الخطاب الحائر.. إشكاليات وقضايا   بقلم : د. حمدى النورج مدرس النقد وتحليل الخطاب – أكاديمية الفنون بالقاهرة   لا يتمثل ما سوف يطرح مماثلة تطبيقية مع ما هو شائع

9999888

الخطاب الحائر.. إشكاليات وقضايا

 

بقلم :

د. حمدى النورج

مدرس النقد وتحليل الخطاب – أكاديمية الفنون بالقاهرة

 

لا يتمثل ما سوف يطرح مماثلة تطبيقية مع ما هو شائع نقديا، ثمة مراوحة أو مزاحمة بين إجراءات شتى لعالم الخطاب الذى أصبح أيقونة كبرى مفعمة بالإقناع أو الإيقاع، حيث اللغة بتجليها المطلق فى صنع الموتيفات الأيديولوجية الكبرى شئنا أم أبينا…

تحمل اللغة جينات الخطاب، ولذلك يغدو الخطاب حائرا بين اللغة كمكون، وتجلياته كحامل جينات مسافرة ومحفوظة من زمن الخلق الأول، مع آليات جديدة للتفسيرات المتراكمة وفنون التواصل، وبما أن الكلمات حرة التقدم طامحة إلى الحرية، فإن التفسير فى بعض نقاطه سيخاصم حركة هذه الكلمات، بل إنه سينظر إليها ببعض من التوجس والتعصب، بل والطغيان فى بعض المراحل.

إن جوهر الإشكال الخطر يتمثل فى رعونة الخطاب وفورانه، هذه الرعونة التى تجعل من بعض الخطابات حال التصنيف مهمة مستحيلة، أو قضية إلغازية يتجاذب أطرافها كما هائلا من الإجراءات والتعاطي، فالخطاب شريحة زمانية محكومة بإطار مكانى قد يمتد وقد يحد، وتقوم على تفعيله طائفة من العلاقات الداخلية أو الخارجية فى تحديد مقصود لكون هذه العلاقات منفتحة على الخطاب من كل نواحيه.

هذا الخطاب الذى يحمل مجسات الرؤية، وحركة الألواح التكتونية المكونة للأبعاد الثقافية فى مجتمع ما، فكرة تقوم على أن الكون كله كتاب مفتوح فى حالة بناء وتنام، مستمرة ومتسارعة، الأغرب أن حالات اختزال أى خطاب ليست ممكنة، فعمر الخطاب لا ينقضي، وحركة نموه أقل إدراكا، بل إنه يموت ليحيا، ولا يحيا ليموت، أى خطاب قابل للتعاطي، وأى خطاب غير قابل للخضوع، عملا بأن خضوع الخطاب يعنى حدودية حريته التى يضعها عنوة وخداعا، فلا قدرة لهذا الزخم المالك المسيطر والمتغطرس على حبس خطاب ما – ضعف أو كثر، قوى أو قل – عن حركته من حركة الشعوب الطامحة إلى الرقى والنقاء، حيث الاستفراغ من مثالب الرقابة، والسعى إلى سلامة الروح واستوائها حبا وامتلاء.

نحن نتشابك حول التصنيف، ونتشابك حول القبول والرفض، ونتخاصم حول كيفية الدخول إلى عوالم الخطاب بقوة. والحق إن أى خطاب لا يعامل بفتوة أوانتقاص، مثله كمثل الطفل الرضيع الحالم عندما تأخذه الهدهدة إلى عالم السحر والخيال وارتقاء الروح، لن يقبلك الخطاب برعونتك، لن يتعاطى معك وأنت تمارس عليه سلوك التعالي، فوجوده هو أكبر دليل على تجليك المطلق، أنت منه وهو لك.

إن اتفاقنا حول التصنيف يقابله تخاصمنا حول القبول، واتفاقنا حول الاثنين يقابله هاجس النوع الذى أرهق الكثير، والاتفاق حول السابق يقابله فكرة التجنيس، واتفاقنا حول كل القضايا يقابله رعونة الخطاب نفسه الذى يأبى على كل ما سبق طرحه، إذن لا عبرة بحبس هذا الخطاب الذى يطمح للتنفس ويعشق الحرية المسكوبة والضائعة. لكن ما الذى يبحث عنه الخطاب؟

ما الذى يبحث عنه هذا الخطاب الذى ينظر إلينا بتوجس وقلق؟ ولماذا يطرح نفسه طيعا متصالحا؟ يبدو أن فكرة التصالح هذه تعنى النهاية الكبرى، فنحن فى تجاذب وتخاصم مع خطاب وفق حركة الكون التى تستمر فى الإضافة والابتعاد، كلما ابتعدنا أكثر كان حجم إلغاز الخطاب أكثر، ومن ثم نسافر عبر عدة مجاهر لنفتح خزانة الخطاب، ولعل اللغة هى إحدى هذه المجاهر، وربما هى الأيسر والأوضح والأدق، فلاشك فى مصداقيتها أبدا، وحتى لو كتبها مؤرخ سلطوى فرض عليه خطابه نوعا من الرقابة والديكتاتورية، أمامه أن يضحك على خطابه ويصالح لغته، وأمامه أن يتصالح مع خطابه، ويكتب لغته الصادقة التى لا تنفك عنه، وله أيضا أن يفك شفرات لغته فقد كان محبوسا خائفا من ديكتاتورية خطابه.

لا تنقضى مجاهرنا بحق، لكننا نتشكك فى بعض منها، لماذا لا نتشكك فى سياقية الحدث التاريخي، ما دام أن سلاح السلطة فى كل المجتمعات الغرب والشرق هو الذى يضع الخطاب المبرهن على ألق سلطته، هل نتبنى خيارات الرفض المبثوثة فى سياقات بعض الخطابات، لنبرهن على صدقية ما يقال؟ أم نتجه إلى خطاب الوصف والنقد الاجتماعى فى زماننا المتأخر بعض الشيء، أم نقلب خصومات الشعراء والحكام باعتبار أن الخصومات مدعاة لكشف زيف بعض العصور، أم أن سلوك الخصومة مطعون فى مصداقيته؟

نلجأ إلى رحابة التفسير أم إلى شطط التأويل حيث لا وجود لاستقلال العقل، إذا كنا نبنى القناعات على شطط التأويل، فأين احترام خصوصية الخطاب التى احتفت بالتسييق والتزمين والتمكين بل والتشخيص فى بعض معطياتها، ما أدواتنا الحاكمة؟ وهل هى حاكمة كافية أم حالمة خيالية؟ ما حدود انفتاح الخطاب؟ ومن له الحق فى ثبر أغوار الخطاب؟ وإلى أى الوجهات؟ وما حدود استحداث آليات غريبة للنزول بها فى بحر هذا الإرث الثقافى العملاق، والمكون الاجتماعى والثقافى الملغز الحاد.. أين نحن؟

فى وقت ما كتب البعض اعتمادا على السياق الاجتماعى والعلاقة التاريخية أن هناك علاقة ما بين الزهد والإيجاز، أو بمعنى أكثر وضوحا بين الانصراف عن الدنيا والانشغال بالآخرة، حبا أو قهرا، وبنية الإيجاز المكثفة، واليأس من جدوى الحديث، وربما الخشية من التحدث، والانشغال بالآخرة حيث الوصول إلى اللانهاية التى ينغلق فيها المعشوق على ذاته فى حديث نفسى باطني… إن هناك حالة من التوتر بين اتجاهات الحاجة إلى الانبساط والتلقائية، ومحو اللغة من جانب، والحاجة إلى ما يشبه الانقباض والتركز وإثبات اللغة ومقاومتها لنا من ناحية ثانية.

لا ضير إذن أن نقبل السياق الاجتماعى مجهرا فى التفسير والتحليل. فلا شك أن وراء فنون الاختزال والتكثيف سياقات اجتماعية ينبغى كشفها، وإذا كان العربى القديم اعتمد الشعر لغة تكثيف واختزال تواصلا ومعرفة، فلربما الشفاهية الحاكمة الناتجة بالتأكيد من السياق الاجتماعى كانت سببا وراء السابق، فالأمة فى بدئها كانت حافظة لبقة متحدثة واعية لا يفلت منها لحن إلا وعاجلت صاحبه ثبة وانتقاص.

سيبدأ بعد ذلك عصر الانفتاح والتواصل مع كثرة أهل الإسلام وتنوعهم ومع الكثرة يكثر اللحن، ومع غير العرب ستضعف الذاكرة الشفاهية، مجتمع يموج بحركات فكرية حية، وصراعات مذهبية متتالية، وانتصار لخليفة على حساب الآخر، والميل لطائفة فى مقابل الأخرى، سطوة شعراء جدد وخلفاء بالوراثة، ستعود اللغة إلى عزفها وقوتها تمارس دورها القوى فى المرونة والاستيعاب، حيث التراكيب سهلة الاسترجاع، الحية فى الذاكرة، المسعفة فى الاستشهاد، إنها حرب الكلمات الفضفاضة الطويلة المحلاة الموشاة الراقصة، الجاذبة بقصتها وبنائها الفني، تستعير اللغة هنا من السياق الاجتماعى لتفيد فى تجديد آلية التعامل، تنظر بعين الناقد، تغذى الخطاب وتمنحه ما يرجو ليحيا، تعيش هى فى بطنه مصونة قوية، لكنها اللعبة نفسها عندما تأبى على الانصياع، عندما تقدم نفسها بلؤم وخبث، فلها أن تسمح للخطاب أن يلجأ إلى الاستعارة والمجاز مراعاة لهذا المتلقى الجديد الذى انشغل فى وقتنا هذا بالتأويل المفتوح غير المحدد، مفتتنا بدنيا الانفتاح المعلوماتى الهائل وحركة الترجمة الصاخبة، فعاد إلى خطابه القديم ليمارس عليه سياسته الجديدة لعله يظهر ما اختفى، هى اللعبة نفسها التى تطمعنا بها اللغة، وهى الوسيلة أيضا مع خطابها الحاضر الذى لا يموت.

(للحديث بقية)