة، أشارت إلى بعض النقاط المتعلقة بطبيعة إنتاج هذه العروض، وعلاقتها بالإدارة المنتجة لها .

فيما يتعلق بالموضوع.. حددت طبيعة النص فى التجربة، حيث إنها تعتمد على نوعين من النصوص: النصوص الجاهزة أو المؤلفة مسبقا، والنصوص المؤلفة خصيصا للمكان والبيئة، وأشارت إلى أن العروض التى اعتمدت على نصوص جاهزة لا يبذل القائمون عليها مجهودا كافيا مع النص، وإنما يقدمونه دون مراعاة لشروط المكان المفتوح.

الاستعانة بالنص الجاهز لا تنجح إلا بشرطين: أولهما: أن يقوم كل مشارك فى العرض – حسب مهمته فى الفرقة – بعملية تحويل للنص، من نص ثابت لنص يناسب المكان وواقع الجمهور. وثانيهما: أن يعمل على تفجير طاقات الإبداع والخيال والوعى لدى الأعضاء المشاركين كمنهج أساسى فى تشكيل النص الثابت وتطويعه للمكان.

أما فى حالة النص المؤلف خصيصا للمكان، فيفضل أن تستلهم مجموعة العمل «المخرج – المؤلف – الشاعر- الدراماتورج – الموسيقى – العناصر الرئيسية من الممثلين – مدير الموقع» نصا من تاريخ المكان، أو أن يتعرضوا لظاهرة ذات بعد اجتماعي، أو ثقافى، أو فنى أو فلكلورى، مع تخليق نص العرض جماعيا كلما أمكن ذلك. ويجب التحذير من اللجوء للأفكار العارضة أو أفكار الصدفة التى تختار بغير توجه أصيل مدروس. وفى حالة استخدام الأشعار، يفضل أن تكون كلماتها وألحانها مستلهمة من فنون البيئة، والمكان.

وفيما يتعلق بالإخراج: ركزت على ضرورة أن يقوم المخرج باكتشاف طبيعة البيئة الجغرافية والسكانية، والثقافية، مع مجموعة العمل فى العرض المسرحى المزمع إنتاجه، مع ضرورة خلق علاقة اجتماعية قوية مع الجمهور، حتى يتبنى أهل القرية أو المدينة التجربة، ويدعمونها بكل الإمكانات، وهذا ما شاهدته بالفعل فى معظم العروض التى تم تنفيذها فى هذا الإطار، وعلى وجه الخصوص تجربة «ثمن القمر» التى قدمت على هويس فى قرية بسيون/ غربية، من إخراج «السيد فجل». وهنا ينبغى أن يتجه أسلوب الإخراج مباشرة صوب خصوصية المكان المفتوح برؤية فنية واضحة، مع اكتشاف التقنيات الخاصة الملائمة لتحقيق التناسق بين الأسلوب المسرحى، وخصوصية المكان، مع الابتعاد عن الدارج والمألوف من تقنيات الإخراج التقليدية، والتركيز على مزايا المكان وعيوبه، والنظر الى بانوراما المكان ككل وتوظيفها جماليا ودراميا .

وفى النقطة الثالثة الخاصة بعنصر السينوجرافيا، فينبغى العناية باختيار المكان، وان يكون مميزا وخاصا، و تتيح فراغاته إمكانية إقامة علاقة درامية، ومسرحية وثيقة بين مكان التمثيل ومكان الجمهور.. وعن تلك النقطة تحديدا، أود الإشارة إلى تجربة تحدث عنها الناقد «بيم ميسون» pim mason فى كتابه «مسرح الشارع والمسارح المفتوحة» السابق الإشارة إليه هنا، وهى تقديم عرض مسرحى فى مدينة برشلونة، «أمام مبنى يتم هدمه، وأثناء عملية الهدم التى يشاهدها مجموعة من الأفراد الذين يتصادف مرورهم فى الشارع فى ذات الوقت، وهنا يشعر سائقو البلدوزرات بوجود من يشاهدهم، فيبدأون على الفور فى إبراز مهاراتهم أمام العامة بطريقة مبالغ فيها، هذا ومع أن هدم منازل الجيران يعد عملا دراميا مثيرا للمشاعر، إلا أن ذلك لم يكن المقصود منه – بالطبع – تحويل المكان إلى مسرح للأحداث التى تتم فيه، فضلا عن المناقشات الصاخبة مع رجال المرور.. التى تتم أثناء تقديم العرض المسرحي».

هنا نلاحظ أن سينوجرافيا المكان «البيوت المهدمة» تصبح جزءا من العرض المسرحى، أو قل إنها أصبحت – بالفعل – عنصرا مفجرا للعرض المسرحى فى لحظة ما، اختارها فريق العمل. وبالطبع لا ينبغى – هنا – أن يتم الاعتداء على البيئة أو السكان المجاورين، مثل الاستخدام الخاطئ للآثار أو تشويه جدران بعض البيوت.

وورقة النقاد الثلاثة تؤكد على ضرورة تواجد أكبر عدد ممكن من الجمهور وترتيبه بما يحقق عدالة المشاهدة، وعلى عناصر الديكور أن تخضع لقانون المكان، وجمالياته فى التشكيل واللون، دون أن يؤدى ذلك إلى إفقار المنظر، وألا يكون هناك تزيدا فنيا فى التعامل مع معطيات البيئة بشكل زخرفى، أو غير موضوعى، حتى لا يتحول العرض إلى كتالوج فلكلورى.

أما فيما يتعلق بعنصر التمثيل فى عروض المكان المفتوح، فإن الأمر يتطلب طريقة تمثيل تختلف تماما عن مسرح العلبة، لأن الجمهور هنا – من حيث العدد – يكون كبيرا وينبغى تدريب الممثل على فنون الأداء، بتطوير أدواته التعبيرية التى تسمح له بالسيطرة على جمهوره، ويمكن الاستفادة من أشكال الأداء فى المسرح الشعبى: التشخيص – التحبيظ – الارتجال – اللعب بالعرائس – الحكى والإنشاد – التقليد – فنون التهريج والسامر، وان يتعرف الممثل على الأساليب العلمية الصحيحة فى استخدام صوته بما يحقق الوضوح والقوة . ولا ينبغى أن يكون إيهاميا، كما يكون فى المسرح التقليدى . بل يمكنه الدخول فى حوار مع الجمهور إذا تطلب الأمر ذلك.

وكلما اعتمدت موسيقى العرض المسرحى على العازفين والموسيقيين المحليين، كلما ساعد ذلك على إحداث جزء من التنمية الثقافية والاجتماعية فى الموقع، والموسيقى الحية، وليست المسجلة على شرائط، سيكون تأثيرها كبيرا، لأنها ستساهم فى إكساب العرض طابع خيالى وشعبى، وستكون عاملا من عوامل التفاعل الخلاق بين العرض والجمهور . الذى يكون فى علاقة مع العرض مفتوحة ومغلقة، ولما كان الجمهور هو المستهدف من المسرح – وهذا النوع من المسرح بالذات – لذلك يجب وضعه فى خطة الإخراج، وموضوع النص، وتقنيات التمثيل، والصوت والموسيقى.

وتؤكد الورقة على أن أسس ومقومات مسرح المكان المفتوح متغيرة، دائما، بتغير الزمان والمكان، وعلى الفنانين والباحثين العاملين فى هذا المجال، والمهتمين به، أن يضيفوا إلى الأسس والمقومات التى تم ايجازها، والإشارة إليها هنا، وهى مستخلصة من تجارب المخرجين أنفسهم، ولم تأت من منطلق نظرى جاف، ربما يصطدم بالواقع حين يشتبك معه.