من خلال هذه الانشغالات ”الطازجون مهما حدث“ حاتم الجوهرى.. ولعبة التأمل     بقلم: أشرف محمد قاسم   فى ديوانه الأول – الصادر مؤخرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب –

%d8%af%d9%8a%d9%88%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a7%d8%b2%d8%ac%d9%88%d9%86-%d9%85%d9%87%d9%85%d8%a7-%d8%ad%d8%af%d8%ab

من خلال هذه الانشغالات ”الطازجون مهما حدث“

حاتم الجوهرى.. ولعبة التأمل

 

 

بقلم:

أشرف محمد قاسم

 

فى ديوانه الأول – الصادر مؤخرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب – “الطازجون مهما حدث“ يؤكد حاتم الجوهرى على التزامه بالشروط الثلاثة التى وضعتها سوزان برنار لقصيدة النثر وهى أن تكون“ موجزة، متوهجة، مجانية“.

قسم حاتم الجوهرى ديوانه إلى خمس مجموعات وعنون كل مجموعة بعنوان تندرج تحته بعض النصوص المعنونة أيضا، ولا أدرى سر تقسيم الديوان إلى هذه المجموعات برغم تقارب روح النصوص التى احتواها الديوان لدرجة التوحد أحيانا.

حاتم الجوهري

حاتم الجوهري

 

فى نصوص حاتم الجوهرى نراه معنيا فى المقام الأول باستئناس العناصر الكونية ليحاورها من خلال لعبة التأمل فى ماهية الكون والنفس البشرية، باختلافاتها و تصوراتها الفلسفية والإبداعية، فى محاولة للتصدى للزيف والقبح والتشوه :

أيتها البلاد التى أتعبت كاهلى

بثقل ذكريات أبنائها

لماذا أنا وحدي

على أن أكون حامل كل الذكريات !

لماذا أنا وحدي

أشاهد ميلادهم يحاربون

ككائنات مسخرة بحر إرادتها. ص 14

وإذا مررت على ديار من ادعوا أنهم رفاق

مر بنسائم الغفران

وافرد بضرباتك انحناءات الظلام

التى سكنت اعوجاج صدورهم ولو لمرة أخيرة ص 23

يعتمد حاتم الجوهرى فى معظم نصوص ديوانه على التكثيف اللغوى للنص متجاوزا مرحلة المطولات الشعرية، فهو يقطر فكرته فى إشارات خاطفة، تترك المتلقى فى حال من الدهشة والتأمل، إشارات توجز حالته الشعورية وفكرته دون اكتناز أو تطويل، ربما يحيلنا نصه إلى شعر الهايكو اليابانى فى تكثيفه والتماعاته المبهرة، وإلى الأبيجراما الشعرية المختزلة :

لعينيها

صفاء رسائل البدايات

و“ لهالة“ وجهها حين تنظر

قوة ملائكة

يدفعون بالأخشاب

إلى مراجل قلبها

لإصرار روحها فى التتبع

صدق المجاهدين الأوائل

متى يحاربون ! ص 104، 105

ومن هنا نرى أن حاتم الجوهرى حريص أن يخرج بنصوصه من إسار الرتابة والتكرار، وأن يكتب نصا طازجا غير مجترح سلفا، فى ومضات كالبرق الخاطف، حيث يرسم عالمه الخاص الذى يحلم به، العالم الذى لا يتواطأ على الإنسان، ولا يقتل حلمه فى مهده، من خلال استعادة لحظات الطفولة، وإزالة شوائب الزمن عن ملامح وجهه القديم، واختصار مسافات شاسعة بين الأمس واليوم :

كان بإمكانك

أن تكونى ست الحسن

أميرة لأحلامى التى حفظتها

كان يمكن / للورود البيضاء

أن تتحلق حول شعرك

وأنت تتشبثين خلفى على الحصان ! ص 109

تحتشد نصوص حاتم الجوهرى بصور متتابعة من الفجائع والهم العام الذى يسيطر على معظم نصوص الديوان، ورصد التحولات السياسية التى تمر بها المنطقة العربية من مصر إلى العراق وفلسطين و لبنان، وما يمور به واقعنا العربى من أزمات وتوتر، على اعتبار أن الشاعر جزء من هذا الواقع :

فى لبنان

مثلما يكونون فى البصرة أو غزة

لا يختلف نحيب الأطفال الفزعين

يصرخون جميعا بلغة واحدة

وهى المرجع المقدس الوحيد فى اللهجات ! ص 35، 36

411

ثمة ملمح مهم آخر فى هذا الديوان وهو انفتاحية النص لدى حاتم الجوهرى على الاختلاف والتأويل و تعدد الدلالات، ومحاولة اكتشاف مناطق جديدة للحلم فوق أرض أمست لا تعترف بهذا الحلم، بل وتمارس عليه سطوتها فى واقع مجحف، وهذه التأويلات الدلالية بالطبع ليست منبتة عن النص، بل لها ما يعضدها فى جميع روافد النص من لغة وصور ومجاز لدعم كل تأويل :

هل للذكرى وجع ؟

هل تربط صاحبها فى قاطرة سريعة

عليه أن يلاحق جريها

فإما أثبت رجولته

أو قطعت هى أنفاسه ص 15

يغنون للبحر.. وللهواء.. وللرماد

كنبات عباد شمس

يغير اتجاه صلاته

أينما قابل مجلس دفء سجد! ص 27

ت السردية للقصص يمكن أن نلمس بأنها عندما عالجت الواقع اصطدمت بحقيقته العقيمة ونهايته الحتمية الوشيكة، إذ تسير به عجلة الزمن بشكل حثيث نحو زواله المحتوم، فلم تجد أى القصص مهربا وملاذا إلا فى عوالم الحلم والرؤيا وما وراء الواقع والفانتازيا، فزجّت بشخصياتها فى دواماتها التى لن تكون مثالية أو رائقة فى كل الأحوال، إذ علينا أن نتذكّر دائما، أن أية كتابة، مهما كانت خيالية أو فانتازية، هى فى النهاية كتابة عن الواقع، وانعكاس تخييلى له، لكنها ترتدى قناعا أو زيا تنكريا تحاول التخفّى وراءه.

_____________________________________

كاتب وناقد عراقى