حلم الثورة وطرح الواقع وتجاوزهما فنيا قراءة فى رواية «كلمات يونس الأخيرة»   بقلم : عصام الزهيرى   فى الجزء الثانى من روايته «كلمات يونس الأخيرة» للروائى يوسف نبيل يتبادل

201610210122542254

حلم الثورة وطرح الواقع وتجاوزهما فنيا

قراءة فى رواية «كلمات يونس الأخيرة»

 

بقلم :

عصام الزهيرى

 

فى الجزء الثانى من روايته «كلمات يونس الأخيرة» للروائى يوسف نبيل يتبادل السرد اثنان من الرواة الرئيسيين وبطلان أساسيان من أبطال الرواية،  حازم مهران ويوحنا سامي،  وعبر تقنية تعدد أصوات تقارب البوليفينية فيما تحققه من هارمونى وانسجام متعاقبين فى رسم صورة كلية،  وفيما تحققه أيضا من اتساق بنائى يشكل خلفية الفعل الدرامى المتنامى فى العمل الروائي،  يقدم كلاهما خبرة واقعية كشفية وصادمة ومتفاعلة فيما يتعلق بالزيف الدينى السائد فى مجتمع يعانى حكم مؤسسات سلطوية فاسدة ومتحالفة على الفساد فى مجالات الدين والسياسة والاقتصاد. يبدأ حازم مهران من واقعة صغيرة جرت فى زاويته التى يصلى فيها وشيخها الذى كان يطيل السجود ليعطى فرصة لأحد اللصوص كى يسرق المصلين ليصل إلى أنهم: «رأوا الأمر على أنه فساد رجال دين،  وسيكررون هذا داعين إلى التحرر من سلطة الكهنوت الذى أصاب الإسلام،  وسيكررون أنهم يريدون تخليص الدين من شوائبه وتعليمنا الصورة الصحيحة والراقية،  وفى نفس الوقت سيؤدى هذا إلى تقويض الدين من الداخل.. ليت الأمر اقتصر على فساد بعض الرجال!». الأمر الأبعد الذى لم يقتصر عليه الفساد الدينى الشامل كما توحى به الرواية هو غياب الخبرة الفردية والشخصية الروحية بالدين مع الانتشار الكثيف للأصولية التى ارتبطت بأشكال وألوان من التدين الشكلى غير الجوهرى والتزمت الدينى الخالى من الروح ومن الحقائق والخبرات،  على هذا المستوى النقدى يقدم «حازم» خبرته الروحية الفكرية الشخصية بالدين،  وهى حبكة أساسية من الحبكات الفكرية المتصارعة فى الرواية إن صح القول،  ذلك أن علاقة من الجدل الدرامى المحتدم بين البطلين حازم ويوحنا تدور منذ اللحظة الأولى حول الأداة الدينية الصحيحة التى يمكن أن تقود البشر إلى تغيير ذواتهم ومن ثم تغيير عالمهم،  هل هى أداة الرحمة أم أداة العدل،  مكافأة الخطأ بالتسامح أم مكافأة الشر بالعقوبة،  روح المسيحية المثالية أم روح الإسلام الواقعية؟ يكتشف «حازم مهران» رويدا رويدا أن ما كان يحرك انفعالاته العنيفة لم يكن الإيمان: «لم يكن الإيمان هو الذى حرك غضبى فى الماضى بل الكفر». فيما يقطع «يوحنا» الطريق العكسى إلى نفس الخبرة التى يجب أن تلتقى فيما يبدو فى منتصف طريق،  يقول يوحنا سامي: «قمت بالرد وإرسال رسالة إلكترونية للرجل أخبره أن أغلب الأمور المكتوبة للهجوم على الإسلام فى هذا الموقع هى ما نقدسه تماما فى العهد القديم،  ولا يجرؤ أحد منا على نقده،  هذا العنف يتجلى بقوة فى سفر يشوع وبعض الأسفار الأخرى بالإضافة للزيجات التى لا تعد للأنبياء مثل داود وسليمان»،  فيما تنطلق الخبرتان معا من نفس الواقع: المسجد/ الكنيسة،  يضيف «يوحنا سامي» بدوره الكثير من وقائع الفساد الكهنوتي.

كاميرا السرد الثنائى المتفاعل فى الجزء الثانى من رواية «يوسف نبيل» تدور على خلفية ما يشبه المدخل السردى الشيق لعالم روائى مثير، وهو مدخل تقدمه شخصية الرواية المحورية التى تتخذ من اسمها عنوانا: «يونس». وليست «كلمات يونس الأولى» التى تفتتح بها الرواية غير تعمق سردى يمتلئ بنكهة سحرية خاصة لعالم مصور محترف، صاحب استوديو يؤدى غوصه العميق فى تفاصيل مهنته إلى اصطدامه بقاع الواقع وملامسة أرض خبراته الحية والأليمة، وبضمير المروى عنه يوصف المصور المحترف بأنه: «تحولت عيناه إلى كاميرا دقيقة تعمل بمعزل عن وعيه. آلاف الصور التى التقطها بدقة شديدة لم يكن يراها. شعر بأنه آلة تعمل فى سكون فى انتظار شيء يجهله. تلك اللحظات الساكنة التى تخمد وعينا بينما تبدأ العاصفة فى الهبوب». والعاصفة التى بدأت فى الهبوب بفضل ذاكرة يونس المنظمة تنظيما لا واعيا والمليئة بصور وتفاصيل الواقع الكثيفة التى جمعها عبر سنوات من ممارسة مهنته ليست غير عاصفة تغيير، بدأها برفض العمل باستخدام برامجه الكمبيوترية على تجميل ما تظهره كاميرته من قبح، وتمويه ما انطوت عليه صورها من ألم التشوه والتفسخ والانحلال الطبقى والمجتمعي. ومن هذه الخبرة النفسية الواقعية يتحول يونس إلى محرك فعل يدور حوله كذلك سرد الثنائى الرئيسى حازم/ يوحنا فى الجزء الثاني، فالثلاثة معا صاروا عبر جدل تتعمقه الرواية ببراعة متورطين فى عمل تغييرى كبير طرح يونس فكرته، ولم تكن فى البداية غير «تشكيل مجموعة نستطيع بها مداواة تلك الغربة حتى لا نصل إلى الجنون.. سننطلق من رفض الواقع القائم بكل صوره وبأشكال واضحة، ثم نقوم بعمل برامج خاصة بنا نستطيع بها تنمية عقولنا ونفوسنا فى مدة لا بأس بها، برنامج مثلا من القراءات المنهجية المشتركة، والمجال هنا مفتوح لأى اقتراحات.. إنه باختصار اقتراح لتكوين مجتمع مواز بديل».

يوسف نبيل

يوسف نبيل

عند هذا الحد يكون قارئ رواية «كلمات يونس الأخيرة» وصل إلى عصب تصور درامى يحرك أجزاء الرواية،  تكوين مجموعة يستعين بها أعضاؤها على مجابهة واقع مرعب حد وصف الرواية له،  لكن هذا الهدف لم يكن غير نقطة بداية فقط،  بداية عمل عليها وعى يونس إما بطريقة شعورية محسوبة أو بوعى لا شعورى منفصل ومتفاعل،  فحسب ما يأتى فى مذكراته – التى يعتمد الجزء الأول على اقتطاع أجزاء وافية منها كتقنية ركيزة فى السرد – فإن عالم المرء أشبه ما يكون بلعبة الشطرنج: «كل حركة تخطوها تفرض عليك مجموعة أقل من الاختيارات حتى تنتهى اللعبة بموت ملكك أو موت الملك العدو. اختياراتك هى ما يجبرك على إكمال الطريق الذى بدأته،  ولن يمكنك مهما فعلت معرفة سبب الاختيار،  فيبدو أن فى هذا يكمن سر الإنسان».

«سر الإنسان» واكتشافه طموح المجموعة التى يشكل الأبطال الثلاثة،  يونس/ حازم/ يوحنا،  نواتها وصولا بها إلى تنظيم ضخم يعمل بشكل شبه سرى تحت لافتة «العقل..بداية جديدة»،  ويواصل النمو حتى يصبح قادرا على قيادة ثورة تغيير اجتماعية شاملة تستخدم كل أدوات الاحتجاج والتظاهر والإضراب والعصيان المدني،  وهى الذروة الدرامية المثيرة التى يجتازها الجزء الثالث والأخير من الرواية عبر تقنية تعدد الأصوات أيضا،  ولكن بإضافة شخصيات جديدة تنتمى كلها لعالم التنظيم وتسهم بفعالية فى تحقيق أهدافه ودفع تفاعلاته للصدارة،  يقول «أحمد سمير» أحد العاملين فى مشروع اقتصادى توصل التنظيم إلى إقامته حال ظهوره قرب نهاية الرواية: «إن تجربة العمل فى مصنع الأحذية عندنا تجربة ملهمة بشكل لا يصدق. إن عددنا هنا يصل إلى ما يقرب من سبعين فردا من كل الخلفيات المختلفة. نملك جميعا هذا المصنع وتتخذ القرارات بالإجماع وتنتخب لجنة إدارية منفذة كل عام ومن حق أى عضو أن يعترض على القرارات ويدعو لاجتماع لمناقشة قرار لا يجده فى مصلحة العمل. يجرى كل شيء عبر شفافية ومنطقية واضحة». ولعلنا لاحظنا أن الحلول التى توصلت إليها مجموعة العمل الثورية حسبما رصدت الرواية بشكل دقيق – وخيالى أيضا – عملها،  كانت تتضمن بالإضافة إلى رؤية دينية جوهرية وتثويرية للعالم رؤية سياسية ديمقراطية تقترب من فكرة الديمقراطية المباشرة،  ورؤية اجتماعية اقتصادية عادلة تقترب من تصورات الاشتراكية الطوباوية.

بهذا نصل إلى تصور عام لمضمون العمل يجعله يندرج بشكل واضح فى سياق ما نسميه «أدب الثورة»،  وأدب ثورة يناير بالذات التى تتسع مظلمتها لتشمل غياب هذا الجانب الجوهرى من الانتاج الفكرى المرتبط بها. تجعل الرواية من أحداث يناير الثورية خبرة مركزية لكل شخوصها وتجعل من تداعياتها وأحداثها نقطة انطلاق توليد الخبرة والرؤية والفعل لدى الجميع،  يقول حازم مهران: «وقت الانصراف الأول من الميدان بعد التنحى كنت شديد القلق. أذكر وقتها بقدر فرحتى الهائلة بقدر خوفى المرعب. منا من ترك عمله ومنا من خسر أسرته،  ومنا من تم سحله ومنا من فارق الحياة.. هل حقا يمكننا الحصول على الحرية بهذا الثمن الفادح؟». وقائع الثورة الحية والثمن الفادح الذى دفعه المصريون فى ميادينها الذخيرة التى لا تنفد والتى لا تتوانى عن الاستمرار فى الانطلاق من فوهات وعى مستمسك بضرورة التغيير الجذرى للعالم. رغم ذلك أو ربما بسببه استبقى المقال حتى هنا الحديث عن أول ما يصادفه قارئ رواية «يوسف نبيل» وهو قصتها الإطارية التى حققت لها الإثارة وجعلت القارئ يطارد من السطر الأول ألغازها التى لا تتضح إلا فى السطر الأخير. إنه حادث اختطاف «د. جلال» وهو أكاديمى ومثقف لامع «لم تنسه أعوام الفساد ذائقته الأدبية وعمله كناقد»،  تعرض مجموعة الخاطفين على «جلال» عملا روائيا يكون كل المطلوب منه قراءته،  ويمارس د.جلال عمل قارئ وناقد مستبطن للرواية الداخلية التى تحكى عن يونس وحازم ويوحنا وتفاصيل تفاعل ونمو المجموعة والتنظيم،  يقطع السرد كل حين بملاحظاته النقدية،  ولا يكتشف القارئ معنى وأبعاد اختطافه المثير الذى دبرته مجموعة يونس الثورية إلا فى السطور الأخيرة من الرواية: «الآن سينشر ملف الرواية كاملا على حسابك الإلكترونى على الفيس بوك وتويتر وبعض المواقع الأخرى..بعد ساعات بسيطة ستبدأ العاصفة وإن نجحت الأمور ستتحول إلى بطل بشر بالثورة،  وإن فشل ستتحمل مسئولية كل شيء».

لم يسمح أبطال الثورة فى رواية «يوسف نبيل» بتزييف التاريخ مرة أخرى إذن،  وقبل بداية عاصفة ثورية من الاضطرابات والمظاهرات واحتلال المصانع والتسيير الذاتى للمؤسسات يتم توثيق كل شيء بشكل مسبق حتى لا يعود من الممكن تزييفه كما حدث مع الثورة الأم فى يناير. وهو ما يجعلنا فى صدد رواية متعددة المستويات بنائيا ومضمونيا،  تستمد تعقيدها التركيبى والجمالى ومغامرتها الشكلية من عمق مضمونها الواقعى فلا تشعر قارئها بأنها مقحمة عليه أو مقحمة على الواقع رغم ما سوف يعتبره القارئ طوبوية لا شك فيها،  ورغم حلمها الثورى الذى ينجح فى تصدير وهجه للقارئ باعتباره طرحا واقعيا مهما بلغ الاعتقاد فى مثاليته.