الراهب أحمد الحضري بقلم : أسامة عبد الفتاح   فى أوائل تسعينات القرن الماضي، كنا صحفيين ونقادا صغارا، ندخل مقر الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما – وهو أيضا مقر مهرجان

%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%b1%d9%8a

الراهب أحمد الحضري

أسامة عبد الفتاح

بقلم :

أسامة عبد الفتاح

 

فى أوائل تسعينات القرن الماضي، كنا صحفيين ونقادا صغارا، ندخل مقر الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما – وهو أيضا مقر مهرجان الإسكندرية السينمائى لدول البحر المتوسط – فنجد رجلين أشيبى الشعر جالسين متقابلين على طاولة صغيرة تغطيها الأوراق والملفات، ويعملان بانهماك واستغراق، غير عابئين بما يدور ويُقال حولهما: رئيس الجمعية والمهرجان المؤرخ والناقد السينمائى الكبير أحمد الحضري، ومساعده فى إدارة الاثنين وصديقه ورفيق مشواره الطويل الباحث والناقد الكبير يعقوب وهبي.

رحل وهبى فى نوفمبر الماضي، ولحق به الحضرى بعد أربعين يوما فقط فى أول أيام العام الجديد، لتسقط أوراق أخرى لا تُعوض من شجرة الكبار، ولتخسر الثقافة السينمائية المزيد من القامات العالية التى أثرتها بالأبحاث والكتب والمراجع المؤلفة والمترجمة، والأعمال الإبداعية أيضا.. والأهم أن هؤلاء الكبار قدموا إسهاماتهم فى وقت لم يكن فيه النقد السينمائى قد تحول إلى “سبوبة” لدى البعض، ولم يكن ما يحركهم سعى لمال أو سفر، بل عشق حقيقى للسينما ونشر ثقافتها الرفيعة بين الناس.

من يتابع مسيرة الحضرى (1926 – 2017) يجد نفسه – دون مبالغة – إزاء راهب أو قديس.. ظل أكثر من ستين عاما – من منتصف الخمسينات إلى نوفمبر الماضي، حين حضر حفلى افتتاح وختام مهرجان القاهرة السينمائى الدولى – عضوا رائدا ونشيطا وفاعلا فى الحقل السينمائى دون أن يتورط فى صراعات أو مهاترات معهودة وكثيرة فى هذا المجال، ودون أن يتآمر أو ينصب الشراك لغيره من أجل مكاسب صغيرة كما يفعل الكثيرون، ودون أن يدخل فى معارك أو خلافات إلا حول المسائل الفنية وما يخص صالح السينما المصرية.

على سبيل المثال، حدثنى كثيرا عن ضيقه الشديد من استخدام المصطلحات الأجنبية فى صناعة السينما وكذلك فى الكتابة عنها، ورغبته فى تعريب تلك المصطلحات، لا بمفرده، ولكن بالاشتراك مع العديد من زملائه فى لجنة تُشكل لهذا الغرض.. كما تحدث معى طويلا عن حلمه بتوحيد النقاد المصريين – وإذا أمكن العرب – المصطلحات السينمائية التى يستخدمونها لدى الكتابة عن الأفلام وغيرها حتى لا يتشتت القراء، ومن الأمثلة على ذلك حسم الاختيار بين مصطلحى “منظر” و”لقطة”، علما بأن كثيرين يستخدمونهما للإشارة إلى شيء واحد.

السينمائيون ينتظرون تنفيذ وعد وزير الثقافة بطباعة باقى أجزاء “تاريخ السينما فى مصر”

أما أكبر معركة ثقافية سينمائية خاضها – وتدعو للاحترام والتقدير فى الحقيقة – فكانت الخلاف حول تحديد أول فيلم روائى طويل تم إنتاجه فى مصر، حيث أكد أنه قبل فيلم “ليلى” (1927) قرر المحامى الإيطالى فيكتور ريفيتو أن يصبح مخرجًا عام 1923، وأخرج فيلم “فى بلاد توت عنخ آمون” بعد اكتشاف مقبرة الفرعون المصرى الأشهر عام 1922، والذى يرى الحضرى أنه أول فيلم مصرى طويل، فى حين يصر عدد كبير من مؤرخى السينما على أن فيلم “ليلى” هو البداية الحقيقية للسينما المصرية.

ووضع الكبير الراحل رأيه هذا فى كتابه الشهير “تاريخ السينما فى مصر”، الذى صدر جزؤه الأول عن مطبوعات نادى السينما عام 1989، وأثار جدلا واسعا حول قضية أول فيلم مصرى وقضايا أخرى، وصدر جزؤه الثانى عام 2007 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

وفى هذا الصدد، ينتظر السينمائيون تنفيذ وعد وزير الثقافة، الكاتب الصحفى حلمى النمنم، بطباعة الجزءين الثالث والرابع من الكتاب، واللذين أكد الحضرى الانتهاء منهما تماما، بل قيل إنه سلمهما بالفعل إلى مسئولى هيئة الكتاب، وإن لم أكن متأكدا من هذه المعلومة.. وكان النمنم قد حضر الاحتفالية التى أقامتها الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما للحضرى فى أكتوبر 2015، والتى شهدت تكريمه من قبل الجمعية وتسع هيئات أخرى. وخلال الحفل، طالب الحضرى وزير الثقافة بطباعة الجزءين اللذين تأخر صدورهما كثيرا، واستجاب له الأخير ووعد بإصدارهما عن أى هيئة تابعة للوزارة فى أسرع وقت.. ونحن فى الانتظار.

وبالإضافة لهذا الكتاب بأجزائه،  قدم الحضرى للمكتبة السينمائية العربية نحو 20 عنوانا بدءا من كتابه الأول المترجم “صناعة الأفلام من السيناريو إلى الشاشة” عام 1959. والملاحظ أن معظمها مترجم، مما يجعله رائدا فى مجال الترجمة كذلك، والأهم أن معظمها عن الجوانب التقنية فى صناعة السينما، مثل المونتاج والتصوير وتصميم المناظر، فى دليل عملى على اهتمامه بها أكثر من التنظير غير المجدى.