الترجمة وتجديد كل أمل   بقلم : بشير السباعى   بما يتماشى مع النرجسية القومية للمجتمعات العربية فى العصر الحديث، والتى مثَّلت الوجه الآخر للانكسارات حيال الغرب الاستعماري، ركزَّت حركة

translation

الترجمة وتجديد كل أمل

 

بقلم :

بشير السباعى

 

بما يتماشى مع النرجسية القومية للمجتمعات العربية فى العصر الحديث، والتى مثَّلت الوجه الآخر للانكسارات حيال الغرب الاستعماري، ركزَّت حركة الترجمة فى عصر النهضة العربية على ترجمة المؤلفات التى تُبرز الجوانب المشرقة فى تاريخ الحضارة العربية وانصرفت، أو كادت، عن ترجمة المؤلفات التى تنتقد مثالب مجتمعاتنا وموروثاتها. وكرَّست بذلك خرافة الأمة المختارة.

لكن ساعة الحقيقة قد حانت ولم تعد هنالك أية إمكانية للتهرب من مواجهة الحالة المزرية للمجتمعات العربية على كل الأصعدة، فموروثات هذه المجتمعات البالية مازالت تنيخ على الفضاء الروحى المعتم لشعوبها، وهياكلها الاجتماعية ما زالت موسومة بعلامات التخلف الرئيسية المتمثلة فى غرق الملايين فى مستنقع القهر والإذلال والحرمان، بينما البنى القومية لهذه المجتمعات لا تزال بنى استبدادية تذكِّرنا فى كل لحظة بأن سيرورة الفردنة والمواطنة لم تقطع شوطًا يُذكَر قياسًا إلى الغفلية المجتمعاتية.

وساعة الحقيقة هذه تتطلب، ضمن ما تتطلب من مهمات أخرى وكبرى، تحويل دفة حركة الترجمة العربية إلى اتجاه نقدى لمجمل البنية الثقافية الراهنة السائدة فى مجتمعاتنا. وفى هذا الاتجاه، تتخذ ترجمة المنهجيات العلمية فى مختلف العلوم الإنسانية مركز الصدارة، فى تواكب مع ترجمة المؤلفات النقدية التى لعبت دورًا مهمًّا فى تقدم المجتمعات المتقدمة وفى تواكب مع ترجمة المؤلفات التى تتصدى بجرأة لمثالب موروثاتنا وتاريخنا وتزيح الستار عن تخلف مجتمعاتنا، فلم نعد نملك رفاهية استمرار النرجسية القومية أكثر من ذلك.

لكن مهمة كهذه تتطلب من المعنيين بها التشديد على وجوب خلق وإنماء بنى تحتية وبرامج متماسكة لتيسير الوفاء بها، فلم يعد بالإمكان المراهنة على مجرد مبادرات المترجمين الفردية.

وعدم الوفاء بهذه المهمة معناه أننا نحرث فى البحر بلا طائل، ما يشكل انعدامًا للشعور بالمسئولية تجاه حاجات بلداننا فى لحظة تواجه فيها مخاطر وجودية.

وفى هذا السياق، تستحق مجموعة من الأمور شدَّ الانتباه إليها:

فأولًا، حيال العدد المحدود جدًّا من النسخ الورقية الصادرة من العمل المترجم الواحد، يتطلب الأمر مبادرة لإطلاق النشر الرقمى حتى يتمكن جمهور القرّاء الواسع من الاطّلاع المجانى على المؤلفات المترجمة.

وثانيًا، وبالنظر إلى محدودية الأرصدة القومية المخصصة للترجمة، يجب إطلاق برامج تعاون مشتركة مع المؤسسات الثقافية الدولية والأجنبية ضمن المنظور النهضوى لفعل الترجمة من دون أى شروط من شأنها المساس بهذا المنظور.

وثالثًا، يجب إلغاء ترسانة بأكملها من التشريعات التى ما زالت تمثل قيدًا خطيرًا على التداول الحر للأفكار والنتاجات الثقافية الرامية إلى تحرير الإنسان من كل أشكال الاغتراب.

ورابعًا، وقياسًا إلى محدودية التعريف بالأعمال المترجمة الصادرة، يتطلب الأمر التواصل مع الميديا بشكل احترافى اعتمادًا على كوادر من المحررين وعارضى الإصدارات الأكفاء.

وخامسًا، حتى تصل الأعمال المترجمة إلى أوسع جمهور ممكن من القرّاء، يجب التركيز على إيجاد حلول عملية لمشكلات التوزيع وتوسيع منافذ التوزيع التى لا تزال محدودة بصورة محزنة.

قبل عشرات من السنين، قال الشاعر السريالى المصرى جورج حنين: «إننى أنتمى إلى بلد قادر على تبديد كل يأس… وكل أمل»، فلنجعل هذا البلد قادرًا على تأكيد كل أمل وتبديد كل يأس!