فى معرض معتز الإمام بقاعة «أوبنتو» بالزمالك.. لغة الأرض.. يشكلها الماء وضبابية الفضاء كيف تعمل الطبيعة وتفكر فى لوحات معتز الإمام؟ مشهد الطبيعة بتأثير الماء والأرض   يقلم: فاطمة على

%d9%85%d8%b9%d8%aa%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%85%d8%a7%d9%85

فى معرض معتز الإمام بقاعة «أوبنتو» بالزمالك..

لغة الأرض.. يشكلها الماء وضبابية الفضاء

كيف تعمل الطبيعة وتفكر فى لوحات معتز الإمام؟

مشهد الطبيعة بتأثير الماء والأرض

 

يقلم:

فاطمة على

 

من أهم العروض التى قدمها جاليرى «أوبنتو» بالزمالك معرض الفنان السودانى «معتز الإمام» بعنوان «ويستمر النهر».. المعرض المهم اختاره مدير القاعة المثقف أحمد الضبع وقدم له الفنان القدير سمير فؤاد مع لوحات الفنان معتز الإمام ليكتمل بالثلاثة إعداد لعرض ناجح جدا ومتميز.. و«يستمر النهر» عنوان مجازى فليس فى لوحاته نهر أو أنهار تجرى بل آثار مرور النهر على الأرض أو لغة مرور الماء وتشكيلها لخاصية المشهد الطبيعى المتشبعة أرضه بالماء وفضائه بالرطوبة.. وبتواصل تخاطرى بين الأرض والفضاء..

فالطبيعة لا تكتمل فى لوحات معتز دون الاهتمام بمحيطها المتواجدة فيه فهى ليست مجرد أرض أو نبات بل علاقة أرضية بالهواء والماء شبعها الفنان معتز بحس روحانى وإشارات وعلامات تبادلية بين الأرض وما يعلوها من فضاء.. فطبيعته هى مجموع محيطها.. والمحيط المفتوح هو الذى شكل مشهده من جفاف ورطوبة وضبابية وضوء.. ومثلما تابع التأثيريون تأثير الضوء على المشهد أرى تجربة معتز تتابع تأثير لون الفضاء – الهواء – على المشهد وكثافته الضبابية وتشكيل ماهيته البصرية الروحانية..

المشهد الطبيعى الإفريقى يُولد فى «أوبنتو»

هناك تصاوير شهيرة للمنظر الطبيعى بعد عصر النهضة فى اللوحات الغربية وفى اللوحات الصينية.. وهنا من داخل قاعة «أوبنتو» تتجلى لوحات مشهد طبيعة الأرض فى اللوحة الإفريقية.. وفى الإفريقية نستشعر ثقل الهواء السابق لهطول الأمطار فى البرك والبحيرات وبخار مائها المتصاعد وأيضا بهواء خفيف أكثر صفاء مجهول المصدر.. هى محاولة للتعرف على شىء من العالم والمكان كأنه الطرف الآخر من الطيف.. وربما هى خفيفة وكثيفة معا ومضيئة ومشعة معا متجاوزة المادية كلغز اقترب لكن لم يتحقق.. وعلى المشاهد السعى للتحقق من هذا التواجد ليعطيه القدرة على الارتقاء بخوضه تجربة معتز الإمام الحسية لاختبار قوة الحياة البرية الإفريقية كنمو نبات عفى من أرض ضحلة سريعة التغير بين الماء والجفاف..

لغة الماء وعملها فى الأرض

عند معتز استوقفنى لون هواء اللوحة المُشبع بلون الطبيعة الطازج وأحيانا المُحايد.. وبالضوء المغبش الذى رأيته مشبعا بلون الأرض الإفريقية وبعمليات البخر من البرك والمستنقعات.. وهما متصلان بشدة بهذا العرض وهى العناصر التى تعطى هيكل الوصفية لروحانية الأرض فى لوحات معتز.. وتحولاتها كقوة مهيمنة على الروح والتى عمل عليها الفنان ليصل إلى خصوصية لغتها والتى يبدو لى انها لغة الأرض الإفريقية التى ما زالت غامضة فى لغة المنظر الطبيعى العالمى لانتمائها الفضفاض للغة الأرض والتى لم تكشف بعد عن روحانيتها عكس الاهتمام السائد بجمالية المنظر الطبيعى وماديته.. وأرى أن الفنان معتز كاد يقترب من الإمساك بروحانياتها..

أرض لوحاته بدت محملة بتحولات كسجل أرضى لعلاقة الأرضى بالمائى.. فأحيانا تبدو أرضه الإفريقية عطشى كأنها حمم بركانية متجمدة.. ثم نراها أقرب للصحراوية.. ثم هى تحمل الماء بركا ومجارى ماء.. ثم هى أرض مستنقع ضحلة مشبعة بالماء واللزوجة.. ثم أرض رطبة فى قوة آسرة لبزوغ حياة.. أو بحيرات تشكل مظهر الحياة المائية الأرضية فى إفريقيا.. كأنها جميعا الأرض الشجاعة الصعبة فى تحد..

فنجد أن مشهد الماء – الظاهر الخفى – فى لوحات العرض الكبير يُمكننا من التفكير فى سرعته وفيضه ولمعانه كفلاش مضىء يترك خلفه صورة كاملة التفاصيل عن حركته وخدعه العائمة والغامرة فى وقت واحد وتشبثه بالأرض وهى مغمورة به فى شكل غريزى مقاتل فى مقابل ضغط الهواء بكثافته يعلوها.. وقد استطاع الفنان أن يتهادى بهذا الإحساس عبر عدد من اللوحات استشعرناها دون كلمات وصفية أو تفصيلية.. فبدت أسطح لوحاته مكان التقاء ثنائية الماء بالأرض كمجال قوة جبار يوحى بتمدد الأرض وتقلص اللون.. وأيضا بتأثير جغرافية التضاريس وتيارات الهواء والماء والدفء والرطوبة والارتفاع الساخن عن السطح والرمال ومياه المسطحات الشاسعة..

وفى بُعد آخر نجد فى لوحاته ارتبط الماء الراكد بمفهوم الركود أو الموت عكس الماء الجارى بين مستويى سكونية الزوال وديناميكية السيولة..

المشهد الطبيعى كائن حى

الطبيعة جزء من حياتنا فمثلما الأرض دائمة التبدل بفعل الماء كذلك نحن وكلانا داخل كون واحد دائم التغير.. وتأتى صياغة الفنان بمجاليه البصرى والحسى للوحة المنظر الطبيعى ككائن حى وبتصويره للشعور بالقلق والموت كمحور مركزى تعيشه الطبيعة كشكل من أشكال الحياة من أجل ولادة جديدة نراها تحمل ثنائية الموت والحياة معا.. فهنا ازدواج بطريقة مدهشة فى تلاقى أو انفصال كائن حى بطرفه الآخر.. وبواسطة الضوء المعتم الضبابى الكثيف وأحيانا الضوء الشمسى عزز الفنان رؤيته لذلك الكائن المسمى الطبيعة مهتما بجوهرية الوجود النقية والأرض البلا غبار وركز فكرته عنهما بعيدا عن جانب النسخ.. وتشبهنى لوحات معتز بالرسم العارى للطبيعة وقد جرد الطبيعة من زوائد الرؤية.. كأنه يبحث فى أصل جيناتها وتحولاتها ودلالات الأرض النفسية ككائن حى وقد وقف بثبات على عتبتها..

لوحات معتز الامام التجريدية تبحث فى عمل المناخ والهواء والمطر والماء على النبات والتربة لتظهر لغة الطبيعة وأصواتها.. وتتعدد الأصوات داخل لوحاته ولكل لوحة لغتها الخاصة.. فمياه البحيرات هى لغة النهر معبرة عنه فيضانا أم مجدبا.. والأرض المجدبة لغة الشمس الحارقة.. والمستنقعات هى لغة الركود المائى أى الموت.. وما يُشبه السافانا والبوص وخيزرانات نبت الماء هى لغة الضرورة.. وربما هى مصدر أصوات اللوحة وصفيرها وتذكرنى بالأسطورة اليونانية عن الإله «بان» الذى أخذ يطارد الحورية «سيرنكس» وأثناء مروره عبر الغاب كانت تصدر قصبات الماء صفيرا أعجبه فأراد أن يستمر على هذا الوضع للأبد..

وأحيانا فاجأنا الفنان بصمت الطبيعة المطبق فى لوحات أخرى فكان تعبيره الرائع عن الصمت ومساحات الترقب الفارغة كأن الهواء فرغ من حمله تاركا فجوات مُعلقة فى بنية معقدة وكثافة الفضائى تخلق احتمالية وجود حقل تصويرى مظلم..

107

تناثر كالنجوم البعيدة نقاطا متألقة

هل كان يفعل الفنان – فى بعض لوحاته – بفرشاته ووجدانه وهو يرسم ما يفعله مولوية جمال الدين الرومى وهم يدورون متمثلون لحركة الأجرام السماوية لتتناثر فى لوحاته تلك النجوم اللامعة البعيدة نقاطا وخطوطا تظهر وتتألق كأنها ساقطة من السماء لتفتح أرضه على سمائه بدورانها وأجرامها فى علامات لونية وخطية وتهشيرات حاملة لرسائل مبهمة تستقبلها الأرض مع كل دوران بين بيات واستيقاظ كونى.. لتتلاقى على أرض لوحاته نقاطا واشارات سريعة ومؤثرة كخيوط متناثرة عن روعة الكون ورهبته بذلك التواصل السمائى وذلك العشق الأرضى لعلامات الدوار الكونى كأنها تتلقفها دوامات طاقة تعيد إحياء الأرض فى تواصل بديع ليلتقطها متصوف أو فنان.. وفى لوحات رسائل أجرامه ونجومه السماوية نلمح سير الزمن فى تدفقه الرهيب لينمو داخله النبات مشرئبا تجاه السماء وظلال الشهب يعكسها الفنان فى مياه بحيرة ومستنقع لوحاته كعلامات كونية وإشارات مرسلة للاستيقاظ الأرض كونى منذ وجدت كأرض امتلأت بالحفر والبحيرات والمستنقات التى أرسلت رسائلها نباتا محلقا وأن الرسالة قد أُبلغت.. التلميحات فى صفات الطبيعة هنا فى لوحات الفنان معتز تتجاوز المادية.. فى السعى لمحاذاة فكرة كونية المشهد متجاوز السبب أو التفسير فى لوحات ما بعد الغروب أو قبل فجر الاستيقاظ الكونى.. ليتكئ بلوحاته على مقاييس كونية أكثر منها جمالية..

فهل يناقش الفنان معتز الطبيعة أم يكتب مفرداتها واهتزازات الأرض واللوحة تحت دفق الماء؟ أم انه يرسم الفضاء المحيط ويضع علامات بين العرض التقديمى للوجود الكونى؟ أم يحاول الحفاظ على المشهد فى إطار ميتافيزيقا الوجود مع ميكانيكية أدائه.. ولم هى تلك الخطوط البراقة الساقطة من السماء؟

اشتمام رائحة الأرض

قدم الفنان أفقا مختلفا فى معايشة مشهد من الطبيعية معبرا عنه دون نقله.. فلم يلجأ الفنان السودانى إلى ما يعرفه عن الطبيعة بل الى ما لمسه وأحسه من طبيعة الأرض السودانية الإفريقية المفتوحة دون أن يلجأ تلقائيا إلى استخدام مساحات واسعة من اللون بمحاذاة طرق موحية من الانطباع بوجود حقل أو بحر أو تلال رمل بل اعتمد على رائحة الأرض الرطبة وكثافة الهواء السابق لسقوط المطر أو المحمل بالبخار لنقل جوهر الحياة بما قد يوسع من حدود المفاهيمى لرؤية الفنان لدلالات مشهد عمل الطبيعة ولغتها.. مهتما وتقنيات التعامل مع الهواء المفتوح للمشهد الأرضى الرطب المائى فى غالب مشاهده..

ونراه مُجربا فى لوحاته لحنينه وسلطته العاطفية الكامنة فى أشكاله النقية وأيضا الغامضة بتجاوز المادية للارتقاء ببصيرته.. وقد سبقه بحث – فيما أعتقد – وبجدية عن العاطفة الكامنة بين الأرض.. الماء.. الهواء.. وكيف تعمل الطبيعة بينما هى ماضية بلا توقف.. حتى بدا مشهد لوحاته رغم شدة بساطته غامضا.. وهذا يعنى أن الغموض داخل الفنان أكثر منه داخل الطبيعة..

لقد عمل الفنان معتز الإمام على لوحاته بجدية وإحساس عال وعواطف مشتما رائحة أرضه الإفريقية حتى استحضرها التصاقا وداخل لوحاته تأهب «كأنه فى طريقه عائدا لبلاده».. ثم أغلق عيونه ورسم.