غربان وملائكة قراءة فى رواية «الخاتن» رواية أدهم العبودي   بقلم : د. شاكر عبد الحميد   مثلما تبدأ هذه الرواية بفعل عنيف قاسٍ مؤلم مدمر للجسد الإنسانى والنفس البشرية،

resize

غربان وملائكة

قراءة فى رواية «الخاتن»

رواية أدهم العبودي

 

بقلم :

د. شاكر عبد الحميد

 

مثلما تبدأ هذه الرواية بفعل عنيف قاسٍ مؤلم مدمر للجسد الإنسانى والنفس البشرية، «والذى تمثل فى عملية الختان شديدة الوحشية لأخت الراوى فى طفولتها» فكذلك تنتهى بالحرق والدم والنيران والموت. ومثلما تبدأ الرواية بحرب مدمرة ونيران تلتهم الأخضر واليابس، لا تبقى ولا تذر، تترك بقايا وضحايا وأشلاء وحالات من الفقد المؤلم والضياع؛ فكذلك تنتهى بموت الحب وقتل الحبيب والأب، الباشا الذى قتل روح ابنته بسبب وقوعها فى حب أحد العامة الطامعين فى ثروته – من وجهة نظره – وثمة ما يشى أيضًا بنوع من زنا المحارم من جانب الأب تجاه ابنته، هكذا يستمر فى الضغط عليها، والامتهان لإنسانيتها، حتى لا تجد مناصًا، فى النهاية، وقد فقدت عقلها؛ إلا أن تقتله، وتحرق نفسها، ويحترق معها وجه «زاخولي» الذى تحول بدوره، بعد ذلك إلى خاتن وولي، وكأنه قد توحد هنا مع عدوه، أى مع من بدءوا المأساة، مع كل المتاجرين بالدم والموت والتقطيع لأوصال الجسد الإنسانى والممزقين لأرواح بريئة تنتهى على أيديهم نهاية مأساوية لا فكاك منها ولا هروب.

 

%d8%a3%d8%af%d9%87%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a8%d9%88%d8%af%d9%8a

الروائي أدهم العبودي

 

هكذا تكون البنية الأساسية التى تقوم عليها هذه الرواية بنية دائرية؛ بنية يكون فيها الزمن شبه أسطوري، حيث يبدو هذا الزمن وكأنه يعود دائمًا من حيث قد بدأ، والتكرار مهيمن على الأشياء والأحداث والبشر. وهناك أيضًا معلومات تاريخية مهمة عن المشكلة الكردية، ومعلومات تاريخية مهمة أيضًا عن تاريخ مصر القديمة، عن طيبة ومعبد الأقصر والملكة حتشبسوت ومسجد أبو الحجاج، وهناك موتٌ، وفقدانٌ للحب والأحبة، وهناك حشيش ومخدرات وجنس، وهنا حشيش ومخدرات وجنس وحب، ووصف لأشكال الخبز وطرائق انضاجه هنا وهناك. وكذلك ولع بالتجوال والتأمل ومراقبة الأماكن والبشر، فى ظل الخرائب والموت والخوف. وهناك أيضًا ولع بوصف احتفالات النيل والفيضان وطقوس الصوفية والأذكار والأولياء والروابط الدينية التى تربط بين مصر وكردستان، وأيضًا اهتمام برصد وتصوير بقايا الحضارات الغابرة والذكريات المقيمة المتعلقة ببقايا تلك الحضارات والموجودة هناك على الجدران والمعابد وداخل نفوس البشر وعلاقاتهم ومعتقداتهم.

ومن ثم فإننا نجد أنفسنا هنا أيضًا أمام رواية عن الموت والفقد والأوطان الضائعة والأمجاد الغابرة والذات التى تبحث من نفسها هناك وهنا، عن هويتها، وبحث كذلك عن الملائكة والغربان، هنا وهناك.

فى هذه الرواية رصد عميق أيضًا لحالة الضياع فى الصحراء بعد سقوط الامبراطورية العثمانية، فى الربع الأول من القرن العشرين، وحروب كردستان وسقوطها، والمنطقة معها، ورحلة طويلة شاقة، عبر الصحراء، للبحث عن الذات وعن الهوية الكردية، والهوية المصرية، ووصف للكردستان فى بداية القرن العشرين، وكذلك لمصر، فى ذلك التاريخ وحيث كان «ليل القاهرة أشد حلكة من ليل كردستان، ضوء القمر شاحب وتغطية أقنعة مسدلة من غيم، إنما برد كردستان أعظم وأشد» ووصف كذلك لجدران محطة الأقصر للسكة الحديد المزدانة بالرسوم الفرعونية الباهتة ويستمر الوصف والتصوير عبر الرواية لحالات تراكب (صورة فوق صورة كما فى السينما) المدن والشخصيات والذكريات والأحداث، من هناك ومن هنا. وفى الرواية تصوير فنى لحالة رجل بلا وطن، رجل تائه احترق أهله جميعهم، أو ماتوا بفعل الحرب أو الختان، ختان البشر أو الأوطان، ومن ثم فإننا نجده دائمًا غارقًا فى قلب مأساة وجوده المهيمنة، مستغرقًا فى ذاته والماضى والذكريات.

هكذا تحول «زاخولي» بفعل الخراب الذى لحق بكل شيء فى كردستان إلى مسخ، أو إلى شخص منقسم إلى شخصين: أحدهما يبحث ويسعى ويتألم، والآخر يراقب ويتخفى ويهرب. وتتكرر عمليات التجول والتأمل والمراقبة، كما قلنا، للمكان والبشر والخرائب والحيوانات والموت الموجود فى الوجود كله، ويستمر بحثه عن منزله، وتتكرر مفردة «المنزل» كثيرًا عبر الرواية، وما المنزل إلا الوطن بكل ما يزخر به من ألفة ومألوف وذكريات. يموت جده وأمه وأبوه وأخته وحبيبته ووطنه كله، وتظل صورهم موجودة مقيمة متوهجة حاضرة دومًا بكل تفاصيلها فى وعيه وعقله ووجدانه. ومثلما تحول «زاخولي» إلى مسخ هناك، فقد تحول إلى شبح هنا؛ شبح قد احترق وجهه مع احتراق جسد الجميلة ابنة الباشا. هكذا يستمر يبحث، مرة أخرى، عن وجهه الحقيقي، يلون وجهه بالإصباغ، ويغير فى ملامحه كل يوم، يبحث عن وجهه الحقيقى الذى فقده هنا وهناك؛ بوجه ملون ملىء بالإصباغ يواجه الناس، ووجه آخر «بلا أصباغ» يواجه نفسه، وما كان له من دليل سوى الغراب، «كان الغراب واقفًا على أفريز النافذة، وجناحاه ملمومان على جسمه، همست إلى «بيومي» وكان يعد كوبين من الشاي: لا أعرف حكاية هذا الغراب، كلما طار بعيدًا واعتقدت أنى استرحت منه جاء، فى الليل فقط» يقول له بيومي، كبير الخدم فى بيت الباشا، والذى أحيه ورعاة « يا خوفى يكون عزرائيل» ويرد عليه الكردى «عزرائيل لا يتخفى، إنه يظهر علنا».

وفى مقطع آخر يتذكر الغراب، والحكايات التى تُروى فى البلدة عنه وعن علاقته به، فيقول: «زعموا أنى أحمل الغراب فوق كتفى لأنه يستشرف عنى الغيب، ثم أحلق معه، واستكشف الأشياء بصوتي، زعموا أن صوتى حاد ، يجلجل فى أرجاء الليل، ويشاهدوننى وأنا أطير، أطير زاعقًا وأحوم فوقهم، وإنى ارتدى لباسا من ورق الشجر؛ فتصبح سماؤهم مفروشة بأوراق الشجر التى تبعث على الأمل، فهل أصدقهم؟»

فى بعض الثقافات الغراب رمز للشر والحقد والمكر وتعمد الأذى والحظ السيئ والموت، والغراب هو الذى نبش الأرض بعد أن قتل قابيل شقيقه هابيل. فى الأساطير الفرعونية يرمز الغراب إلى السعادة الزوجية، وفى الميثولوجيا الاغريقية هو رمز مقدس يتعلق بالإله أبولو والآلهة أثينا، وفى التراث اليهودى رمز للجثث والجيفة والقذارة واللحم الفاسد، وفى الهند صفة خاصة ل فارونا Varuna إلهة المياه والقانون والعالم السفلي، وفى التراث اليابانى يتعلق الغراب بنذير الشؤم وسوء الحظ، لكن فى «الشنتوية» (الديانة الوضعية الرئيسية فى اليابان) الغراب هو رسول الآلهة إلى البشر، يحمل لهم رسائل الفرح والحزن، الخاصة بالحياة والموت، ويتعلق بالمعابد ويحوَم حولها. أما فى التراث الصينى يرتبط الغراب – خاصة إذا كان ذا لون أبيض على صدره – بوحدة الأضداد: الليل والنهار، الخير والشر، الحياة والموت. أما فى «المسيحية» فيرمز الغراب إلى العزلة والوحدة، وعندما يصور الغراب بعينين مقتلعتين فإنه يرمز، هنا، إلى هؤلاء الخطاة الذين أعمى الشيطان عيونهم، والذين صورهم «بروجل» فى إحدى لوحاته. ومثلما كانت «مدّ» كما قيل، تحمل الغربان فوق كتفيها، ثم تحلق، تستكشف الأشياء بصوتها، فكذلك كان «زاخولي» الكردي، الذى أصبح اسمه عبد السميع، فى مصر، يحمل غرابًا على كتفيه فى نهاية هذه الرواية.

لقد اكتسبت أخته، بعد موتها، صفات أسطورية، حيث كان الناس، فى المدينة، يرونها «وهي» سارحة فى أواخر الليل عند حدود المدينة، تلك المدينة الفاصلة بينها وبين الجبال والوديان والأنهار البعيدة، فقالوا إنها حية، وقالوا كان غريبا أن يهطل المطر فى هذا الموسم على هذه المدينة، كما كان غريبا أن تتحول ملامح القدر بهذا الشكل لكن كان المطر ينزل على مدينتنا نيرانا، تلتهم البيوت والسهول والجبال، وتصهر البشر. ومثلما تحولت «مدّ» إلى روح سارحة مهومة حية تتخلق حولها الأساطير، فكذلك أصبحت الحياة، بالنسبة للراوى محتشدة بالأرواح والأشباح، تلك التى صارت تسبح هنا وهناك، وتجلب معها أرواح الموتى والجثث المحترقة والغربان «تحلق نحو عيني، تنقر حدقتيَ، فأغمض عيني، فتتناوب النقر، وأرى أبى وأمى والأرمينية وعروس ومريم، والحلبية وكردستان والجيل والسهول والجثث المحترقة والغربان تدب فوق رأسى وتنعق، وتنقر بدورها فروة رأسي، وفى أعقابى جنون وهوس، والوقت ضبابى والضباب لا يُخفى عن بصرى مقذوفات المفردات التى تقتحم حشاش عيني، مخى يرتج، أجل تضيع الأوطان بلا جدوى، تضيع هدرًا، وقد جرعت المرارة».

هكذا تحول «زاخولي»، السارد الرئيسى فى الرواية، إلى مطارد وطريد، إلى مسخ ووحش وشبح ومومياء، وإلى منبوذ وهائم على وجهه بلا دليل: «ألا يكون للمنبوذ مكان فوق هذه الأرض، فهل كان لى مكان آخر ألوذ به؟» أدخله القدر فى التجربة، لكنه، عندما شاهد هؤلاء الأجانب الذين كانوا يزورون الباشا فى الأقصر ويتاجرون معه فى السلاح، أدرك «أن البشر سواء إن كانوا فى كردستان أو فى مصر لا قيمة لهم أمام سطوة هؤلاء الحواة».

يستغرق الكاتب فى وصفه لمشاهد الحرب فى القسم الأول من الرواية، على نحو طال أحيانا أكثر مما يجب، وقد يستغرق أحيانا أيضًا فى تهويمات وتداعيات لغوية ومجازات قد تعمل على نحو معاكس لحالة التكثيف السردى المطلوبة، لكنها كانت دالة، فى معظمها على حالة الضياع التى وقع الراوى فى براثنها، وكذلك ذلك التيه الذى دخله ولم يخرج منه أبدًا، وذلك الأمل الذى تبدد وأصبح أثرًا بعد عين.

تتردد حول الراوى فى النهاية أصوات الموتى، ورفيف أجنحة الملائكة، وتصعد روحه إلى أعلى، تصعد «سوداء قاتمة»، كما قال، لكنها أيضًا «تصعد وتعود، والموت يهزأ به، لا يريد أن يأخذه فينهى آلامه، ولا أن يتركه كى يحيا حياته ويجدد أمنياته؛ ولم تكن أمنياته تلك سوى أن يترك خلفه، فوق هذه الأرض، الفراغ والرماد والألم، بلا جدوى « لكنه كان يشعر أيضًا بأن «روحه آثمة، سوف تختزل كل الآلام والشكوى والهزل والحريق والرماد والملائكة ومع ذلك، لن تصعد».

هكذا تظل روحه موجودة فى منزله بين منزلتين، تظل معلقة بين الأرض والسماء، بين الحياة والموت، بين الماضى والحاضر، بين كردستان ومصر، بين ذكريات لا تكف عن مهاجمته، وغربان لا تتوقف عن الوجود معه، وخراب أشبه بطوفان دمر فى طريقه كل شيء هنا وهناك.

ومثلما تحضر الغربان عبر الرواية، هنا وهناك، فى مصر وفى كردستان، فى الماضى وفى الحاضر، فكذلك تحضر الملائكة والأرواح، ويحضر عالم الطفولة والبراءة واللعب والحرية والانطلاق، ويحضر معه ويصاحبه أيضًا، عالم الموت والدمار والخراب والقتل والحروب والرحيل، ويتكرر ذكر الملائكة، عبر الرواية، كما قلنا، هكذا تستغرق الأم فى حزن عميق، وبكاء لا ينقطع، بعد موت ابنتها بفعل ذلك الختان العنيف وتقول: «أكبر الخطايا كانت أن نترك الملائكة ترحل، وقد رأينا الأجنحة، وهى تخفق طلوعًا إلى غير رجعة، لم يشفع لنا رجاء. هّجت الملائكة، سافرت حيث «مدّ» وتقول كذلك وهى تهيل التراب على وجهها: «تبا لوطن تهجره ملائكته! لم تعد الملائكة، لم تعد». والملائكة رمز لرسل الآلهة، كائنات نورانية تتوسط بين الأرض والسماء، بين الله والبشر، قوى خاصة بالعالم غير المرئي، للنور والإشراق والأمل. وفى بعض الأساطير تصور الملائكة وهى تعزف الموسيقى على قيثارات من ذهب، ناصعة البياض كالزنبق تكون، تتجول فى عوالم تشبه الأحلام. ولم يكن العالم الذى صوره «أدهم العبودي» فى «الخاتن» إلا ذلك العالم النقيض للأحلام، إنه عالم الموت والخوف والكوابيس والدمار؛ ليس عالم «اليوتوبيا»، كما كان يشى فى البداية، بل عالم «الديستوبيا» عالم الخوف والفزع والفناء والموت والبدد، عالم لم تغادره الغربان، ولم تعد إليه الملائكة، ومن ثم فإنه ظل عالمًا، كل شيء فيه، ليس كما ينبغى أن يكون.