رسائل سبتمبر بقلم : أحمد عبد المنعم رمضان   استيقظ إسماعيل فى موعده اليومى الثابت، تمام السابعة والنصف، لم يكن المنبه قد أطلق رنينه بعد، حيث سبقته ساعة إسماعيل البيولوجية،

144

رسائل سبتمبر

بقلم :

أحمد عبد المنعم رمضان

 

استيقظ إسماعيل فى موعده اليومى الثابت، تمام السابعة والنصف، لم يكن المنبه قد أطلق رنينه بعد، حيث سبقته ساعة إسماعيل البيولوجية، ضغط على زر المنبه، اعتدل فى سريره وتثاءب بحرص وكأنه يخشى على فكه من السقوط، غسل وجهه وأسنانه، صفف شعره القصير، ثم ارتدى بدلته الكاملة، وقف أمام المرآة عاقدا رابطة عنقه حتى تداخلت خطوطها الرمادية مع السوداء، عاد ليفكها ويربطها من جديد بحيث لا تمر نسمة هواء فيما بين عقداتها المحكمة، مسح حذاءه بعناية ثم اتجه إلى الحجرة المجاورة بعد ما أغلق باب حجرة النوم وفتح بابا آخر ملاصقا له تعتليه لوحة بيضاوية سوداء منقوش عليها بلون ذهبى مُتآكل «الأستاذ إسماعيل الفايد». يتصدر الحجرة مكتبا أنيقا وقليلا من الأوراق المتناثرة على سطحه، وفوق رأس كرسيه الخشبى تطالعك من على الحائط صورة فوتوغرافية كبيرة لوجهه المنفرج عن ابتسامة واسعة، تبدو الصورة بنفس أناقة الأصل، تلك الأناقة التى تبدو مفتعلة ومصنوعة، من النوع الذى يطلقون عليه «حفلطة»، إلا أن بعض شعيراته البيضاء بدت سوداء فى الصورة، كما أن بعض التجاعيد تفردت على سطح الصورة اللامع. تستقر فوق حدود البلكونة الضيقة لوحة ذهبية ضخمة للآية القرآنية «وما النصر إلا من عند الله»، يوجد تليفزيون عتيق بمؤخرة ضخمة وشاشة بيضاوية، يوجد دولاب حديدى بضلفتين، توجد مروحة بالسقف وأخرى على الأرض، ويوجد كرسيان مسترخيان أمام المكتب.

%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-720x340

تقدم إسماعيل إلى كرسيه بخطوات ثابتة، فتح أزرار بدلته التى زررها منذ لحظات عند باب الحجرة الأولى، ألقى بتليفونه المحمول على سطح المكتب ثم سدد نظرة عبر نافذته الصغيرة إلى الشارع المزدحم. تقع شقته، التى هى مكتبه أيضا، فى أحد الشوارع المتفرعة من شارع التحرير، حيث تكشف نافذته جانبا من ذلك الشارع الرئيسى، تحديدا الجزء الخاص بأحد أبواب محطة مترو الدقى، ذلك الباب الواقع بجوار جزارة السبكى من جهة، تلك الجزارة التى يُعلق على أبوابها أفيشات الأفلام بجانب أسعار اللحوم، وبجوار المركز الثقافى الروسى من الجهة الأخرى، الذى بات يعلم اللغات الألمانية والفرنسية وحتى الإنجليزية بتخفيضات كبيرة مستمرة كأى مركز تعليمى ربحى، وفى مواجهة الشارع الجانبى تقع سينما التحرير التى كانت أكثر السينمات رقيا فى الثمانينات والتسعينات قبل أن ينحدر بها الحال مع صعود سينمات المولات، وعلى بعد خطوات يوجد محلان متواجهان للشاورمة، أحدهما هو «طازة» الذى بات هنا منذ سنين مشتهرا بسندويتشات شاورمة الفراخ، وفى مواجهته مطعم سورى جديد كتلك المطاعم التى انتشرت بسرعة صاروخية فى السنين الأخيرة، سرعة تتناسب طرديا مع احتدام الصراع السورى. كان الشارع كعادته فى ذلك الوقت من اليوم مكدسا بالسيارات، تأمل إسماعيل المشهد المعبأ بالعوادم الرمادية، وفكر فى أن المشهد سيكون أكثر بشاعة عند دخول المدارس بعد أسابيع قليلة. عاود النظر إلى سطح مكتبه شبه الخاوى ليطارد أية أتربة جرؤت وتسللت إليه. سرى اليوم كما تسرى جل أيامه المتشابهة، حيث يجلس يوميا بمكتبه، يشرب فنجانا من القهوة، يتبعه بكوب من الشاى وهو يتقلب بين صفحات الجرائد والمجلات، يتصل بهذا أو بذاك، ثم يخرج من مكتبه فى تمام الساعة الثانية، يغلق الباب ويتجه إلى غرفة نومه -المجاورة تماما- يخلع بدلته ويرتدى البيجامة الصيفية ذات الخطوط الطولية ويسترخى حتى ينام.

ولكن فى صباح هذا اليوم، واليوم كان الأول من سبتمبر، لفتت انتباهه ورقة صغيرة ملقاة على سطح مكتبه، صغيرة جدا وكأنها قصاصة من دفتر أو أجندة، بدت غريبة على نظره، مد يده إلى جيب بدلته باحثا عن نظارته، لبسها بهدوئه المعتاد وشرع فى قراءة الورقة التى لم تتعدّ سطورها الثلاثة. ما إن أتم قراءتها، أو ربما قبيل ذلك، حتى انتفض فزعا من فوق كرسيه، ثائرا ومحمر الوجنتين، ألقى نظارته على سطح المكتب فأحدثت رنينا مزعجا، أطلق بعض السباب بصوت مضطرب متحشرج وخبط بقبضة يده المرتعشة سطح المكتب عدة مرات فى غضب مشتعل وعصبية متأججة. التقط تليفونه المحمول وسار يذرع الحجرة جيئة وذهابا بينما تنفر عروق رقبته وجبهته وشرايينهما مع كل خطوة يخطوها. ظل يدب بأرض الحجرة منتظرا أن يرد عليه أى ممن يتصل بهم دون فائدة، حتى أجابه رابع من اتصل بهم، فقال بصوت منفعل أقرب إلى الصراخ تخالطه أنفاس غير منتظمة «أنا إسماعيل فايد، المرشح السابق لرئاسة الجمهورية، أنا عندى تهديد بالقتل على مكتبى دلوقتى».

كان صوته مرتبكا إلى الحد الذى تشابكت فيه حروفه ببعضها البعض، فطالبه طرف المكالمة الآخر أن يعيد ما قاله ثانية، أعاد كلماته نفسها وهو يستشيط غضبا حتى اختلطت حمرة وجنتيه وأذنيه النافرتين باحمرار عيونه المتسعة فتحول إلى كرة حمراء شائطة تتدحرج بين جدران حجرته الضيقة، أعاد الجملة ذاتها على مسامعه مرتين أو ثلاثا بصوت بدا أكثر انفعالا وأقل وضوحا.

اتصل إسماعيل الفايد بعشرات الصحفيين والإعلاميين، المذيعين، معدى البرامج ومديرى القنوات والمواقع الإخبارية، والساسة ومديرى مكاتبهم وأصدقائه وأصدقائهم، أبلغهم جميعا بأمر قصاصة الورق الملقاة على مكتبه. زاد وضوح صوته مع توالى المكالمات وازدادت التفاصيل، فاسترسل فى وصف الورقة لبعضهم حتى أنه حدثهم عن خطها المهندم ورحيقها الزاعق وملمسها الخشن، أنهى مكالماته تلك قبلما يتصل بالشرطة أو أى جهة تحقيق رسمية، كاد أن ينسى الاتصال بهم فى غمرة أحاديثه، انتهى من عشرات المكالمات واسترخى على كرسيه وبيده فنجان قهوة باردة دون سكر.

****

كان إسماعيل الفايد قد ترشح فى انتخابات الرئاسة قبل الأخيرة بعدما تقاعد من منصبه كرئيس مجلس إدارة إحدى شركات المياه الغازية – التى لم يشربها قط- لبلوغه سن المعاش، ولكنه تذيل جدول الانتخابات رغم أنه كان أول من تقدم بأوراقه للترشح.

كان إسماعيل يعلم أن فرصته فى الفوز بانتخابات الرئاسة – إن صحت كلمة «الفوز»- تكاد تكون معدومة حيث إنه لا يمتلك الرائحة المميزة الخاصة بالملوك والرؤساء والمسئولين، الرائحة التى كانوا يطلقون عليها فى الأزمنة السابقة «رائحة مولانا» طبقا للأسطورة الشهيرة، أما الآن فصار يشار إليها باسم رائحة السلطة، رائحة المسئولين، أو حتى «الرائحة إياها» كما يقول العامة، وذلك بعدما تبين أن ثمة نفحة منها تنفذ من بين مسام كل وزير، مسئول، رئيس أو حتى مدير، كل حسب مقامه. لم يكن لإسماعيل تلك الرائحة، ولكنه ظل منكرا مكابرا مستسلما لآماله الكبيرة.

تردد على بعض المذيعين كى يستضيفونه فى برامجهم الحوارية ولم يحظ إلا بلقاء وحيد بأحد البرامج الصباحية الذى رغم امتداده لمدة نصف الساعة فقط، إلا أنه صار حديث المصريين لأيام لاحقة.

****

ظن إسماعيل الفايد وهو فى طريقه للقاء المذيعة ذات الشعر الذهبى والصدر النافر والصوت المبحوح أثناء حملته الانتخابية أنه بات قريبا جدا من مبتغاه، فبالرغم من أن البرنامج كان من المزمع إذاعته فى التاسعة صباحا إلا أنه تصور أن قطاعات واسعة من الشعب سيشاهدونه متناقلين مقاطعه المميزة وجمله الحماسية ذات الطابع الرئاسى عبر الإنترنت ووسائل التواصل الحديثة. كان واثقا أن بداخله مخزونا من الطاقة، الزعامة، المشاريع الخلاقة والأفكار المبتكرة القادرة على لفت نظر المواطنين له دون المرشحين المدعومين من الأحزاب ورجال الأعمال ومؤسسات الدولة.

بات واثقا من أنه سيؤدى فى نصف الساعة المحددة له ما يفوق كل منافسيه حتى أنهم قد يمدون فترته الحوارية، كان متأكدا من تمكنه من فنون اللغة وألاعيبها، من مهارات الخطابة وأسحارها، يعلم متى يرفع نبرة صوته ومتى يخفضها، متى يطيل الحروف ويمطها ومتى يقطع أوصالها ويقصف رقبتها، لم يكن مقتنعا بأن عبد الناصر خطيب بارع، كما أن السادات يتأوه بخطاباته أكثر مما يتكلم، ومبارك ممل وبطىء، أما عن منافسيه حينها فحدث ولا حرج. اقتنع إسماعيل أن هتلر كان الخطيب الأبرع والأكثر موهبة بعدما استمع لمجموعة من خطبه غير المترجمة، ورغم عدم إجادته للألمانية إلا أنه شعر بالقشعريرة تسرى ببدنه وتهز أطرافه، كان يظن أن الخطيب الكفء هو من يستطيع أن يأسر مشاعرك ويملؤك وهجا دون أن تفهم أو تنتبه لما يقوله.

كان إسماعيل محتفظا بتسجيلات لكل خطاباته الجماهيرية السابقة، يشاهد نفسه بين حين وآخر، قد ينتقد استخدامه لكلمة معينة أو إيماءة بغير موضعها، ثم ما يلبث أن يثنى على مهاراته البلاغية الواضحة، وعلى تموج صوته وإتقانه للغة وتمكنه من ألفاظها، مخارجها ومعانيها، حتى أنه قد يصفق لنفسه إعجابا ويبتسم بثقة ليث منتصر بينما يسند ظهره إلى كرسيه فى سعادة واغتباط.

فى طريقه إلى ذات الشعر الذهبى، قضى وقته متخيلا رد فعل الجماهير لخطاباته وتأثرهم بها، تفحص وجوه المارة فى الشوارع والسيارات، واعدا نفسه بتفحصهم مرة أخرى بعد انتهاء البرنامج، حيث ستلوح له هذه الجموع ويشيرون إليه بعلامة النصر، قد يضطر لاحقا أن يصطحب معه مجموعة من الحراس مفتولى العضلات، لكنه تراجع وهمس لنفسه أنه لن يستعين أبدا بأى حراس يبعدونه عن الناس وهمومهم. لم يكن متأكدا هل كان فعلا يعنى ما ردده بخاطره أم أنها دعاية انتخابية يرددها لنفسه!

بعد وصوله إلى الاستديو وقبيل بدء التسجيل، طلب منه المخرج أن يتقدم إلى كرسى الضيف، فأشار له إسماعيل مستأذنا بكلمة على انفراد، طلب منه الذهاب إلى الحمام سريعا قبل بدء التصوير، شعر أن مثانته تكاد تنفجر رغم أنه لم يشرب قطرة ماء منذ أن أفرغها من ساعتين، كاد المخرج أن ينفعل فاقدا أعصابه ولكنه كتم غيظه وهو يقول له بهدوء مفتعل «معلش يا أستاذ، هى نص ساعة بس، امسك نفسك يا سيادة الرئيس».

غلب الخجل إسماعيل الفايد وتحرج بعدما تذوق كلمة المخرج الأخيرة بتلذذ، توجه إلى مقعده الوثير أمام ذات الشعر الأصفر وجلس محاولا رسم ابتسامة مصطنعة متناسيا ما يكتمه بمثانته. قدمته المذيعة بكلمات موجزة لم ترض غروره، قبل أن تسارع فى طرح أسئلتها المصحوبة بابتسامة أخذت فى الاتساع. ظل إسماعيل يرد بكلمات قصيرة مقتضبة لا تكاد تجيب عن أسئلتها، كان يجلس منحنيا للأمام قاصدا منع البول من التسرب إلى بنطاله الأسود. ظل متجهما والألم يعتصر مثانته، وعينيه تراقب تكات الساعة المواجهة له متأففا من مؤشرها البطىء الذى يتهادى بأريحية بينما تزداد رغبته فى التبول.

صارت لهجة المذيعة تهكمية من إجاباته التى تضيع كلماتها القليلة بين العديد من النظرات والتأوهات التى دأب على السخرية من السادات بسببها، حروفه متناثرة وكلماته مبتورة، كان عقله يجول بأفكار أكثر أهمية من الأسئلة السياسية، كضرورة استخدام قساطر البول فى اللقاءات التليفزيونية أو حتى كوافيل الأطفال.

ما إن أنهت المذيعة الفقرة حتى خلع الميكروفونات وألقاها بالأرض وهو يجرى متجها إلى دورة المياه، كأى طفل محصور، وقف أمام التواليت طويلا بعدما أسقط بنطاله بين ساقيه، ترقب حركة البول بمثانته حتى سقطت قطرتان، قطرتان فقط، محدثتان دوامات بالماء الراكد بقاع التواليت دون أن يشعر بأية رغبة فى المزيد من التبول.

لم يطل إسماعيل النظر بوجوه المارة أثناء عودته كما وعد نفسه، خطف نظرات سريعة إلى أعين لم تلتفت إليه ولم ترد له النظرات. وعندما وصل منزله، جلس على كرسيه، فتح التليفزيون على القناة التى استضافته، وانتظر، انتظر دون أن يخلع بدلته أو حذاءه، انتظر إعادة للحلقة أو أى تعليق على حواره، كانت البرامج النسائية تسيطر على تلك الفترة الصباحية، فما كان من إسماعيل إلا أن وضع الريموت بجواره واسترخى أمام الشيف الذى استرسل فى شرح طريقة طهى الدجاج بالجبنة الموتزريلا، تجاهل إسماعيل صوت الشيف بينما ظلت عيناه عالقتين بباب الحمام المغلق وفكرة الانسحاب من السباق الرئاسى تدق بعنف فى ثنايا عقله بعد ما وصفه لنفسه بسوء حظ لعين.

ولكن فى صباح اليوم التالى وصلته رسالة واحدة من مجهول عبر إيميله شبه الخاوى، كانت الرسالة من سطر واحد « لقد أذهلنى هدوؤك ورصانتك، أعجبتنى إجاباتك القصيرة الوافية، سأصوت لك فى انتخابات الرئاسة».

ابتسم إسماعيل الفايد وتراجع عن قرار الانسحاب الذى لم يكن قد اتخذه أصلا، وقرر بلحظة استثنائية جدا بحياته أنه سيفعل ما يحبه مهما بدا فاشلا ومحكوما عليه بالإخفاق، موقنا أنه مهما كانت كلماتك ساذجة أو بدت كذلك، فإن هناك دوما من سيقتنع بهرائك.

****

فى ظهيرة اليوم الأول من سبتمبر، خرج إسماعيل من حجرة مكتبه قبل الساعة الثانية عصرا لأول مرة منذ سنين، أغلق الباب والتجهم يغلف وجهه الشاحب تاركا قصاصة الورق إياها على مكتبه تداعب أطرافها نسمات الهواء الصيفية الشحيحة.

بدت تلك الكلمات المنقوشة على صفحتها ناصعة البياض بخط فارسى متقن تموج تحت أشعة الشمس المتدرجة فوق سطحها العارى:

«إلى إسماعيل الفايد،

ستقبض روحك وتلقى حتفك بعد غد الأربعاء، فاستعد وتجهز.

إلى اللقاء،

عزرائيل».

****

قضى إسماعيل وقته على مدار اليوم، متقلبا على أريكته أمام قنوات التليفزيون المختلفة محاطا برائحة أوراق الصحف الطازجة دون أن يفارق التليفون يده، ينظر بين اللحظة والأخرى إلى شاشته آملا فى مكالمة صحفية أو مداخلة تليفزيونية، الأمر الذى لم يتحقق أبدا على مدار نهارين وليلة.

مع مطلع النهار الثانى، توجه إسماعيل الفايد إلى قسم الشرطة مشيا على الأقدام، ورغم شمس سبتمبر التى ما زالت محتفظة بوهجها، إلا أنه استطاع أن يحافظ على بشرته دون أن تمسّها أية قطرات من العرق…

«يا ابنى إنت عبيط؟! أنا أهددك إنت؟!! وهو أنا لو هاعملك حاجة، هاحتاج أهددك يا حيلتها»!!

وصل إسماعيل إلى باب المكتب حينما قال الضابط جملته المستهزئة لشاب عشرينى يقف أمامه مرتديا فانلة حمراء يتصدرها شعار النادى الأهلى وعلى ظهرها رقم 74. كان إسماعيل يحفظ عدد النجوم والدبابير اللازمة لكل رتبة منذ طفولته المبكرة، فتأمل كتف الضابط ولكنه فشل فى تحديد رتبته، وقف بالقرب من الباب وفك أزرار بدلته الكاملة وهو يطرقه، تاه صوت دقاته المتأنية على الباب المهترئ بين نبرات صوت الضابط المنفعل، فأعاد النقر مرة أخرى، أشار له الضابط دون أن ينظر إليه، أشار بطرف يده أن يدخل ويجلس بعيدا، فعلها بإشارة واحدة سريعة من يده.

انتقلت إليه عين الشاب المتحمس متتبعة يد الضابط، ثم ما لبث أن أشاح ببصره عنه، وقال بلهجة حاسمة، بدت أكثر جدية وحزما من لهجة الضابط نفسه، إنه يعرف أن الضابط هو من أرسل له التهديد، وجه إليه سبابته وهو يفصح عن نيته بفضحه بالجرائد وبكل وسائل الإعلام، لم يتلعثم الشاب وهو يبادل الضابط التهديد المزعوم، أنهى كلامه وضرب بقبضته على مكتب الضابط وانصرف سريعا دون أن يستأذن موليا ظهره للجميع، لولا ملابسه الحمراء وشعره المرسل مغطيا أذنيه وحذائه الرياضى لبدا أليقا بكونه ضابطا من نظيره. ظل إسماعيل يتابعه مذهولا، ظل يحملق بمكان الشاب حتى بعد أن غادره، ولم يتحرك من فوق الدكة إلا مع النداء الثانى للضابط سائلا إياه أن يتقدم.

عرفه إسماعيل بنفسه وقدم إليه كارت سحبه من جيب قميصه وزينه بابتسامة نحيلة، قابلها الضابط بابتسامة غير مكتملة، وما لبث أن أشار نحو الباب المفتوح أمامه وقال «شفت حضرتك الشباب وقلة أدبهم» عاقدا شفتيه وهازا رأسه مبديا امتعاضه، سأله إسماعيل عن سبب الشجار الحادث. حكى له الضابط وهو يعبث ببعض الأوراق باحثا عن شىء ما وهذا الشاب كان متهما بقضية بلطجة ثم التفت إلى إسماعيل وسأله إن كان قد لاحظ الجرح الطولى برقبة الشاب، لم يلاحظه ولكنه هز رأسه نعم، جارى الضابط بحديثه الذى استمر واسترسل فى وصف سوء خلق الشاب، عنفه وبلطجته حتى أفلتت كلمة من فم إسماعيل مقاطعا الضابط «وحصل ايه؟»، تنهد الضابط وأسند ظهره إلى كرسيه وقال إن الشاب استغل بعض نفوذ عائلته وأثار الأمر بالصحف والإعلام «عيل ناقص تربية، كنا بنربيه، وده واجبنا، لكن تعذيب بقى وكلام فارغ، طبعا لاء». أبدى إسماعيل انتقاده للإعلام الذى لا يهتم إلا بمشعلى الحرائق كما وصفهم، فصدق الضابط على كلماته.

عوج الضابط المروحة المجاورة له لتكون أكثر مواجهة لوجهه الممتلئ، قال أثناء ضبط وضع المروحة ان الشاب أتاه اليوم بخطاب غريب له رائحة نفاذة وخط فنى متقن مكتوب فيه أن الشاب سيموت بعد يومين. عبث هواء المروحة بالأوراق المواجهة للضابط فعاد ليضبط وضعها مرة أخرى وهو يضيف أن الخطاب كان موقعا باسم عزرائيل ثم ضحك عاليا وهو لا يولى إسماعيل نظره، وقال « أكيد مشجع زملكاوى رخم».

حاول إسماعيل أن يمنحه ابتسامة خاطفة ولكنه فشل فى خيانة ملامح وجهه المتجهم. سأله بلهفة عن الورقة، صورتها، صيغة كتابتها، فاسترسل الضابط فى حديث طويل لم يضف أى جديد… استفاض فى الحديث فى ظل صمت قاتم من إسماعيل الفايد، وعندما نفدت الكلمات وجف الحوار، مال الضابط إلى مكتبه وسأل إسماعيل وهو ينظر إليه مباشرة فى عينيه عن سبب مجيئه إلى القسم. التفت إليه إسماعيل دون أن يعطى ردا، فما كان من الضابط إلا أن أعاد سؤاله مرة أخرى. قال إسماعيل بصوت هادئ خافت « أبدا، كنت عايز أعمل فيش وتشبيه جديد».

عاد إسماعيل إلى بيته فى تاكسى، أخذ يفكر فى احتمالات جدية تلك الخطابات المتشابهة، عاتب نفسه أنه لم يخبر الضابط بالأمر، «لم يكن علىّ أن أخاف من سخريته، كان يجب علىّ أن أصارحه أو أجد أية حيلة للاتصال بالشاب العشرينى..». فاته البيت أثناء سرحانه، سأل سائق التاكسى أن يقف وعاد نحو منزله مشيا وأيقن فى طريقه أن الأمر قد خرج من يديه، وما عليه إلا أن ينتظر حتى يحل الليل فيقضيه حذرا منتظرا أى تفسير للخطاب الغامض.

 

  • فصل من رواية ” رسائل سبتمبر” ، تصدر قريبا عن دار توبقال للنشر