وجدتها إرث نهاد صليحة   بقلم : شريف صالح   قبل رحيلها بساعات تعرضت نهاد لـ“بوست” حاد مثل قذيفة هاون.. يستكثر وصف جريدة “مسرحنا” بأنها “سيدة النقد المسرحى”.. لسببين أن

326

وجدتها

إرث نهاد صليحة

 

بقلم :

شريف صالح

 

قبل رحيلها بساعات تعرضت نهاد لـ“بوست” حاد مثل قذيفة هاون.. يستكثر وصف جريدة “مسرحنا” بأنها “سيدة النقد المسرحى”.. لسببين أن هناك من سبقها فى النقد المسرحى مثل الراحلة لطيفة الزيات.

بالطبع لطيفة الزيات أستاذتها مثلما رشاد رشدى أستاذها الذى ترك فى وعيها بصمة مهمة.. وحقوق الريادة دائمًا محفوظة.. لكن المغالطة هنا أن الزيات لم تفن عمرها فى المسرح والأمر لا يعدو أكثر من اهتمام عابر ضمن حقول الآداب الواسعة.. وهو ما نجده لدى معظم الرواد من طه حسين وصولًا إلى جيل عبد القادر القط ومن تلاه.. فالجميع كتب فى المسرح ربما قبل أن يتخصصوا فى الشعر أو الرواية.. وقد نجد كاتبات سبقن حتى لطيفة الزيات نفسها أو منحن المسرح اهتمامًا أكبر مثل فاطمة موسى.

أيضًا لقب “سيدة النقد المسرحى” لا يصادر أسبقية أحد، بقدر ما يقر حقيقة تعليمها كل الأجيال المشتغلة فى المسرح. هذه الحقيقة أنه لا يوجد ناقد فى مصر تابع هذا الكم من العروض فى أنحاء مصر مثل التى تابعتها نهاد صليحة.. ليس فقط بالحضور وعضوية لجان المشاهدة والتحكيم.. بل أيضًا بالرأى والكتابة عنها.

السبب الآخر بحسب كاتبة البوست.. مجتزأ من حوار قديم اتهمتها بسببه بأنها تروج للمثلية.. وإذا أخذنا الحوار كما هو وعدم افتراض أى تحريف من باب الإثارة الصحفية.. فالاجتزاء ينطوى على مغالطة لتشويه نهاد أخلاقيًا.. لأن كلامها فى سياق الحوار ليس ترويجًا للفاحشة وإنما هو كلام ناقدة تعلم أهمية “الحرية” كى يزدهر المسرح.. فهو فن الدين والسياسة والديمقراطية والمواجهة.. ولا يميته إلا غياب الحرية.. لذلك كانت تقارن بين جرأة المسرح فى الغرب الذى يستطيع أن يتعرض لأية قضية كالمثلية بينما يعجز المسرح العربى عن مناقشتها.. لإدراكها أنها قضايا موجودة فى أى مجتمع.. فهناك فارق مهم بين الجرأة على مناقشتها وبين إنكار وجودها والاختباء فى كبسولة أخلاقية!

وطيلة عمرها عاشت نهاد تطالب بتخليص المسرح من الوصاية السياسية والدينية.. فالمسرح يقيم جماليًا فقط لا غير.. وفساد معايير التقييم هو ما أودى بنا فى النهاية إلى سجن المبدعين لأن إبداعهم لا يناسب “مازورة” القياس السياسية والأخلاقية!

 

لا أود الاستطراد فى تفنيد مغالطات البوست.. لكن المهم أن أشير إلى أن نهاد تركت إرثًا عظيمًا يتلخص فى ثلاثة محاور:

الأول: جهود غير مسبوقة فى النقد التطبيقي.. ما أهلها بجدارة لتكون أهم ناقد مصرى وعربى تابع مئات العروض خلال العقود الأربعة الماضية.. وترجمت ذلك فى مقالاتها فى الأهرام أو مجلة المسرح.. وبعضها نشر لاحقًا فى كتب.

الثاني: جهودها كمترجمة فى متابعة أحدث نظريات المسرح ومن أهم الكتب التى ترجمتها: “نظرية العرض المسرحي”، و”التفسير والتفكيك والأيديولوجيا”، و “ما بعد الحداثية والفنون الأدائية”.

الثالث: تعليم الأجيال.. فهى أفنت عمرها تدرس فى أكاديمية الفنون.. وتخرج على يديها آلاف الطلاب بعضهم أصبحوا بدرجة وزراء.. وبعضهم من ألمع المخرجين والممثلين والنقاد. وقدمت نموذجًا لا مثيل له فى احترام معنى الأستاذية.. علمًا وسلوكًا.

كانت تؤمن كمصرية أنها “بناءة” وأن دورها فى الحياة أن “تزرع”.. ففى بدايات العمر كان حلم حياتها أن تصبح ممثلة مسرح ثم أصبحت صانعة مسرح.. تفتح أبوابه لكل الموهوبين.. مثلما حلمت يومًا أن تصبح صحفية ثم أشبعت هذا الحلم عبر ملاحقتها للعروض والكتابة عنها.

وعندما نقيم إرثها وفق هذه المحاور الثلاثة سندرك حجم الخسارة التى خسرها المسرح المصرى والعربى.. ولعل عزاءنا الوحيد فى تلامذتها لإكمال رسالتها.

ولكل من أراد أن يظلمها أو يبخسها حقها أقول ما قاله اللورد بايرون شاعر الحرية الذى درسته نهاد فى الدكتوراه:

“ليكن نورا” قال الله، فكان نورا .. “ليكن دماء” قال الإنسان، فكان بحرا من الدماء”.